المسيحية

الفصل الاول



الفصل الاول
]]>

الفصل
الاول

نبذة
تاريخية عن نشأة الاديان

في
بداية حياة الانسان على هذه الارض، على حسب رأي علماء علم الاجناس ” Anthropology”، كان الانسان بسيطاً في تفكيره وفي استيعابه للظواهر
الطبيعية مثل الليل والنهار، والمطر والرعد والبرق وما شابه ذلك. وكانت هذه
الظواهر تثير الخوف والرعب في نفسه. ولما عجز الانسان البدائي عن تفسير هذه
الظواهر عزاها الى قوة خارقة تتحكم فيها وفي حياته. هذه القوة الخارقة لم تكن
محسوسة لديه، اي بمعنى آخر، كانت قوة وراء الطبيعة اي قوة ” ميتافيزيقية Metaphysical”. وبالتالي اعتقد الانسان البدائي بوجود ” كيان روحي Spiritual Being ” يتحكم في الظواهر الطبيعية وفي حياة الانسان. هذه كانت
بداية فكرة الاديان عند الانسان البدائي حسب اعتقاد خبير علم الاجناس الانكليزي
” تايلر E.B.Taylor”. فقد ألف هذا العالم كتاباً يدعى ” الثقافة البدائية Primitive Culture” في العام 1871. ويعتبر هذا الكتاب من اهم المراجع في دراسة
تاريخ الاديان. ويعتقد ” تايلر” هذا ان الاعتقاد ب ” الكيان
الروحي” هذا نتج من تجربة الانسان الجماعية في اشياء مثل الموت والنوم
والاحلام، فجعلته هذه التجارب يعتقد ان الكيان الروحي منفصل عن الجسم ويمكنه ان
يعيش حياة مستقلة تماماً. وبالتالي اصبح الانسان الاول يعتقد في ألاشباح والخيالات
” Phantoms”.

 

وبالطبع
لم يكن الانسان البدائي يعرف القراءة والكتابة ولذلك كل ما تعلمه كان عن طريق
التلقين من آبائه واجداده وبالتالي اصبح علم وحكمة الاباء والاجداد، اي الاسلاف،
كنزاً قيماً يحفظه الاشخاص كبار السن في القرية او القبيلة. ويصبح الشخص الاكثر
علماً رئيساً للقبيلة، وطبيباً يعالج امراضهم بما تعلمه من الاسلاف، ويحكم بينهم
بما يراه عدلاً ان نشب بينهم خلاف. ولا شك ان موت شخص كهذا يمثل فقداً عظيماً
للقبيلة، تحاول تعويضه بأن تتخيل ان روح هذا الفقيد ما زالت تعيش بينهم وتحاول
ارشادهم الى ما فيه خيرهم. وبالتدريج اصبح لمثل هذه الروح مكانة عظيمة في ثقافة
و” فولكلور” هذه المجموعات من البشر، ونتج عن هذا ما يسمى ب ”
عبادة الاسلاف Ancestor Worship “. فكان اذا اصاب هذه المجموعة شر او مرض، عزوه الى ان روح
احد الاسلاف غاضبة عليهم ولذلك وجب عليهم إرضاءها بالرقص وبتقديم الهدايا
والقرابين. وهذه الهدايا والقرابين تمثل ركناً مهماً من اركان الدين، اذ يقوم
الدين على ركنين: إيمان وعمل. والعمل تابع للايمان، فهو شعائره ومظهره. ومن هذه
الشعائر الرقص والسحر والقرابين والمعابد. وما زالت بعض القبائل في امريكا
الجنوبية تؤمن بهذا القول وتعمل به.

 وارواح
الاسلاف هذه كانت في العادة مرتبطة بأماكن معينة مثل صخرة او شجرة كبيرة في وسط
القرية، فأدى هذا الى تقديس هذه الاحجار والاشجار، اذا تصوروا وجود قوى روحية
كامنة فيها فعبدوها، وبالتدريج اصبحت هذه الصخرة او الشجرة رمزاً لروح احد اسلاف
تلك القبيلة. ومن ثم تبلورت فكرة عبادة الاصنام. وكان الصنم في البدء عبارة عن
قطعة من حجر او جذع شجرة. وقد عظّم قدماء العبرانيين الاشجار وكذلك فعل عرب
الجاهلية. ومن هذه الاشجار، الاشجار المعروفة ب “Rothem
” في العبرانية و” رتم” في العربية. وتحظى مثل هذه الاشجار
بالرعاية والعناية فيحتفل الناس بها وكأنها ذات حس وشعور و” ذات انواط”
كانت شجرة خضراء عظيمة، كانت عرب الجاهلية تاتيها كل سنة تعظيماً لها، فتعلق عليها
اسلحتها وتذبح عندها، وكانت قريبةً من مكة. ولما كانت ارواح الاسلاف متعددة، قاد
هذا الى تعدد الآلهة او الشرك. ويعرف الشرك باسم “Polytheism ” في الانكليزية، من كلمة ” Polys”
اليونانية ومعناها ” كثير” ومن كلمة يونانية ثانية هي “Theos ” وتعني ” الاله”. ويختلف الشرك عن عقيدة ال
“Polydaemonism ” القائلة بوجود الارواح والجن.

 

وعبد
بعض الاقوام والقبائل الظواهر الطبيعية لتوّهمهم ان فيها قوىً روحيةً كامنة.
فألهوا الشمس والقمر وبعض النجوم. وقد كانت الشمس والقمر اول الاجرام السماوية
التي لفتت انظار البشر لما في الشمس من اثر بارز في الزرع والارض وفي حياة الانسان
بصورة مطلقة. كذلك القمر لاثره في نفس الانسان بما يبعثه من نور يهدي الناس في
الليل. فلما تقدم الانسان وزادت مداركه في امور ما وراء الطبيعة، تصور لهما قوى
غير مدركة وروحاً وصفات اخرى من الصفات التي تطلق على الآلهة. فخرجتا من صفتهما
المادية البحتة ومن طبيعتهما المفهومة، وصارتا مظهراً لقوى روحية لا يمكن ادراكها،
انما تدرك من افعالهما ومن اثرهما في هذا الكون، فعبدوا الشمس والقمر والنجوم.
ويقال ان طائفة من بني تميم عبدت ” الدُبران” وان بعض قبائل لخم وخزاعة
عبدوا ” الشَعرى” ولذلك جاء في الاية 49 من سورة ” النجم”:
” انه هو رب الشعرى”.

 

ولما
تقدم الانسان البدائي في حياته واصبح مزارعاً، صارت مياه الامطار والانهار مصدر
رزقه وقوته. ولما كان اعتماده على فيضان الانهار كبيراً، نجد ان قدماء المصريين،
مثلاً، قدموا القرابين من العذارى لنهر النيل لكي يرضى عنهم ويفيض عليهم بالخيرات.
وكذلك فعلت مجموعات اخرى من البشر. وقد ارتبطت فكرة خصوبة الارض بخصوبة الام التي
تنتج اطفالاً كثيرين، ونتج عن هذا فكرة ” الإلهة الام Mother Goddess”. ونحت النحاتون الاصنام على هيئة أمرأة حبلى وعارية. وقد
وجُدت هذه التماثيل في عدة اقطار في اوروبا والشرق الاوسط والهند. وقد سميت ”
الالهة الام” بعدة اسماء، فكانت ” إنانا Inana”
في ” سومر Sumeria ” و” عشتار Ishtar” في بابل
و” عنات Anat” في ارض كنعان (فلسطين) و” ايسيس Isis”
في مصر و” افرودايتي Aphrodite” في اليونان.

 

وفي
حوالي العام 4000 قبل الميلاد ظهرت حضارة عظيمة في منطقة ما بين النهرين (دجلة
والفرات) ” Mesopotamia “، اسسها قوم عرفوا ب “السومريون Sumerians”،
بنوا مدن مثل ” أور Ur” و” كيش Kish” وبنوا معابد ضخمة لآلهتهم. وجاء بعدهم ” الكلدانيون
” Chaldians ” والاكديون ” Akkadians” وبنوا اعظم
مدينة في ذلك الحين وسموها ” بابل” وتعني هذه التسمية ” باب
أيل” و”أيل ” هذا هو إله الساميين القدماء. وكانت مدينة بابل
مشهورة بالجنائن المعلقة التي بناها الملك نبخذنصر لزوجته، وتعتبر هذه الجنائن من
عجائب الدنيا السبعة. وكان الكلدانيون يعتقدون ان للآلهة في السماء قصوراً ضخمة
وحدائقا، ولذلك بنوا بابل على طراز القصور السماوية، كما تخيلوها1. وكان في
اعتقادهم ان كل الآلهة اتحدوا مع بعضهم البعض وتغلبوا على قوى الفوضى التي كانت
تسيطر على العالم. ولذلك كانوا يقيمون احتفالاً سنوياً يستمر احدى عشر يوماً يلقي
فيه رجال الدين الاشعار الدينية مثل قصيدة “إنيوما إليش Enuma Elish” التي تمجد انتصار الآلهة على قوى الفوضى وتحكي قصة خلق
الكون. وتبتدئ القصة بخلق الآلهة انفسهم. تدعي الاسطورة ان الآلهة ظهروا، كل
إلآهين مع بعض، من ماء مقدس كان موجوداً منذ القدم. واكبر ثلاثة من الآلهة كانوا:
أبسو Apsu” إله المياه العذبة، وزوجته ” تيامات Tiamat” إلهة المياه المالحة، و” مومو Mummu”
إله الفوضى. ثم تكاثرت الآلهة بأن خرج إلاهان من كل إله قبلهم. فظهر ” لاهمو
ولاهامن” “Lahmu and
Lahamn”، إله الماء وإله
الارض. ثم ظهر ” أنشر” و”كٍشر” ” Ansher and Kisher”، اله السماء واله البحر. واخيراً ظهر إله الشمس ”
ماردوخ Marduk “، الذي تغلب على الالهة ” تيمات” وخلق كل
القوانين التي تحفظ توازن العالم. واخيراً خلق ” ماردوخ” الانسان.

 

يظهر
ان اسطورة ” ماردوخ” هذه اثرت في سكان ارض كنعان (فلسطين) فخلقوا
لانفسهم إله سموه ” بعل Baal”، إله العواصف والخصب. وكذلك إله آخر اسمه ” يام Yam”، إله البحار. واكبر الآلهة اسمه: أل ” El “. وفي احد مجالس ” أل” تشاجر ” بعل” مع
” يام” وتغلب عليه وكاد ان يقتله، عندما تدخلت ” أشيرة ” زوجة
كبير الآلهة ” أل” فقالت له: ” ليس من الشهامة قتل الاسير”.
فعفا عنه. واستمر ” يام” إله البحار يثير الزوابع في البحار ويدمر
السفن، بينما استمر ” بعل” إله العواصف يرسل الرياح لتخصب الارض وتلقح
النباتات

ولكي
يُقرّب الانسان البدائي كل هولاء الآلهة الى ذهنه تخيّل لهم اشكالاً معينة ونحت
اصناماً تمثلهم على الارض، وجاء وقت اعتقد فيه الانسان ان لهذه الاصنام قوة – اذا
تقدم لها بقربان – على ان تفعل الخير له وتُلحق الضرر بأعدائه. فاذا تنازع رجل مع
جاره جاء الى صنمه المحبوب وصلى له ليلحق الضرر بجاره، ولكن الجيران هم الاخرون
كانت لهم اصنامهم. وبينما يدعو الرجل اصنامه لتضر أعداءه، راح يشعر بالقلق إزاء ما
قد تفعله اصنام اعدائه له ولأهل بيته. واضطر الناس ان يفكروا في شئ يحميهم من
اصنام اعدائهم، فوضعوا حول اعناقهم تماثيل صغيرة لاصنامهم لحماية انفسهم من قوة
الارواح الشريرة التي تُحارب في صفوف الاعداء. واصبحت هذه التماثيل الصغيرة هي
التمائم او ” الطواطم “Totem وبدأ بعض الناس يعتقدون ان بعض هذه التمائم تستطيع القاء التعاويذ
على الآخرين وتجعلهم يمارسون السحر. وراح هولاء البعض يؤمنون بأنهم بهذه التمائم
ومناداة الاسماء الحقيقية لبعض الارواح يستطيعون فتح ابواب المستقبل ورؤية ما
يُخبئه لهم.

 

وبرغم
هذه التماثيل والطواطم كان الانسان البدائي يواصل التفكير في الخالق الاول ويتصوره
مصدراً رئيسياً للقوة والخلق، يهيمن على كل شئ ويسيطر على اركان الكون الاربعة،
ولكنه رغم ذلك يحتاج الى مساعدين ينظمون الحياة على الارض ويمكّنوا عامة الناس من
الاتصال بهذا الاله الكبير. وتباينت صور هذا الخالق في اذهان البشر، فمنهم من جعله
ذكراً ومنهم من جعله انثى. واستمر تطور الاديان مع تطور الانسان نفسه، فظهرت فكرة
ان هذا الاله يستطيع ان يبعث رسلاً للناس ليوضح لهم الخير والشر، وتبلورت هذه
الفكرة بظهور النبي ابراهيم.

 

يقول
الانجيل ان ابراهيم (أبراهام) هاجر من مدينة “أور” في العراق الى ارض
كنعان (فلسطين) حوالي القرن العشرين قبل الميلاد. ويقول المؤرخون انه جاء في حوالي
عام 1850 قبل الميلاد وانه سكن مدينة ” الخليل Hebron
” وكان يتكلم اللغة العبرية. واصابت ارض كنعان مجاعة، فهاجر ابراهيم وزوجته
سارة الى ارض مصر ثم رجع الى ارض كنعان ونصب خيمته في” بيت أل Beith –el”

وانجب
ابراهيم في الكبر اسماعيل، الذي تعتبره الميثولوجيا اب العرب، من هاجر المصرية،
وقد كانت خادمة زوجته ساره التي لم يكن لها ولد، فوهبت خادمتها هاجر الى ابراهيم
لينام معها علها تُنجب له ولداً. وبعد ان ولدت هاجر أسماعيل، حبلت سارة وولدت له
اسحاق. وانجب اسحاق يعقوب الذي صار اسمه فيما بعد ” اسرائيل”. وكوّن
احفاد يعقوب القبائل او الاسباط الاثني عشر من بني اسرائيل وهاجر بهم النبي ”
موسى” من ارض مصر الى ارض كنعان. والنبي موسى كان اول من قال ان رسالته
اُنزلت اليه في الواح من عند إله في السماء اسمه ” يهوى Yahweh” وفي بعض الروايات ان اسمه ” إلوهيم Elohim”. ومع ان الاسرائليين كانوا يعبدون عدة آلهة، فقد عاهدوا
موسى انهم سيعبدون الاله ” يهوى” وحده. ولم يدع موسي انه ارُسل الى امة
غير بني اسرائيل، ولذلك لم يبشر بدينه الجديد ولم تنتشر اليهودية خارج بني اسرائيل
الا قليلاً.

 

ثم
بعد مرور ما يقرب من الالف وخمسمائة وسبعين عاماً، ظهر النبي عيسى بن مريم، في
فلسطين كذلك، وقال انه مرسل الى بني اسرائيل، وبشر بديانة لا تختلف كثيراً عن
اليهودية، لكنها عُرفت فيما بعد بالمسيحية. وقد دعا عيسى الى عبادة إله واحد في
السماء، سماه ” ألاب” واحياناً دعاه ” لورد Lord”.
ولكن على عكس اليهودية، صارت المسيحية ديناً عالمياً لكل الناس وليس وقفاً على شعب
معين. وانتشرت المسيحيه، بواسطة المبشرين، الى الاراضي المجاورة من جزيرة العرب
والى اوروبا، خاصة اليونان والامبراطورية الرومانية.

 

وسكان
الجزيرة العربية، كغيرهم من الناس، تدرجوا في عباداتهم من عبادة الاسلاف، الى
عبادة النجوم والكواكب، الى عبادة الاصنام، الى ان جاء الاسلام وكان الدين الوحيد
الذي لم ينزل به نبي من بني اسرائيل.

 

ويلاحظ
القارئ ان جميع الديانات المنزلة نزلت في الجزيرة العربية. فالهند والصين واليابان
وجنوب شرق آسيا، مثل كوريا وفيتنام ولاوس مجتمعة تمثل اليوم اكثر من نصف سكان
العالم، اي حوالي اثنين مليار ونصف المليار شخص. كل هولاء الناس يدينون بالديانات
البوذية او ” الهندوس” وهي ديانات وضعية غير منزلة. وسكان الجزيرة
العربية مجتمعة، لا يتعدون المائة مليون شخص. فلو رجعنا بتعداد سكان العالم الى
الوراء بطريقة عكسية ” Regression ” نستطيع ان نقول قبل حوالي 4000 سنة، لو كان سكان الجزيرة
العربية مليون شخص، افتراضاً، فان سكان الهند والصين واليابان مجتمعه، يكون
تعدادهم ما يقارب 250 مليون شخص. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا ارسل الله كل
هولاء الرسل الى مليون شخص في منطقة فلسطين والجزيرة العربية وتجاهل المائتين
وخمسين مليون الآخرين؟ لم ينزل ولا رسول واحد بلغة الصبن او الهند او اليابان.

 

والسؤال
الثاني: هل كان سكان الجزيرة العربية في عزلة تامة عن بقية سكان العالم وبالتالي
لم يتعرفوا على الديانة اليهودية والديانة المسيحية، وكانوا فقط عبدة اصنام؟
وبالطبع العرب كانوا في اتصال دائم، خاصة عرب جنوب الجزيرة، عن طريق البحر الاحمر،
وعرب شمال الجزيرة عن طريق البحر الابيض المتوسط والبحر الاسود، ببقية انحاء
العالم، وخاصة الامبراطورية الرومانية التي استعمرت اجزاءً من الجزيرة. وبحكم
اختلاطهم بالعالم الخارجي، عرف العرب المسيحية واليهودية وكان يسكن وسطهم يهود
يثرب ويهود خيبر وعدد من المبشرين المسيحيين، كما سنرى في الفصول القادمة من
الكتاب.


الفصل الاول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار