علم المسيح

الفصل السابع


الفصل السابع
]]>
الفصل السابع
إلهى إلهى
لماذا تركتنى؟

 
1.
سر الصرخة
2. الصرخة
والمزمور 22..

3. لم يترك
الآب الابن ولم يترك اللاهوت الناسوت

 
صرخ السيد
المسيح على الصليب قائلاً: “إلهى إلهى لماذا تركتنى (تخليت عنى)؟”
وهنا أيضاً
يواجهنا عدة أسئلة:
– لماذا صرخ
السيد هكذا؟
– وهل فعلاً
تركه الآب؟
– وهل فارق
لاهوته ناسوته على الصليب؟
 
 1.
سر الصرخة:
عُلق السيد
المسيح على الصليب من الساعة الثالثة(*)
إلى الساعة التاسعة(**) أى علق ست ساعات ذاق فيها
آلاماً جسدية ونفسية وروحية (كفارية) حادة وكان قد أنهك تماماً وسفك دمه ولم يكن
ممكناً فى ذلك الوقت –
إذ صرخ قبل الساعة التاسعة بقليل – أن يصرخ هكذا، ولكنه صرخ هذه الصرخة العالية المدوية التى سمعها
كل الواقفين حول الصليب فى الخلاء لكى يبين أن ما يتم الآن على الصليب ليس عن ضعف
منه بل تحقيقاً لعمله، لما جاء لكى يتممه، تحقيقاً لعمله الكفارى الذى سبق أن وعد
به وأعلنه لأنبيائه.
وصرخ هذه
الصرخة لأنه كإنسان كان يجتاز الآلام التى كان يجب أن تتحملها البشرية كلها. لقد
فعل الإنسان الخطية وأنفصل عن الله بسببها وقد جاز السيد المسيح نيراناً ملتهبة هى
نيران الآلام التى يجتازها ونيران الانفصال عن الله كحامل خطايا العالم كله. جاز
فى أختبار نتائج الخطية. فقد أتخذ طبيعتنا، أتخذ كل ما للناسوت “كان مجرباً
مثلنا فى كل شئ بلا خطية”(1)
وعلق على الصليب نيابة عن البشرية كلها وأحتمل الآلام الروحية والنفسية والجسدية،
أحتمل الآلام والخزى والعار والصلب ليس بسبب خطية أرتكبها فهو القدوس البار ولكنه
لأنه وضع ذاته عن البشرية، “جعل نفسه ذبيحة إثم”(2).
“لأنه
كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر ولا دنس قد أنفصل عن الخطاه وصار أعلى
من السموات إذ قدم نفسه”(3).
فقد فتح
عهداً جديداً مع الآب بتقديم ذاته على الصليب ذبيحة:
“الآن
قد حصل على خدمة أفضل بمقدار ما هو وسيط أيضاً لعهد أعظم”(4).
“وليس
بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً… فكم بالحرى
يكون دم المسيح الذى بروح أزلى قدم نفسه له بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميتة
لتخدموا الله الحى. ولأجل هذا هو وسيط عهد جديد لكى يكون المدعوون إذ صار موت
لفداء التعديات الذى فى العهد الأول ينالون وعد الميراث الأبدى”(5).
أنه صرخ
كإنسان نائباً عن البشرية وليس كإله، صرخ كنائب عن البشرية التى سقطت فى الخطية
وبالتالى سقطت تحت سلطان الظلمة.
 
– قال القديس
كيرلس عمود الدين
“إذا
أعتبرنا أن الابن الوحيد تأنس، فهذا الإعتبار هو الذى يجعلنا نفهم لماذا صدرت عنه
هذه الكلمات، لأنه صار كواحد منا ونائب عن كل الإنسانية، وقال هذه الكلمات لأن
الإنسان الأول تعدى وسقط فى عدم الطاعة ولم يسمع الوصية التى أعطيت له وإنما
تعداها بمكر التنين، فصار أسيراً للتعدى ولذلك بكل حق أخضع للفساد والموت. ولكن
الابن صار البداية الجديدة على الأرض ودعى آدم الثانى. وكان الابن الوحيد يقول:
“أنت ترى فى أنا الجنس البشرى وقد وصل إلى عدم الخطأ وقدوس وطاهر” فأعطه
الأن البشارة المفرحة الخاصة بتعطفك وأزل تخليك، وأنتهر الفساد وليصل غضبك إلى
نهايته. لقد غلبت الشيطان نفسه الذى نجح قديماً ولكنه لم يجد فى شيئاً يخصه. هذه
معانى كلمات المخلص التى كان يستدعى بها تعطف الآب، ليس عليه هو، بل على الجنس
البشرى الذى كان يمثله”(6).
لقد أتخذ
الناسوت كاملاً وكان نائباً عن البشرية كوسيط عهد جديد على الصليب ولذا فقد أحتمل
الألام الروحية والنفسية والجسدية، التى سبق أن ذكرناها – إلى جانب إحتجاب وجه الآب عنه كإنسان ونائب عن البشرية التى
انفصلت عن الله بسبب الخطية، فكانت آلامه آلاماً كفارية حادة ورهيبة، عانى من
أهوال فى ناسوته المتحد بلاهوته دون تدخل من اللاهوت للتخفيف عن الناسوت لمنع
الألم، وتخفيفه، وإن كان قد أعطاه القدرة على إحتماله، كان لابد أن تكون الآلام
حقيقة وغير محدودة فأجتنازها بحسده المحدود المتحد بلاهوته غير المحدود.
عومل معاملة
الخطايا، مع أنه لم يعرف خطية، بسبب خطايانا، تحمل عقوبة الخطية وعانى إحتجاب وجه
الآب عنه كإنسان “جعل الذى لم يعرف خطية خطية لأجلنا”(7). وكانت هذه مسرة الآب أن يجعله منسحقاً بالآلام
والجراح لأجلنا: “أما الرب فسر أن يسحقه بالحزن (الجراح). أن جعل نفسه ذبيحة
إثم يرى نسلاً تطول أيامه ومسرة الرب بيده تنجح… بمعرفته
يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها… أنه سكب للموت نفسه وأحصى مع إثمه وهو
حمل خطية كثيرين وشفع فى المذنبين”(8).
 
– “لماذا
قال المسيح إلهى إلهى؟”
“لقد
قالها بصفته نائباً عن البشرية، قالها لأنه “أخلى ذاته، وأخذ شكل العبد،
صائراً فى شبه الناس وقد وجد فى الهيئة كإنسان”(9)
و”أطاع حتى الموت موت الصليب”(10)
أنه يتكلم الآن كإبن للإنسان، أخذ طبيعة الإنسان، وأخذ موضعه، ووقف نائباً عن
الإنسان وبديلاً أمام الله، كأبن بشر، وضعت عليه كل خطايا البشر، وهو الآن يدفع
ديونهم جميعاً…
هنا نرى
البشرية كلها تتكلم على فمه… وإذ وضعت عليه كل خطايا
البشر، والخطية إنفصال عن الله، وموضع غضب الله، لذلك تصرخ البشرية على فمه
“إلهى إلهى لماذا تركتنى‍” (11).
 
– قال القديس
أثناسيوس الرسولى
“لقد
كتب أنه “بكى”… وأنه قال “نفسى قد إضطرب”
وقال على الصليب “إلهى إلهى لماذا تركتنى؟…” وطلب
أن تعبر عنه “الكأس” فإذا كان المتكلم مجرد إنسان دعوه يبكى ويخاف الموت
لكونه إنسان، ولكن إذا كان الكلمة فى جسد… فممن يخاف
مع كونه إله؟ أيخاف من الذين يقتلون الجسد” وكيف يرتعب أمام بيلاطس وهيرودس
وهو ذاته القائل لإبراهيم “لا تخف لأنى معك”…(12) كان قادراً
على تجنب الموت…
ولكنه
تأثر هكذا بالجسد، فى الناسوت، فهو لم يقل كل هذا قبل التجسد بل عندما “صار
الكلمة جسداً” وأصبح إنساناً، فقد كتب إذاً أنه قال هذا بالجسد، أى
إنسانياً”(13).
 
– قال القديس
أغريقوريوس النيزنزى
“وظهر
فى التعبير “إلهى إلهى لماذا تركتنى؟” أنه لم يكن هو الذى تُرك سواء من
الآب أو من لاهوته كما ذكر البعض، كما لو أنه كان خائفاً من الألم… ولكن كما
قلت كان فى شخصه ممثلاً لنا، لأننانحن الذين كنا متروكين ومحتقرين من قبل ولكن
الآن ارتفعنا ونجينا بمعاناة ذاك (المسيح) الذى كان يمكن أن لا يعانى (يتألم) فقد
جعل عصياننا وخطأنا خاص به هو”(14).
 
– قال يوحنا
الدمشقى
“أما
قول المسيح: “إلهى إلهى لماذا تركتنى؟” فمعناه أن المسيح أختص شخصياً،
فإن الآب لا يكون إلهه إلا إذا فصل العقل بتصورات دقيقة بين ما يرى وما يعقل جاعلاً
المسيح معنا فى صفنا دون أن يفصله البتة عن لاهوته الخاص، لكننا كنا نحن المهملين
والمنسيين، حتى أنه وقد أختص شخصنا صلى الصلاة المذكورة”(15).
 
2-
الصرخة والمزمور 22
كان داود
النبى قد سبق وتنبأ عن هذه الآلام وكل ما فيها من آلام مبرحة وصلب وترك فقال بروح
النبوة وكأنه كان واقفاً تحت الصليب يشاهد ويتألم ويكتب:
“إلهى
إلهى لماذا تركتنى؟… أما أنا فدودة لا إنسان. عار عند البشر ومحتقر
الشعب. كل الذين يروننى يستهزئون بى. يفغرون الشفاه وينغصون الرأس قائلين أتكل
على الرب فلينجه. لينقذه لأنه سر به… أحاطب بى ثيران كثيرة.
أقوياء باشان أكتنفتنى… يبست مثل شقفة قوتى ولصق لسانى بحنكى
وإلى تراب الموت تضعنى. لأنه قد أحاطت بى كلاب. جماعة من الأشرار أكتنفتنى. ثقبوا
يدى ورجلى. احصى كل عضامى. وهم ينظرون ويتفرسون فى. يقسمون ثيابى بينهم وعلى لباسى
يقترعون…”(16).
والسيد هنا يبين
لليهود أنه يجتاز ما سبق أن تنبأ به داود النبى عن صلبه وكل ما تم فيه وعن تركه من
البشر ومن الآب. فقد ترك من البشر وأصبح وحيداً كإنسان، وترك من الآب يحتمل الآلام
حتى الثمالة.
أنه يذكى
اليهود بما كتب عنه، أنه ليس مصلوباً بسبب علة أو خطية أو تجديف بل ليتمم المحتوم،
يتمم إرادة الآب، والذى سبق أن أعلن للأنبياء فى القديم. “فإذ ذاك كان يجب أن
يتألم مراراً كثيرة قبل تأسيس العالم ولكنه الآن قد أظهر مرة عند إنقضاء الدهور
ليبطل الخطية بذبيحة نفسه”(17).
” لأنه
لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا. لذلك عند دخوله العالم يقول ذبيحة وقرباناً
لم ترد ولكن هيأت لى جسداً… ثم قلت هأنذا أجئ فى درج الكتاب مكتوب
عنى لأفعل مشيئتك يا الله… فبهذه المشيئة نحن مقدسون بتقديم جسد
يسوع المسيح مرة واحدة”(18).
 
3-
لم يترك الآب الابن ولم يترك اللاهوت الناسوت
وقول السيد
المسيح هذا لا يعنى أن الآب ترك الابن أو انفصل عنه أو أفترق عنه إفتراقاً فى
الجوهر، حاشا، فالآب والابن واحد. والآب فى الابن والابن فى الآب، جوهر واحد،
لاهوت واحد، طبيعة واحدة، إله واحد، والابن قائم مع الآب والروح القدس فى الذات
الإلهية من غير إفتراق من الأزل وإلى الأبد:
“أنا
والآب واحد”(19).
“أنا
فى الآب والآب فى”(20).
“صدقونى
أنى فى الآب والآب فى”(21).
“الآب
فى وأنا فيه”(22).
“أنت
أيها الآب فى وأنا فيك”(23).
كما أن هذا
لا يعنى أن هناك إفتراق بين اللاهوت والناسوت، كلا، لأن إتحاد اللاهوت والناسوت
إتحاد حقيقى وجوهرى وتام وكامل وليس إتحاد عرضى أو وقتى وإنما إتحاد أبدى لا نهاية
له ولا إنفصال “لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين”.
وإنما قوله
“إلهى إلهى لماذا تركتنى؟” يعنى أن الآب تركه يتحمل الآلام الحادة دون
التدخل لتخفيف هذه الآلام كنائب عن البشرية. أنه ترك ليتحمل الآلم كاملاً وبلا
تخفيف. كما أن اللاهوت لم يخفف عنه الآلام، لم يتدخل للتخفيف على الإطلاق، وإنما
أعطى اللاهوت لآلام الناسوت قيمة غير محدودة، لأن الآلام كانت آلام الناسوت المتحد
باللاهوت الغير محدود فصارت قيمة الآلام غير محدودة بل ودعيت آلام الله والدم الذى
سفك دعى دم الله:
“كنيسة
الله التى أقتناها (أشتراها) بدمه”(24).
“لأن
لو عرفوا لما صلبوا رب المجد”(25).
v “هذه
العبارة لا تعنى أن لاهوته قد ترك ناسوته، ولا أن الآب قد ترك الابن… لا تعنى
الإنفصال وإنما تعنى أن الآب قد تركه للعذاب… ولو كان
لاهوته قد أنفصل عنه، ما أعتبرت كفارته غير محدودة، تعطى فداء غير محدوداً يكفى
لغفران جميع الخطايا لجميع البشر فى جميع الأجيال… إذن فلم
يحدث ترك بين لاهوته وناسوته. ومن جهة علاقته بالآب، “لأنه فى الآب، والآب
فيه”(26).
 
– قال يوحنا
الدمشقى:
“ومن
المقولات ما هى التماس للعون والنجدة. مثلاً: “إلهى إلهى، لماذا تركتنى و
“إن الذى لم يعرف الخطية جعله خطيئة لنا”(27).
و”صار لعنى لأجلنا”(28).
و”يخضع الابن نفسه للذى أخضع له كل شئ”(29).
والحال أن الآب لم يترك ابنه قط لا من حيث هو إله، ولا من حيث هو إنسان. ولم يكن
الابن قط خطيئة ولا لعنة، ولم يكن بحاجة أن يخضع للآب. فمن حيث هو إله، وهو مساو
للآب وهو ليس معادياً له ومن حيث هو إنسان، فلم يكن قط مقاوماً لأبيه كى يضطر إلى
تقديم الخضوع له. وإنما قال هذا لأنه أختص بشخصنا وجعل ذاته بمستوانا، لأننا كنا
خاضعين للخطية واللعنة. ولذلك كنا متروكين”(30).
 

(*) مر 25: 15.
(**) متى 45: 27، مر34: 15، لو 24: 23.
(1) عب 15: 4.
(2) إش 10: 53.
(3) عب 26: 8.
(4) عب 6: 8.
(5) عب 12: 9 – 15.
(6) المسيح واحد 78.
(7) 2 كو21: 5.
(8) إش 10: 53 – 12.
(9) فى 2: 7و8.
(10) فى 9: 2.
(11) قداسة البابا شنوده الثالث، كلمات السيد المسيح
على الصليب ص 45.
(12) تك 1: 15.
(13) Against
Ar: 3: 54.
(14) On
The Son: 4: 1.
(15) مئة مقالة فى الإيمان الأرثوذكسى 205.
(16) مز 1: 22 – 18.
(17) عب 26: 9.
(18) عب 4: 10 –10.
(19) يو 30: 14.
(20) يو 1: 14.
(21) يو 11: 14.
(22) يو 38: 10.
(23) يو 23: 17.
(24) أع 28: 20.
(25) 1كو 8: 2.
(26) قداسة البابا شنوده الثالث كلمات السيد، ص42.
(27) 2كو 21: 5.
(28) غلا 13: 3.
(29) 1كو 28: 15.
(30) المقالة 91.


الفصل السابع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار