اللاهوت الروحي

27- نقاوة الأفكار



27- نقاوة الأفكار
]]>

27- نقاوة الأفكار

الإنسان الطاهر النقى،
ينبغى أن يكون طاهر فى جسده وروحه، وأيضاً طاهراً في أفكاره و حواسه ومشاعره، وحتى
في أحلامه وظنونه. و في هذا المقال أود أن أحدثكم عن نقاوة الأفكار.

 

 يجب أن يحرص الإنسان على نقاوة أفكاره، لأن فكره
هو أيضاً ملك لله. وكما نحرص على قلوبنا أن تكون نقية لكي يسكن فيها الله، كذلك
الحال مع عقولنا أيضاً.. وقد ورد في الكتاب المقدس قول الوحى الإلهى: “تحب
الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك”.

 

 إن الذي يترك فكره ينشغل بأمور خاطئة إنما يدل
على أن الله لا يسكن قلبه، لأنه من داخل القلب تنبع الأفكار.. وقد قال الكتاب:
“الرجل الصالح من كنز قلبه الصالح تخرج الصالحات. والرجل الشرير من كنز قلبه
الشرير تخرج الشرور”..

 

 إن القانون لا يحاسبك على أفكارك ولكن الله
يحاسبك على أفكارك. ومن هنا كان الضمير أقوى من القانون وأعمق. لأن الذي يحترس ألا
يخطئ بفكره، من الصعب أن يخطئ بالعمل والفعل.. ومن هنا نقاوة الفكر سبباً في نقاوة
الإنسان كله..

 

 إن أردت أن يكون فكرك نقياً، أبعد عن الأسباب
التي تسبب نجاسة الفكر، ابعد عن كل ما يجلب لك فكراً خاطئاً.. وقد تأتى الأفكار
بسبب قراءات خاطئة، أو سماعات رديئة، أو بسبب الوسط الخاطئ: من خلطة أو عشرة أو
صداقة بطالة، وقد يتولد الفكر الردئ من فكر آخر ردئ.. فابعد عن كل هذا لكي تحفظ
أفكارك طاهرة.

 

 وقد تتولد الأفكار الخاطئة من رغبات أو شهوات
ردئية داخل القلب. وفى الواقع إن الرغبات والأفكار يتعاونان معاً. يمكن لكل منهما
أن يكون سبباً ونتيجة. الفكر الردئ يمكن أن ينجب شهوة رديئة. والشهوة الرديئة يمكن
أن تلد فكراً رديئاً. وفى أحيان كثيرة تكون أفكارك معبرة عن رغباتك. حاول أن تنقى
قلبك من رغباته الرديئة، حينئذ تتنقى أفكارك تبعاً لذلك.

 

 والأفكار والشهوات قد يلدان أحلاماً أو ظنوناً،
فالشيء الذي تفكر فيه أو الذي تشتهيه قد تحلم به. وبهذا تكون على الإنسان مسئولية
في بعض الأحيان تجاه أحلامه. وكلما تتنقى قلب الإنسان وفكره، على هذا القدر تتنقى
أحلامه. وإن حلمت بشيء ضد أفكارك ورغباتك، فقد تنزعج وتصحو بسرعة ولا تستطيع أن
تستمر في الحلم طويلاً..

 

 وقد تكون الأفكار الشريرة في بعض الأوقات مجرد
حرب من الشيطان، يريد بها أن يعكر صفو قلبك، ويفقدك سلامك الداخلى. ولكن ليست كل
الأفكار الشريرة حروباً من الشياطين. إن بين حرب الأفكار والسقوط بالفكر فرقاً
واسعاً.

 

 الفكر الشرير الذي هو مجرد حرب من الشيطان، يكون
قلبك متمرداً عليه، وتحاول إرادتك بكل قوتها أن تطرده وأن تتخلص منه، ولا تقبله
على الاطلاق. أما سقطة الإنسان بالفكر، فإنه يكون خلالها راضياً بالفكر الشرير، أو
ملتذاً به، وقد يحاول أن يستمر فيه ويستبقيه ويطيله، وقد يتعب إن طرأ سبب يقطع حبل
هذه الأفكار. فهل حينما تخطر الأفكر الشريرة بذهنك، تكون مقاوماً لها بصدق، أم
راضياً بها؟ هنا المقياس، وهنا أختبار معدن نقاوتك..

 

 نصيحتي لك أن تقاوم الأفكار الشريرة وتهرب منها.
إن حاربك فكر شرير، حاول أن تشغل ذهنك بشيء آخر لكي تهرب منه. يمكن أن تفكر في أمر
آخر أكثر عمقاً، لكي تحول مجرى تفكيرك. ويمكن أن تنشغل بالقراءة في شيء ممتع، لكي
تتحول أفكارك من ذلك الموضوع الردئ إلى موضوع القراءة. ويمكن أن تصلى سراً وترفع
قلبك إلى الله لكي يبعد الفكر عنك.. وإن لم ينفعك كل هذا انشغل بعمل يدوي أو تكلم
مع أى إنسان لكي تطرد عنك الفكر..

 

 حذر أن تستسلم للفكر الخاطئ، لأن هذه خيانة منك
لله وانضمام منك لأعدائه. وهروبك من الفكر من بدء وروده هلى ذهنك أسهل وأيسر من
محاولتك الهروب بعد استبقائه فترة. لأن الفكر كلما استمر معك، يمارس سلطة عليك،
ويخضع إرادتك لجاذبيته، حتى تصبح عبداً له تنفيذ مشيئته.. وإذا استمر معك الفكر قد
يتحول إلى انفعال أو إلى رغبة أو إلى شهوة.. وقد يتطور إلى محاولة للتنفيذ وبهذا
تنحدر من خطيئة فكر إلى خطيئة عمل..

 

 وقد يأتي الفكر الشرير من الفراغ. وكما يقول
المثل: “فكر الكسلان معمل للشيطان”. فالإنسان المنشغل، العمال، يتحكم في
أفكاره، لأنه يوجهها حسب نوع مشغوليته. التلميذ المجتهد يوجه افكاره في طريق
دروسه، والعالمتشغل أفكاره في العلم، والرياضي في الرياضة، والعابد في العبادة.
وأما الذي يقضي وقته في فراغ، يتعرض ذهنه للأفكار الشريرة. إنه لا يوجه أفكاره، بل
الأفكار هي التي توجهه. نصيحتي لك أن تبدأ المبادرة. قم أنت بتوجيه أفكارك، ولا
تترك الأفكار تعبث بك وتوجهك.

 

 إن الفكر يمكن أن يكون سلاحاً في يدك، ويمكن أن
يكون سلاحاً ضدك، فاتخذه صديقاً لك لا عدواً.

اعرف أن أعظم المشروعات
النافعة بدأت فكرة. وكل الأعمال الإنسانية العظيمة بدأت بفكرة. ونحن قد نحتاج إلي
خبراء نستقدمهم من بلاد بعيدة أو قريبة، لكي نحصل من كل منهم على فكرة.. فلتكن
أفكارك كنزاً لك ولغيرك. لتكن أفكارك بركة للمجتمع الذي تعيش فيه.

 

 فإن لم تستطع أن تجعل أفكارك مصدر نفع لك
وللناس، فعلى الأقل لا تجعلها سبب ضياع لك يفقدك مصيرك الأبدي، ويفقدك نقاوة
قلبك..

 

 لا تنتظر حتى يأتي الفكر الشرير إلي ذهنك ثم
تتعب في مقاومته، بل إبدأ أنت واشغل فكرك بالصالحات.. ليكن لك كنز في التأملات
المقدسة ومن الأفكار الإلهية وكنز من مشاعر الحب نحو الله، حتى يستحي منك ذهنك إن
أراد الشيطان أن ينجسه أو يسقطه..

 

 وإنشغل دائماً بكل ما هو نافع وأعرف أن الله
يقرأ افكارك ويفحصها. لذلك ينبغي أن تخجل من نفسك كما استلمت للفكر الخاطئ.. وإن
سقطت في الفكر فلا تيأس وتستمر، بل قم بسرعة وقوم أفكارك، وليكن الله معك، يهبك
نقاوة الفكر كعطية مقدسة من عنده.


27- نقاوة الأفكار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار