علم المسيح

الفصل الخامس


الفصل الخامس
]]>
الفصل الخامس
إضطراب
المسيح
حقيقته وكيفيته؟
 
1.
اضطراب المسيح كإنسان
2. بلاهوته فوق
الألم والاضطراب

3.
تأكيد ناسوته وحتمية الألم
 
عندما دنت
الساعة المحتومة بمشورة الله، منذ الأزل، ساعة الآلام والموت الكفارى على الصليب،
إضطربت نفس المسيح، إضطرب يسوع بالروح، حزن وأكتأب وقال قبل العشاء الأخير وقبل
العشاء الربانى:
“الآن
نفسى قد أضطربت. وماذا أقول؟ أيها الآب نجنى من هذه الساعة” ثم أضاف
“ولكن لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة”(1).
وهنا
تواجهنا عدة أسئلة:
(أ‌) كيف يضطرب
المسيح وهو القدير؟
(ب‌) لماذا قال
هذا أمام تلاميذه؟
(ج) ولماذا
قال “لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة؟”
 
1-
إضطراب المسيح كإنسان:
اضطرب
المسيح بالروح وكان إضطرابه حقيقة، ولكنه أضطرب كإنسان إضطرب بناسوته أمام ما هو
آت عليه من آلام نفسية وجسيمة وكفارية قاسية ومرة ورهيبة. فقد كان عليه أن يكفر عن
خطايا العالم كله “وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم
أيضاً”(2).
كانت خطية
آدم، الإنسان، غير محدودة لأنه عصى الله الغير محدود، لذا كانت كفارة المسيح غير
محدودة وآلامه بالتالى غير محدودة وقد أحتملها فى ناسوته المحدود بلاهوته غير
المحدود ومن أجل ذلك صارت كفارته غير محدودة ولا يستطيع أن يقوم بها ويحتمل آلامها
سواء:
“فإذ
لنا رئيس كهنة عظيم قد أجتاز السموات يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار لأن ليس لنا
رئيس كهنة غير قادر أن يرثى لضعفاتنا بل مجرب فى كل شئ مثلنا بلا خطية”(3).
“لأنه
كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر ولا دنس قد أنفصل عن الخطاة وصار أعلى
من السموات الذى ليس له أضطرار كل يوم مثل رؤساء الكهنة أن يقدم ذبائح أولاً عن
خطايا نفسه ثم عن خطايا الشعب لأنه فعل هذا مرة واحدة إذ قدم نفسه”(4).
“وليس
بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً… فكم بالحرى
يكون دم المسيح الذى بروح أزلى قدم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميتة
لتخدموا الله الحى”(5).
فقد جاء لكى
“يبطل الخطية بذبيحة نفسه”(6).
إضطرب
كإنسان، إضطربت نفسه الإنسانية وهو يفكر فيما هو آت عليه، من خيانة أحد تلاميذه
وإنكار آخر وشك الباقين وتركهم له وحيداً وأيضاً ما سيتحمله من خزى وعار وإهانة
ولطم وبصق وإكليل شوك وجلد وموت على الصليب فتحققت فيه نبؤة داود النبى “لأنى
من أجلك إحتملت العار. غطى الخجل وجهى. صرت أجنبياً عند إخوتى وغريباً عند بنى
أمى”(7).
إضطربت نفسه
الإنسانية أمام ما سيحدث له على الصليب فى ساعات الظلمة الثلاث وإحتجاب وجه الآب
وتركه يتحمل الآلام التى شاءت إرادته الإلهية أن يتحملها منذ الأزل كاملة
“ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة ونحو الساعة
التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً إيلى إيلى لما شبقتنى أى إلهى إلهى لماذا
تركتنى”(8). إحتمل لعنات الناموس
بالتعلق على خشبة(9) “المسيح افتدانا من
لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا لأنه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة” (10) برغم أنه لم يعرف خطية فقد إحتمل عقوبة
خطايانا وجعل خطية “جعل الذى لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله
فيه”(11).
لقد أخطأ
الإنسان لذلك قدم المسيح نفسه كإنسان، قدم الذى إتخذه من العذراء “لأنه إن
كان بخطية واحد (آدم) مات الكثيرون فبالأولى كثيراً نعمة الله والعطية بالنعمة
التى بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد أزدادت للكثيرين”(12).
وهكذا أيضاً أضطرب بالروح كإنسان إضطربت نفسه الإنسانية، فقد كان كاملاً فى ناسوته
– روحاً ونفساً
وجسداً – كما كان كاملاً فى
لاهوته. وهكذا “اضطرب بالروح”(13)
وقال “نفسى قد اضطربت”(14).
 
– قال العلامة
أورجانوس (185 – 253م)
“لرغبة
ابن الله أن يخلص الجنس البشرى وأن يظهر للبشرية ويقيم بين البشر أتخذ ليس فقط
الجسم البشرى، كما يفترض البعض، ولكن أتخذ نفساً تشبه نفوسنا تماماً فى الطبيعة
ولكن فى الإرادة والسلطان تشبه ذاته… فهو له (نفس) وقد ظهرت
بوضوح فى المخلص فى الأناجيل عندما قال “ليس أحد يأخذ (حياتى) منى بل أضعها
أنا من ذاتى. لى سلطان أن أضعها ولى سلطان أن أخذها أيضاً”(15).
وفى قوله
“نفسى حزينة حتى الموت” وأيضاً “الآن نفسى قد إضطربت” لأنه لا
يفهم أن “كلمة” الله حزين ومضطرب نفسياً (نفسياً – SOUI) لأنه يقول بسلطان لاهوته “لى سلطان أن أضع حياتى”(16).
 
– وقال القديس
كيرلس عمود الدين:
” (يجب
أن) يعرف أن جسد الرب المأخوذ من مريم (كان) له أيضاً نفس… (كتلك)
التى (يملكها البشر الاناسى)، (نفس عاقلة) فإذ ألم الخوف لا ننتظره لا من اللاهوت
الذى لا يقبل الألم ولا من الجسد. إن هذا الألم يختص فى الواقع بتأملات النفس لا
بالجسد… أما الرب
فقد إضطرب لا مما رأى ولكن مما كان يتوقعه، أعنى به أقتراب الصليب منه”(17).
“ثم
نأمل ملياً فى هذا. فمن جهة ميل الطبيعة البشرية إلى الاضطراب وقابليتها للخوف،
ومن جهة أخرى عدم قابلية العزة الإلهية التى لا يعبر عنها للآلم والجرح على
الإطلاق وإتجاهها الذى لا مثيل له إلى عمل الشجاعة الذى يليق بها. إذ أن فكر الموت
يحاول أن يسيطر على يسوع بأن ينساب غليه شيئاً فشيئاً لكن قدرة اللاهوت تسيطر فى
الحال على الالم. وهو يتحرك وتحول ما كان مغُلوباً بالخوف إلى القوة التى لا
تضارع”(18).
وأيضاً
“ونحن نتصور فى الواقع أن خصائص الناسوت كانت تعمل فى المسيح الفادى ذاته
بصورة مزدوجة. فإنه كان يلزم أنه بهذه الخصائص يظهر أنه إنسان، مولود من المرأة،
لا فى الظاهر ولا بالوهم وإنما بالأحرى حقاً وبالطبيعة حاملاً كل خصائص الناسوت
فيما عدا الخطية وحدها. فالخطية والخوف هما فينا آلام طبيعية ولا يسلكان بين
الخطايا. وزيادة على ذلك فالخصائص الناسوتية تعمل أيضاً عملاً نافعاً، لا لكى
تتمكن وتنموا فى حركاتها كما هو الحال فينا، ولكن حتى إذا أثيرت يوماً ما وتحطمت
بقوة الكلمة، فإن الطبيعة تجسد نفسها فقد تحولت فى المسيح أولاً إلى حالة أفضل،
وإلهية. فإنه بهذا وليس بطريق آخر أمكن للشفاء أن يصل إلينا”(19).
“والواقع
أن المسيح بدون أن يكون على الصليب ذاته فقد عانى الاضطراب مقدماً، لأنه سبق فرأى
المستقبل قبل حدوثه، ولأنه أقتيد بالفكر أن يتأمل ما هو عتيد أن يحدث، فنحن نعلم
أن ألم الخوف ليس من اللاهوت الذى لا يقبل الألم، كما أنه بكل تأكيد ليس من الجسد.
إن هذه الآلام تختص فى الواقع بتأملات النفس، لا بالجسد… الرب فقط
إضطراب لا بما رأى ولكن بسبب ما هو فى فكره وما يتوقعه أيضاً”(20).
 
– وقال القديس
أثناسيوس الرسولى
“لأن
الرب أختبر الألم وهو فى الجسد وكشف عن لحمه وعظامه ونفسه الإنسانية التى تألمت
وعانت الأحزان والضيقات”(21).
ويتساءل
“كيف تألم وحزن وصلى كما هو مكتوب (أضطرب بالروح)؟”
ويجيب
“هذه الأفعال لا تمت لجسد بلا عقل، ولا تمت إلى اللاهوت غير المتألم، وإنما
إلى نفس عاقلة لها شعور وتتألم وتضطرب وتحزن وتحس بالآلام فكرياً”(22).
ويتساءل
بلسان الهراطقة “كيف يكون (المسيح)، قوة الآب الطبيعية الحقيقية الذى يقول
عند إقتراب وقت آلام: الآن نفسى قد إضطربت. ماذا أقول؟ أيها الآب نجنى من هذه
الساعة”.
ثم يجيب
عليهم قائلاً “لقد أتخذ جسداً وصار إنساناً وتألم فى هذا الجسد لأجلنا… صار
إنساناً لأجلنا، حل اللاهوت فى الناسوت جسدياً، كما يقول الرسول… وبإعتبار
ذلك يقال عن خواص الجسد، مثل الجوع والعطش والالم والتعب وما شابه ذلك أنها خواصه
إذ كانت فيه، ومن جهة أخرى فالأعمال اللائقة بالكلمة ذاته مثل إقامة الموتى وإعادة
البصر للعميان وشفاء نازفة الدم، قد فعلها من خلال جسده. والجسد قام بأعمال
اللاهوت لأن اللاهوت كان فيه، فالجسد كان جسده”(23).
 
2-
بلاهوته فوق الألم والإضطراب
أضطرب السيد
المسيح كإنسان ولكنه بلاهوته لم يضطرب ولم يتألم لأن اللاهوت فوق الألم والإضطراب
والتحول والتغيير والتعب وما إلى ذلك مما يخص الطبيعة البشرية. وهو غير محدود على
الإطلاق، موجود فى كل مكان وزمان بل هو فوق المكان والزمان والمادة لأنه خالق
الجميع:
” ليس
لأحكام عظمته وطرقه استقصاء”(24).
“الرب
خالق أطراف الأرض لا يكل ولا يعيأ. ليس عن فهمه فحص”(25).
“بمن
تشبهون الله وأى شبه تعادلون به”(26).
“إذا
اجتمع إثنان أو ثلاثة باسمى فهناك أكون فى وسطهم”(27).
“ها
أنا معكم كل الأيام إلى إنقضاء الدهر”(28).
“وليس
أحد صعد إلى السماء وإلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو فى السماء”(29).
“يسوع
المسيح هو أمساً واليوم وإلى الأبد”(30).
“أنا
هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الإله الكائن والذى كان والذى يأتى
القادر على كل شىء”(31).
 
3-
تأكيد ناسوته وحتمية الألم:
ثم نأتى
للسؤالين “لماذا قال هذا أمام تلاميذه؟” “ولماذا قال: لأجل هذا
أتيت إلى هذه الساعة؟”.
ونجيب بأنه
قال ذلك أمام تلاميذه أولا لتأكيد إنسانيته ولتأكيد قسوة وأهوال الآلام الآتية
عليه كما سبق أن بينا –واضطرابه الفعلى كإنسان
أمامها، لأن اللاهوت الذى لم يفارق الناسوت لحظة واحدة ولا طرفة عين لم يخفف الألم
أو قسوته عن الناسوت وإنما أعطاه المقدرة على احتمال هذه الآلام النفسية والجسدية
والكفارية غير المحدودة، أعطى اللاهوت الناسوت قوة غير محدودة لاحتمال الآلام غير
المحدودة، وكان المتألم هو المسيح الواحد والأقنوم الواحد والطبيعة الواحدة، كلمة
الله المتجسد.
وثانياً
لتأكيد حتمية الآلام التى لا مفر منها كما أكد مرات عديدة سواء فى مدة خدمته أو
أثناء العشاء الربانى وبعده حتى تم القبض عليه بالفعل. (أنظر الفصل الثانى).
 

(1) يو 27: 12.
(2) 1 يو 2: 2.
(3) عب 14: 4و15.
(4) عب 12: 9 و27
(5) عب 12: 9 و13
(6) عب 13: 9
(7) مز 7: 69 و8
(8) متى 45: 27 و46
(9) تث 22: 21 و23
(10) غل 13: 3.
(11) 2كو 21: 5.
(12) رو 15: 5.
(13) يو 21: 13.
(14) 27: 12.
(15) يو 18: 10.
(16) See
on Matt. And On John.
(17) فى سر التجسد 22 الأنبا اغريغوريوس.
(18) المرجع السابق 105.
(19) السابق 107.
(20) السابق 107.
(21) تجسد ربنا يسوع المسيح ص20.
(22) المرجع السابق ص 39.
(23) Disc:
III: 26, 37.
(24) رو 33: 11.
(25) المرجع السابق ص 39.
(26) أش 19: 40.
(27) متى 20: 18.
(28) متى 16: 28.
(29) يو 13: 3.
(30) عب 8: 13.
(31) رؤ 8: 1.


الفصل الخامس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار