اللاهوت الدفاعي

من هو كاتب الإنجيل للقديس يوحنا؟



من هو كاتب الإنجيل للقديس يوحنا؟

من
هو كاتب الإنجيل للقديس يوحنا؟

القمص عبد
المسيح بسيط أبو الخير

كاهن كنيسة
السيدة العذراء الأثرية بمسطرد

 

بعد
أن دُونت الأناجيل الثلاثة الأولى قبل سنة 70م، دون القديس يوحنا تلميذ الرب
والرسول الذيكان أحد التلاميذ الثلاثة المقربين من الرب، بل والتلميذ الذي كان
الرب يحبه والذي اتكأ على صدره وقت العشاء، والذيسلمه الرب يسوع المسيح والدته وهو
على الصليب ليرعاها كأمه. وقد دون الإنجيل في نهاية القرن الأول الميلادي حيث كان
التلميذ الوحيد الباقي من تلاميذ الرب على قيد الحياة، فقد سبق أن وعده الرب
بالعمر الطويل (يو21: 23). وكان القديس يوحنا بطبيعته مؤهلاً من الروح القدس ليحفظ
أعمق كلمات الرب يسوع المسيح اللاهوتية والروحية، وقد دون الإنجيل كما قال في
نهايته “وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ
الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ
بِاسْمِهِ” (يو20: 31). ولأنه دون هذا الإنجيل بهدف تأكيد الإيمان بأن يسوع
هو “الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ “، كما دونه بعد انتشار الأناجيل الثلاثة
الأولى بسنوات، لذا فقد تجنب ذكر أكثر ما دُون فيها وركز على تدوين أعمال الرب
وأقواله التي تمت في قانا الجليل واليهودية والسامرة وبيت عنيا وحواراته مع رؤساء
اليهود في أورشليم والهيكل وخطابه الوداعي الطويل بعد العشاء وصلاته الأخيرة قبل
القبض عليه، كما دون شهادة يوحنا المعمدان عن المسيح كحمل الله الذييرفع خطية
العالم وكونه ابن الله النازل من السماء. وقد بدأ القديس يوحنا هذا الإنجيل بمقدمة
لاهوتية تبرهن كون المسيح “كلمة الله” الأزلي والخالق الذي نزل في ملء
الزمان و”وَالْكَلِمَةُ صَارَ (اتخذ) جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا
مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً”
(يو1: 14). وقد ركز على تسجيل أقوال المسيح التي تعلن إنه “كلمة الله”
و”ابن الله” و”نور العالم” و”مخلص العالم” (يو12:
47) و”الواحد مع الآب” (يو10: 30) في الجوهر والإرادة والعمل،
و”الطريق والحق والحياة” (يو14: 6) و”حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي
يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ” (يو1: 29و36) و”الرَّاعِي
الصَّالِحُ” (يو10: 11و14)، و”الملك السمائي ” (يو18: 36)،
و”النازل من فوق” (يو8: 23)، و”ماء الحياة” (رؤ21: 6؛4: 13)،
و”خبز الحياة” (يو6: 35و48)، و”شافي الأمراض الميئوس من
شفائها” (يو5: 5-9)، و”خالق العينين للأعمى” (يو9: 32)،
و”محيي الميت الذيتعفن جسده” (يو11: 43)، وكلى القدرة الذيلا يستحيلعليه
شئ “مهما عمل ذاك (الله الآب) فهذا يعمله الابن كذلك” (يو5: 19)، وكلى
المعرفة الذيلا يخفي عليه شئ (يو21: 17)، ومرسل الروح القدس (يو16: 7)، والموجود
في كل مكان، في السماء وعلى الأرض في آن واحد(يو3: 13)، 000 الخ. ومن ثم فقد وصفه
بعض آباء الكنيسة مثل إكليمندس الإسكندري “بالإنجيل الروحي”، فهو
“قدس أقداس” الإنجيل بأوجهه الأربعةبل والعهد الجديد.

وكما
ركز القديس يوحنا على لاهوت المسيح فقد ركز أنها على ناسوته وإنسانيته وسجل أقوال
كثيرة للرب عن تعبه وآلامه وجوعه وعطشه وأكله وشربه وكماله الجسماني كإنسان مكون
من لحم ودم وعظام، وكماله الإنساني كإنسان مكون من جسد ونفس وروح. فقد سجل القديس
يوحنا أقوال الرب وأعماله التي تبرهن على أنه ابن الله وكلمة الله الذاتي الذي نزل
من السماء وحل بين البشر في صورة إنسان بعد أن اتخذ جسداً “والكلمة صار جسداً
وحل بيننا”، ومن ثم فقد قدم المسيح الإله والإنسان، الإله المتجسد، الذيكان
هو ابن الله وكلمة الله وابن الإنسان وآدم الثاني، كلمة الله الذيصار جسداً وابن
الإنسان الآتي على سحاب السماء وديان البشرية.

وقد
دون القديس يوحنا الإنجيل الرابع وكتبه بالروح القدس، والقديس يوحنا هو الوحيد من
الإنجيليين الأربعة الذيذكر ودون أقوال الرب يسوع المسيح عن إرساله للروح القدس من
الآب، ضمن خطابه الوداعي الطويل بعد العشاء الأخير وأوضح فيه عمل الروح القدس في
التلاميذ والرسل أثناء شهادتهم للمسيح ودوره معهم: “يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل
ما قلته لكم” (يو14: 26)، “فهو يشهد لي” (يو15: 26)، “فهو
يرشدكم إلي جميع الحق 000 ويخبركم بأمور آتية ذاك يمجدني لأن يأخذ مما لي
ويخبركم” (يو16: 13). وهذا ما عمله الروح القدس تماماً مع القديس يوحنا أثناء
كرازته وعند تدوينه للإنجيل، فقد علمه ما لم يكن يعلمه وذكره بما قاله وعمله الرب
وشهد للرب يسوع المسيح ومجده. كان الروح القدس هو ضامن الحق للصورة الإلهية في
الإنجيل الرابع وفي كل العهد الجديد، هذه الصورة التي لا يمكن لفنان مهما كان
إيداعه في فنه أن يرسمها بدون وحي إلهي وعمل الروح القدس، وقد أصبح الإنجيل الرابع
وكل العهد الجديد، كما يقول المؤرخ الكنسي فيليب شاف لغز في تاريخ الأدب وغير قابل
للحل العقلي.

 

1 – بداية التشكيك لفي أن كاتب الإنجيل الرابع هو يوحنا:

وقد
آمنت الكنيسة ولمدة ثمانية عشر قرناً تقريباً علي أن كاتب الإنجيل الرابع هو
القديس يوحنا الرسول، تلميذ المسيح الذيكان يحبه إلي أن جاء من يدعى إيفانسون
Evanson الإنجليزي (1792م) وقال بناء علي ما تصور إنه اختلاف بين أسلوب
سفر الرؤيا وأسلوب الإنجيل الرابع وزعم أن هذا الإنجيل لم يكتبه القديس يوحنا بل
كتبه فيلسوف أفلاطوني من القرن الثاني، وانقسمت أراء النقاد بعد ذلك ودار بينهم
صراع ما تزال آثاره موجودة، وتلقف أراء النقاد هذه بعض المهتمين بدراسة مقارنة
الأديان في الشرق دون أن يهتموا بالمرة بالبراهين التي قدمها علماء الكنيسة أو بما
تطورت إليه أراء هؤلاء النقاد بعد ذلك لأنها لا تحقق أهدافهم. وقد تراجع النقاد
ومن تبعهم من العلماء عن هذه الآراء أمام البراهين الساطعة التي تأكدت تباعاً حتى
وصلوا إلي حقيقة هامة ومجمع عليها، وهي أن هذا الإنجيل، الرابع وثيق الصلة بالقديس
يوحنا ولا يبعد عنه بأي حال من الأحوال، فقد خرج من دائرته ومن تسليمه ومن تعليمه.
وانقسمت أراء هؤلاء النقاد والعلماء إلي ثلاثة اتجاهات كلها تبدأ من القديس يوحنا
وتنتهي إليه، وهي:

(1)
أن القديس يوحنا قد كتب هذا الإنجيل بمعونة أحد تلاميذه الذين كانوا معه، وهذا
التلميذ لم يذكر اسمه وتحت ضغط القديس يوحنا لم يجعل أسمه، اسم القديس يوحنا،
واضحاً في طيات الكتاب.

(2)
أن واحداً من تلاميذ القديس يوحنا قد جمع هذا الإنجيل واستخدم في ذلك مذكرات أو
مواعظ القديس يوحنا التي سمعها منه.

(3)
إنه كانت هناك مدرسة أسمها مدرسة يوحنا انتشرت فيها أفكار ومواعظ ومذكرات القديس
يوحنا عن الرب يسوع المسيح، وهذه المدرسة هي المسئولة عن جمع هذا الإنجيل وكتابته،
كما تسلمته من القديس يوحنا وحفظته عنه.

ولكننا
نؤمن إيمان راسخ مبنى علي الحق والواقع ومؤيد بالدليل والبرهان علي أن مدون هذا
الإنجيل، الرابع، وكاتبه بالروح القدس هو القديس يوحنا، وبنفسه، سواء كان قد كتبه
بقلمه أو أملاه علي أحد تلاميذه.

 

2 – مدخل ضروري قبل دراسة الأدلة الخارجية والداخلية:

يبذل
الكثيرين من الكتاب من الأخوة المسلمين جهوداً جبارة في نقل ما سبق أن كتبه نقاد
الكتاب المقدس، من ملحدين وغيرهم، بل وما كتبه بعض ممن يسمون بعلماء الكتاب المقدس
من المتحررين أو العصرانيين
Modernists، إلى جانب ما أضافوه من آرائهم الشخصية المبنية أساسا على فكرة أن
الكتاب المقدس محرف وذلك لمحاولة إثبات أن الذين جمعوا الإنجيل بأوجهه الأربعة
ودونوه ليسو هم الإنجيليين الأربعة المعروفين، متى ومرقس ولوقا ويوحنا، بل كتبه أناس
آخرين مجهولين الهوية، ويستخدمون الأسلوب الجدلي الذي يتجاهل الكثير من الحقائق
التي لا يغفلها إلا كل من له غرض في نفسه فقط!!

وفي
هذه الدراسة نقدم تعليقا على بعض هذه الأقوال والادعاءات ونثبت للجميع بالدليل
العلمي أن كاتب الإنجيل الرابع هو القديس يوحنا الرسول ابن زبدي تلميذ المسيح

قال
أحد الكتاب الذين يهاجمون المسيحية:


موضوع دراستنا هنا إن شاء الله هو كاتب إنجيل يوحنا، وقبل أن نخوض فيه أوّد أن
أشير إلى مقدمة مهمة، وهي أننا حتى نعرف أنّ الكتاب الفلاني وحي من عند الله، يجب
علينا أولاً معرفة الكاتب، ثمّ يجب أن يصرح الكاتب نفسه بأنّ هذا الكتاب هو وحي من
عند الله، ثم عليه أن يثبت دعواه بالأدلة والبراهين.ثم بعد ذلك يجب أن يتوفر السند
المتصل عن الكاتب، وهو مثلاً أن يخبر تلاميذيوحنا أنهم شاهدوا يوحنا يكتب إنجيله
أو أنه هو أخبرهم بذلك، ثم يقوم تلاميذه بنقلهذه المعلومة إلى تلاميذهم أو من هم
دونهم، ويجب على الأخيرين أن يصرحوا بكل وضوحوبكلام لا لبس فيه، أنهم سمعوا من
معلميهم (الذين هم تلاميذ يوحنا) أن يوحنا بنزبدي هو كاتب هذا الإنجيل، ثم يخبر
هؤلاء من هم بعدهم وهكذا. هذا إذا أضفناشرط التواتر الذي يستحيل توفره في الكتاب
المقدس.


فهل إنجيل يوحناتتوفر فيه هذه الشروط؟؟؟


هل كاتب إنجيل يوحنا معروف؟؟؟


هل ادّعى – على فرض معرفته – أنّ كتابه وحي من عند الله؟؟؟


هل أقام البراهين على ذلك؟؟؟


هل نُقل إلينا بالسند المتصل؟؟؟


هل تواتر نقله؟؟؟

فكيف
يُنسبكتاب إلى الله والكاتب في الأصل مجهول؟؟؟؟”.

ويعتمد
هذا الكاتب وغيره على أساس أنه لم يذكر أحد أن كاتب الإنجيل الرابع ذكر بالاسم قبل
القديس إريناؤس في نهاية القرن الثاني الميلادي، وتجاهلوا العديد من الحقائق:

1
– أن القديس يوحنا وبقية الإنجيليين الأربعة لم يؤلفوا الإنجيل من خيالهم إنما
سجلوا، دونوا، جمعوا بالروح القدس، ما سبق أن عمله وعلمه الرب يسوع المسيح كقول
القدس لوقا بالروح ” جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ
بِهِإِلَى الْيَوْمِ الَّذِي ارْتَفَعَ فِيهِ ” (أع1: 1و2). وكما قال القديس
يوحنا في رسالته الأولى ” اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي
سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ،
وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ.فَإِنَّ الْحَيَاةَ
أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ
الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا ” (1يو1: 1و2). وما قاله
القديس بطرس في رسالته الثانية ” لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ
مُصَنَّعَةً إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ
وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ ” (2بط1: 16).

2
– أن ما عمله وعلمه الرب يسوع المسيح لم يحدث في السر ولا أمام عدد قليل من الناس،
بل أما مئات الألوف من البشر من اليهود وغيرهم، وقد قال السيد نفسه له المجد لرئيس
الكهنة وهو يحاكمه ” أَنَا كَلَّمْتُ الْعَالَمَ علاَنِيَةً. أَنَا عَلَّمْتُ
كُلَّ حِينٍ فِي الْمَجْمَعِ وَفِي الْهَيْكَلِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ الْيَهُودُ
دَائِماً. وَفِي الْخَفَاءِ لَمْ أَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ ” (يو18: 20).

كما
قال القديس بطرس وهو يعظ أمام عشرات الألوف من اليهود، وبعد قيامة المسيح له المجد
من الأموات بأقل من شهرين ” أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ
اسْمَعُوا هَذِهِ الأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ
لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ
بِيَدِهِ فِي وَسَطِكُمْ كَمَا أَنْتُمْ أَيْضاً تَعْلَمُونَ ” (أع2: 22).

وعندما
وقف القديس بولس الرسول يحاكم أمام الملك هيرودس أغريباس قال له ” لأَنَّهُ
مِنْ جِهَةِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَالِمٌ الْمَلِكُ الَّذِي أُكَلِّمُهُ جِهَاراً
إِذْ أَنَا لَسْتُ أُصَدِّقُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لأَنَّ
هَذَا لَمْ يُفْعَلْ فِي زَاوِيَةٍ” (أع26: 26).

وما
قاله الرب يسوع والقديسين بطرس وبولس يؤكد على حقيقة هامة نريد أن نؤكد عليهاوهي
أن نقّاد الكتاب المقدسوالعقائد المسيحية، لأسباب خاصة بفكرهم وعقائدهم، يتكلمون
عن أسفار الكتاب وعقائده وكأنها خرجت من زاوية مغمورة في مكان مغمور وفي زمن شبه
مجهول!!!!! ويتجاهلون حقيقة أن أحداث الإنجيل تمت وسط عشرات الآلاف بل وملايين
البشر، وعلي سبيل المثال فقد جاء في الإنجيل للقديس لوقا ” وفي أثناء ذلك إذ
اجتمع ربوات الشعب حتى كان بعضهم يدوس بعضا ” (لو1: 12)، والربوة في العبرية
واليونانية تعني أما عشرة آلاف أو عدد كثير، وأن أعمال الرسل تلاميذ المسيح
وكرازتهم كانت تتم أما عشرت الآلاف، وعلى سبيل المثال فقد آمن بعد أول عظة للقديس
بطرس حوالي ثلاثة آلاف نفس من عشرات الألوف التي حضرت هذه العظة. وكانت أعمالهم
ومعجزاتهم وعظاتهم مشهورة لدرجة هزت معها أركان الإمبراطورية الرومانية لا بالسيف
ولكن بالكلمة والمعجزة وتقديم المسيحيين لأنفسهم للشهادة للمسيح والاستشهاد على
اسمه.

كما
كان الإنجيل الشفوي منتشراً في كل الأوساط التي آمنت بالمسيح، سواء في فلسطين أو
سوريا أو روما أو الإسكندرية أو أثينا وبقية الإمبراطورية الرومانية، ولما كتب
الإنجيل بأوجهه الأربعة كتب لهؤلاء المؤمنين ونسخوا منه نسخ لكنائسهم ولأنفسهم
وأنتشر من خلالهم إلى جميع الجماعات المسيحية في كل دول حوض البحر المتوسط. أي
قبلت الكنيسة الإنجيل بأوجهه الأربعة فور تدوينه واستخدمه الرسل في كرازتهم كالإنجيل
المكتوب، وكان يقرأ في الكنائس واجتماعات العبادة، في الكنائس التي كتبت فيها ولها
أولاً، مع أسفار العهد القديم بالتساوي، خاصة في أيام الأحد، يقول القديس يوستينوس
الشهيد في بداية القرن الثاني: ” وفى يوم الأحد يجتمع كل الذين يعيشون في
المدن أو في الريف معاً في مكان واحدوتقرأ مذكرات الرسل (الأناجيل) أو كتابات
الأنبياء بحسب ما يسمح الوقت “(1). أي لم يظهر فجأة ولم يكتبه مجهولين، بل
كتب في الكنيسة وخرج منها.

3
– كما كان لتلاميذ الرب يسوع المسيح ورسله خلفاء وتلاميذ كثيرون في كل مكان بشروا
فيه، أسمتهم الكنيسة بالآباء الرسوليين، ومن هؤلاء من كان تلميذاً للقديس بطرس
وغيره من الرسل مثل أغناطيوس أسقف إنطاكية وبوليكاربوس أسقف سميرنا بآسيا الصغرى
والذي كان تلميذا للقديس يوحنا الرسول تلميذ المسيح. هؤلاء ورفاقهم الذين لم
يتركوا لنا كتابات خاصة بهم، استلموا منهم الإنجيل الشفوي قبل أن يكتب، مع بقية
المؤمنين، ثم الإنجيل المكتوب، ثم سلموه بدورهم لخلفائهم هم أيضا، مع بقية الجماعة
والكنيسة المسيحية، وهؤلاء سلموه بدورهم لمن بعدهم حتى جاءت المجامع الكنسية سواء
المحلية والتي بدأت في نهاية القرن الثاني الميلادي، أو المسكونية التي بدأت بمجمع
نيقية سنة 1325م.

4
– وقد كتب دون الإنجيل الشفوي الذي بشر به التلاميذ والرسل بناء على طلب هؤلاء،
يقول أكليمندس الإسكندري: “لما كرز بطرس بالكلمة جهاراً في روما. وأعلن
الإنجيل بالروح طلب كثيرون من الحاضرين إلى مرقس أن يدون أقواله لأنه لازمه وقتاً
طويلاً وكان يتذكرها. وبعد أن دون الإنجيل سلمه لمن طلبوه”. وهنا دون الإنجيل
بناء على طلب الذين كرز بينهم مع القديس بطرس في روما. وتقول الوثيقة الموراتورية
” الإنجيل الرابع هو بواسطة يوحنا أحد التلاميذ, إذ عندما توسل إليه زملاؤه
(التلاميذ) والأساقفة في ذلك قال: صوموا معي ثلاثة أيام ونحن نتفاوض مع بعضنا بكل
ما يوحي الله به إلينا. ففي هذه الليلة عينها أعلن لأندراوس أحد الرسل أن يوحنا
عليه أن يكتب كل شيء تحت اسمه والكل يصدق على ذلك “. وهن كتب الإنجيل للقديس
يوحنا بطلب وتحت مرأى تلاميذه الذين توسلوا إليه ليدونه بالروح القدس.

5
– ونظراً لأن الإنجيل هنا دون بناء على طلب الشيوخ أو رفقاء الرسل وتلاميذهم
والكثيرون من الذين استمعوا للإنجيل وحفظوه منهم، فقد تسلموه هم منهم وكانوا هم
أول شهوده وأول الحافظين له، ولم يكن يعنيهم من قريب أو بعيد أن ينسبوا الإنجيل
للقديس يوحنا أو لغيره لسبب بسيط وهو أنه لم يكن من تأليف يوحنا ولا هو سيرة يوحنا
الذاتية بل هو كلمة الله المختصة بالرب يسوع المسيح “وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ
كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلِكَيْ
تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ ” (يو20: 31). وأن كان
هؤلاء الذين طلبوا من القديس يوحنا أن يدون الإنجيل بالروح القدس شهدوا له بما جاء
في نهاية الإنجيل ” هَذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهَذَا
وَكَتَبَ هَذَا. وَنَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ ” (يو21: 24).

6
– ومن هنا لم يهتم أحد في السنوات الأخيرة من القرن الأول وبداية القرن الثاني
بنسب أي إنجيل إلى كاتبه مطلقاً لسبب بسيط وهو أن كل إنجيل كان معروفا في الدائرة
التي كتب فيها أولا والدوائر التي وصل إليها عن طريقها أنه إنجيل المسيح كما بدأ
القديس مرقس الإنجيل الذي دونه بالقول ” بَدْءُ إِنْجِيلِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
ابْنِ اللَّهِ ” (مر1: 1)، وبدأ القديس يدون الأمور التي سلمها شهود العيان
وكانت معروفة للجميع بشكل مؤكد ” الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَاكَمَا
سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ
وَخُدَّاماً لِلْكَلِمَةِ”(لو1: 1و2)، وبدأ القديس متى ب ” كِتَابُ
مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ ” (مت1: 1).
وكانوا يعرفون جامعه ومدونه بالروح القدس لأنهم تسلموه منه مباشرة. وبدأ القديس
يوحنا بتجسد الكلمة وأنتهي بحتمية الإيمان بكونه ابن الله. أي أنهم دونوا كلمة
الله الخاصة بالمسيح، إنجيل يسوع المسيح ابن الله والمتجسد من نسل إبراهيم. لذا
يهتم الذين حملوا الإنجيل بتسجيل أو التأكيد على أسماء الإنجيليين الذين دونوا
الإنجيل، لأنها كانت معروفة لهم وعند معاصريهم، وإنما اهتموا بشخص المسيح محور
وجوهر الإنجيل.

7
– ولما ظهرت الهرطقة الغنوسية الدوستية وبدأ اتباعها يكتبون الكتب الخاصة بأفكارهم
وعقائدهم وينسبوها لتلاميذ المسيح بصورة مكشوفة لا تتفق وفكر الكنيسة، بل وراح كل
كتاب من هذه الكتب أما ينسب نفسه لأحد التلاميذ أو يزعم أن المسيح خصه هذا التلميذ
المنسوب له الكتاب المنحول بأسرار لم يخص بها غيره من التلاميذ وطلب منه أن يدونها
بع ذلك في كتاب!! ومن هنا اضطرت الكنيسة بداية منتصف القرن الثاني الميلادي أن
تعلن أنه لا يوجد سوى الإنجيل بأوجهه الأربعة التي جمعها ودونها بالروح القدس
الإنجيليون الأربعة متى ومرقس ولوقا ويوحنا كما قال القديس إريناؤس ” وأكد
على وجود الإنجيل بأوجهه الأربعة وانتشاره في كل مكان حتى الهراطقة ” الأرض
التي تقف عليها هذه الأناجيل أرض صلبة حتى أن الهراطقة أنفسهم يشهدون لها ويبدأون
من هذه الوثائق وكل منهم يسعى لتأييد عقيدته الخاصة منها”(17).

وقدم
لنا إيمان جيله بوحدة الإنجيل ووجوده في أربعة أوجه أو زوايا أو مداخل ” ليس
من الممكن أن تكون الأناجيل أكثر أو أقل مما هي عليه لأنه حيث يوجد أربعة أركان
Zones في العالم الذي نعيش فيه أو أربعة أرواح (رياح) جامعة حيث انتشرت
الكنيسة في كل أنحاء العالم وأن “عامود وقاعدة ” الكنيسة هو الإنجيل
وروح الحياة، فمن اللائق أن يكون لها أربعة أعمدة تنفس الخلود وتحي البشر من جديد،
وذلك يوضح أن الكلمة صانع الكل، الجالس على الشاروبيم والذي يحتوى كل شئ والذي ظهر
للبشر أعطانا الإنجيل في أربعة أوجه ولكنها مرتبطة بروح واحد “(18).

 

3 – البرهان الخارجي علي أن كاتب الإنجيل هو القديس يوحنا:

كانت
مدرسة توبنجن الألمانية وتبعها الكثير من النقاد قد قالت أن الإنجيل للقديس يوحنا
لم يكتب قبل سنة 150م ولكن الدراسات الحديثة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن
الإنجيل قد كتب قبل سنة 100م!! وقد تأكد ذلك من الانتشار الواسع واستخدام آباء
الكنيسة له منذ نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني وكذلك انتشاره في أوساط
الهراطقة واستخدام أعداء المسيحية والوثنيين له، وكذلك ترجمته إلي أقدم الترجمات
(السريانية واللاتينية والقبطية) ووجوده في أقدم المخطوطات القديمة، بل أن أقدم
مخطوطة له ترجع لما بين 117 و135م.

 

أولاً: الآباء الرسوليين:

كان
مضمون وجوهر الإنجيل للقديس يوحنا في فكر هؤلاء الآباء وعقولهم، وعلي الرغم من
انهم لم يقتبسوا من آياته مباشرة إلا أنهم استخدموا جوهرها ومضمونها مما يدل علي
وجود الإنجيل نفسه في أيديهم وفي محيطهم ووسطهم. ولكن يطالبنا البعض ويقول
“هل قال هؤلاء الآباء مباشرة أن يوحنا هو كاتب إنجيل يوحنا؟”.ونقول لهم
ما قلناه وأكدناه أعلاه أن هؤلاء نقلوا واستخدموا كلام الرب يسوع المسيح سواء الذي
تسلموه شفوياً أو مكتوباً ولم يكونوا في حاجة لذكر من هو الكاتب لأن الكاتب لم يكن
هو هدفهم أو محور رسالتهم إنما المسيح، أقواله وأعماله، كان هو محور الرسالة.

 

(1) إكليمندس الروماني (95م):

والذينجد
في رسالته إلي كورنثوس أربعة نصوص متأثرة بصورة واضحة بآيات الإنجيل للقديس يوحنا:

+
“يتمجد اسم الرب الحقيقي الوحيد” (1: 43) مع (يو28: 12) “أيها الآب
مجد أسمك” (يو3: 17) “أنت الإله الحقيقي وحدك”.

+
“من كان له حب في المسيح فليحفظ وصايا المسيح” (1: 49) مع (يو15: 14)
“إن كنتم تحبوننيفاحفظوا وصاياي”.

+
” يسوع أعطى من جسده من أجل أجسادنا” (6: 49) مع (يو51: 16) “والخبز
الذيأنا أعطى هو جسدي الذيأبذله من أجل حياة العالم”.

+
“طهرنا بتطهير حقك” (2: 60) مع (يو17: 17) “قدسهم في حقك”.

 

(2) رسالة برنابا (حوالي 100م):

يستخدم
كاتب الرسالة نفس فكر المسيح في حديثه مع نيقوديموس في شرح العلاقة الرمزية بين
الحية النحاسية التي رفعها موسى في البرية وبين مجد المسيح علي الصليب “فقال
لهم موسى: عندما يلسع أحدكم فليتقدم من الحية المرفوعة علي الخشبة وليأمل في إيمان
بأنه رغم ميته قادرة أن تعطى حياة وسيخلص في الحال. وفعلوا هكذا. في هذا أيضا
لديكم مجد يسوع ثانية، لأن كل الأشياء فيه وله” (17: 12) مع (يو14: 3)
“وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان”.

 

(3) أغناطيوس الأنطاكي:

تلميذ
بطرس الرسول وقد استخدم جوهر آيات القديس يوحنا ونفس لغته؛

+
يقول في رسالته إلي مجنيسيا (1: 7) “وكما كان الرب متحداً مع الآب ولم يفعل
شيئاً بدونه سواء بذاته أو من خلال الرسل، كذلك أنتم لا تفعلوا شيئاً بدون الأسقف
والقسوس” مع (يو19: 5) “لا يقدر الابن أن يفعل من نفسه شيئاً إلا ما
ينظر الآب يعمل” (يو28: 8) “ولست أفعل شيئاً من نفسي بل أتكلم بهذا كما
علمني أبي”.

 

+
ويقول في رسالته إلي روما “رئيس هذا العالم يريد أن يخطفني 000 لا يوجد في
نار الحب للأشياء المادية ولكن فقط ماء حي 000 أريد خبز الله الذيهو جسد يسوع
المسيح”. وهذه التعبيرات “رئيس هذا العالم”، “ماء حي”،
“خبز الله” مأخوذة من أقوال الرب يسوع المسيح المدونة في الإنجيل للقديس
يوحنا (يو30: 14؛31: 12؛11: 16؛10: 4؛38: 7؛36: 36).

+
ويقول في الرسالة إلي فيلادلفيا (1: 9) “هو باب الآب” مع (يو9: 10)
“أنا هو الباب”.

+
ويقول في الرسالة إلي أفسس (1: 6) “لأن كل من يرسله رب البيت ليدبر شئونه يجب
أن نقبله كما نقبل الذيأرسله” مع (يو20: 13) “الذي يقبل من أرسله يقبلني.
والذييقبلني يقبل الذيأرسلني”.

 

(4) كتاب الراعي لهرماس (100-145م):

يستخدم
روح وجوهر الإنجيل في قوله “لا يقدر الإنسان أن يدخل ملكوت الله إلا من خلال
اسم أبنه، الذيهو محبوبه 000 الباب هو ابن الله، هذا هو المخلص الوحيد للرب. لا
يمكن لإنسان أن يدخل إليه إلا من خلال أبنه” (مثل9ف5: 2) مع (يو6: 14)
“أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلي الآب إلا بي”.

ويقول
في (مثل 5 ف3: 6) “عندما طهر خطايا الشعب أراهم طريق الحياة وأعطاهم الناموس
الذيتسلمه من أبيه”.

 

(5) الدياديكية (100م):

والتي
نجد فيها ظلال الإنجيل الرابع إذ أن كليهما يستخدمان لغة واحدة في الحديث عن
الافخارستيا؛

+
فقد جاء فيها “وكما أن هذا الخبز كان منثوراً فوق الجبال ولكنه جمع معاً وصار
خبزاً واحداً” (4: 9) مع (يو52: 11) “ليجمع أبناء الله المتفرقين إلي
واحد”.

+
وجاء “نقدم لك الشكر أيها الآب القدوس من اجل أسمك القدوس الذيجعلته يسكن في
قلوبنا” مع (يو11: 17) “أيها الآب القدوس أحفظه في أسمك”.

+
وجاء في (5: 10) “تذكر يا رب كنيستك لتخلصها من كل شر وتكملها في حبك”
مع (يو15: 17) “أسأل 000 أن تحفظهم من الشرير 000 ليكون فيهم الحب الذي
أحببتني به”.

ونؤكد
أن هؤلاء استخدموا نص وجوهر تعليم المسيح كما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا ولم يكن
يعنيهم سوى حقيقة واحدة وهي أنهم يعلمون بما علمه السيد له المجد، وهذا ما كان
معروفاً جيداً لمن كتبوا لهم، وذلك في نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني كما
أكدت الكنيسة في كل سجلاتها.

 

ثانياًً: يوستينوس الشهيد:

والذيكتب
في النصف الأول من القرن الثاني وأكد لنا كيف أن الأناجيل التي وصفها ب ”
مذكرات الرسل ” ؛ ” لأن الرسل سلموا لنا في المذكرات التي دونوها والتي
تسمى أناجيل “(13).والذييعتبر اقتباسه من الإنجيل للقديس يوحنا برهاناً
حاسماً علي انتشار هذا الإنجيل في بداية القرن الثاني وبالتالي وجوده قبل ذلك في
نهاية القرن الأول. وقد حاول بعض النقاد أن يبطلوا هذا البرهان، الذي برهن عليه
بصوره حاسمة وقاطعه ساندي
Sanday في إنجلترا وعذار ابوت Ezra Abbot
في أمريكا، ولم يستطيعوا. وفيما يلي أهم اقتباساته من الإنجيل للقديس يوحنا، وإن
كان يعتمد علي الذاكرة في اقتباسه أكثر من النقل من الإنجيل مباشرة:

(1)
يقول في الدفاع 61: 1 “لأن المسيح قال أيضاً: أن لم تولدوا ثانية لن تدخلوا
ملكوت السموات، وهذا يعنى إنه من المستحيل لأولئك الذين ولدوا مرة أن يدخلوا أرحام
أمهاتهم”.

وهذا
النص مأخوذ مباشرة من (يوحنا 3: 3-5) “إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن
يرى ملكوت الله. قال له نيقوديموس كيف يمكن الإنسان أن يولد وهو شيخ؟ ألعله يقدر
أن يدخل بطن أمه ثانيه ويولد؟ أجاب يسوع000 أن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا
يقدر أن يدخل ملكوت الله”.

وقد
حاول بعض النقاد أن يوهموا بأن يوستينوس قد استعان بما جاء في (متى 3: 18)
“أن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات”، ولكن هذه
المحاولة باءت بالفشل لأن نص يوستينوس ينفق في المعنى والمضمون والنص مع القديس
يوحنا لأن كليهما يتكلمان عن الولادة من الماء والروح، كما أن يوستينوس يلمح لقول
نيقوديموس عن فكره الرجوع لبطن الأم أو الأرحام، في حين أن نص الإنجيل للقديس متى
يتكلم عن البساطة ونقاوة القلب، إذ يقول “في تلك الساعة تقدم التلاميذ إلي
يسوع قائلين فمن هو أعظم في ملكوت السموات. فدعا يسوع إليه ولداً وأقامه في وسطهم.
وقال الحق أقول لكم إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات.
فمن وضع نفسه مثل هذا الولد فهو الأعظم في ملكوت السموات” (مت1: 18-4).

(2)
جاء في حوار 88 “ولكنه (يوحنا المعمدان) صاح لهم: أنا لست المسيح، بل صوت
صارخ، لأن الذي هو أقوى منى سيأتي الذي لست بمستحق أن أحمل حذاءه”. وهذا النص
مأخوذ من (يو20: 1و 43) “وأقر أنى لست المسيح 000 أنا صوت صارخ في
البرية” و (ع27) “هو الذي يأتي بعدى الذي صار قدامى الذي لست بمستحق أن
أحل سيور حذائه”.

وبرغم
تقارب نص يوستينوس مع الأناجيل الثلاثة الأولي، إلا إنه متفق بصوره أدق وأقوى مع
القديس يوحنا لأنه استخدم عبارات جاءت في الإنجيل الرابع فقد “أنا لست
المسيح”، “لأن الذي هو أقوى منى سيأتي”.

(3)
جاء في دفاع 63: 1 “لا يعرفون الآب ولا الابن “، أي اليهود، وهذا يتفق
مع ما جاء في (يو19: 8) “لستم تعرفونني أنا ولا أبي” و (يو3: 16)
“لأنهم لم يعرفوا الآب ولا عرفوني”.

(4)
جاء في دفاع 22: 1 أن المسيح “شفي كل المقعدين والمشلولين والذين ولدوا
عميان” ولم تذكرالأناجيل الثلاثة الأولي أن المسيح شفي أحد المولودين عميان،
بل هذا ما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا فقط وبه فصل كامل (ص9) عن المولود أعمى
الذي صنع له عينان من طين.

(5)
جاء في دفاع 13: 1 “معلمنا هذه الأمور هو يسوع المسيح ولد لهذا الغرض أيضاً
وصلب في حكم بيلاطس البنطي “، واضح هنا إنه يشير لقول المسيح لبيلاطس
“لهذا قد ولدت أنا ولهذا قد أتيت إلي العالم” (37: 18).

(6)
جاء في دفاع 66 “تعلمنا أن الخبز والخمر كانا جسد ودم يسوع الذي صار
جسداً” والعبارة الأخيرة “صار جسداً” مأخوذة مباشرة من (يو14: 1)
“والكلمة صار جسداً وحل بيننا”.

(7)
جاء في دفاع 60: 1 “أخذ موسى بإلهام الله وتأثيره نحاس وصنع (الحية) علي شكل
الصليب”، وفي (حوار 91) يشير إلي الحية النحاسية كرمز للصلب والصليب، ويقول
أن الحية النحاسية لم تكن هي سبب نجاة من لدغتهم الحيات بل كانت مقصودة
“لخلاص أولئك الذين يؤمنون أن الموت قد أعلن أنه سيأتي في الحية خلال الذي
سيصلب” لأن الله “أرسل أبنهُ للعالم ليُصلب. لأن روح النبوة في موسى لم
تعلمنا أن نؤمن بالحية”. وهذا مبنى علي قول الرب يسوع المسيح الذي جاء في
(يوحنا 14: 3) “وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع أبن
الإنسان لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل له الحياة الأبدية”.

وهناك
برهان حاسم يؤكد لنا وجود الإنجيل للقديس يوحنا بين يدي يوستينوس، وهذا البرهان
الحاسم هو شرحه لعقيدة “الكلمة –
Logos” كما جاء في
مقدمة الإنجيل للقديس يوحنا تماماً.

ا
– يقول في دفاع 23: 1 “يسوع المسيح بمعنى أوضح هو أبن الله الوحيد كونه كلمته
(
Logos) وبكر قوته الذي خلق كل شئ وأقامه به”.

ب
– ويقول في 63: 1 “كلمة (
Logos) الله هو ابنه000″.

ج
– ويقول في 13: 2 “نعبد ونحب الكلمة (
Logos) الذي من الله
وغير المولود وغير المنطوق به، فقد صار بشراً لأجلنا”.

د
– ويقول في 5: 1 “الكلمة (
Logos) ذاته الذي اتخذ شكلاً وصار بشراً ودعي يسوع المسيح”.

و
– ويقول في 6: 2. “الكلمة الذي كان معه أيضاً”.

وهذه
التعبيرات “الكلمة” و “أبن الله الوحيد”، الذي خلق كل شئ
وأقامه به” و “صار بشراً ” و “اتخذ شكلاً وصار بشراً”
خاصة بالإنجيل للقديس يوحنا، وكلها مأخوذة من الإصحاح الأول. ونظراً للتطابق التام
بين هذه النصوص فقد أقر كثيرون من النقاد بصحة استشهاد يوستينوس بالإنجيل للقديس
يوحنا.

ولكن
أحد الأخوة المسلمين يقول لنا:

أولاً:
لم يذكر يوستين الشهيد أنه اقتبس هذه الأشياء من إنجيل يوحنا، فيُحتمل أنه اقتبسها
من غيره، أو أنّ هذه العبارات كان مما تناقلها الناس ودرجت بينهم.

ثانياً:
حتى لو فرضنا جدلاً أنه اقتبسها من إنجيل يوحنا، فكيف نعرف الكاتب؟؟؟

فما
اقتبسه يوستينوس يؤكد في أحسن أحواله وعلى أعلى تقدير أن يوستين الشهيد اقتبس من
الإنجيل، ولكن السؤال يبقى من هو كاتب هذا الإنجيل، وهذا ما لم يستطع النصارى
إثباته.

ثالثاً:
يجب أن لا يغيب عن بالنا أن يوستين هو من مواليد القرن الثاني (110 – 165 ب م)،
يعني أنه لا يعرف يوحنا ولم يلتق به، ولو فرضنا جدلاً أنه قال بوضوح أن إنجيل
يوحنا كتبه يوحنا، يبقى السؤال مطروحاً: من أين حصل على هذه المعلومة وهو لم ير
يوحنا ولا سمع منه؟؟؟

وهكذا
تبقى عندنا حلقة مفقودة لا يمكن تقييمها إلا بمعرفة الواسطة التي عرف بها ذلك، أما
الكلام هكذا بالظنون فلا ينفع، والظن لا يغني من الحق شيئاً.

ونقول
لمثل هذا الكاتب قد بينا أعلاه كيف أنه لم يكن من عادة آباء الكنيسة وعلمائها
وكتابها، خاصة في القرنين الأول والثاني، أن يذكروا اسم الإنجيل الذي اقتبسوا منه،
فقط كانوا ينقلون ما علمه المسيح له المجد، ذاكرين كلمه الله فقط. وكفانا أنه تأكد
للكثيرين من النقاد أن الإنجيل كان موجوداً بين يدي القديس يوستينوس واقتبس منه،
وفي نفس الوقت كان بين يدي يوستينوس الأناجيل الأربعة والتي سماها بمذكرات الرسل
” لأن الرسل سلموا لنا في المذكرات التي دونوها والتي تسمى أناجيل
“(13)، وهو ينقل عن هذه الأناجيل وهذا في حد ذاته دليل كاف على أن كاتب
الإنجيل هو أحد رسل المسيح الذي كانت مذكراتهم أو أناجيلهم مع القديس يوستينوس،
وبالتالي فلا يمنع أبدا أن يكون هو القديس يوحنا، كما أكدنا وكما سنؤكد لاحقاً.

(14) 1Apol
97-Dial.103

(14) 1Apol 97-Dial.103

(1) (Abol. 47)

(17) Ag. Haer. 3:
11,8

(18) Ibid 3: 11,8

 

ثانياً آباء القرن الثاني

والذين
ذكرنا منهم القديس يوستينوس الشهيد

 

(2) ونذكر هنا تاتيان السوري تلميذ يوستينوس

والذي
جمع الأناجيل الأربعة في كتاب واحد أسماه دياتسرون، أي الرباعي، والذي ضم فيه كل
ما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا بل وبدأه بقوله ” في البدء كان الكلمة وكان
الكلمة عند الله وكان الكلمة الله ” وختمه بقوله ” أما هذه فقد كتبت
لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله “. وكان هذا الكتاب مستخدما في الكنيسة
السورية لمدة قرنين من الزمان ثم عادوا لأستخدام الإنجيل بأوجهه الأربعة، كما هو
للقديس متى والقديس مرقس والقديس لوقا والقديس يوحنا.

 

(3) ثاوفيلس أسقف إنطاكية (170-180م):

الذي
أقتبس في رده على أوتوليكوس (
Autolycus) الذي برهن له فيه على وحدة الآب والابن في الذات الإلهية من
الإنجيل للقديس يوحنا في قوله: ” وهكذا تعلمنا الكتابات المقدسة وكل الرجال
حملي الروح القدس [الموحى إليهم] والذين من بينهم يوحنا الذي قال: في البدء كان
الكلمة والكلمة كان عند الله، مبينا أنه في البدء كان الله وحده وفيه الكلمة، ثم
يقول وكان الكلمة الله “(1).

ويقول
أحدهم تعليقا على قول دائرة المعارف الكتابية ” تقول دائرة المعارف الكتابية:
” ويجب أن نذكر مع إيريناؤس، ثاوفيلس (أحد المدافعين عن المسيحية 170م)، فهو
أقدم كاتب يذكر القديس يوحنا بالاسم ككاتب للإنجيل الرابع “. الرد: هذه
العبارة المقتبسة قالها ثاوفيلوس أسقف إنطاكية في الجزء الثاني من كتابه ل
أوتولكيوس “
Autolycus“، وهي عبارة مرسلة، فلا يُعرف من أين أخذ ثاوفيلوس هذه
المعلومة، ولم يُخبر هو نفسه من أين، ولا يُعرف ما إذا كان لقي أحداً من تلاميذ
الرسل أم لا، فشهادته كما قلنا عبارة عن كلام مرسل من غير دليل، فإذا كنّا طرحنا
شهادة إريناوس فمن باب أولى طرح شهادة ثاوفيلوس “.

ونقول
له ولغيره أن ثاوفيلوس يتكلم بشكل واضح وصريح عن نص الإنجيل للقديس يوحنا، والذي
يتكلم عنه وعن بقية كتابات العهد الجديد الموحى بها، كحقيقة واقعة ومعروفة للجميع،
وهو هنا لا يتكلم عن الإنجيل للقديس يوحنا ليثبت صحته، بل يتكلم عن الكلمة، كلمة
الله، الذي يتكلم عنه الإنجيل للقديس يوحنا، المعروف للجميع أنه مكتوب بالروح
القدس، وقد نقل من آياته وقال بشكل صريح أنه للقديس يوحنا!! فماذا يريدون بعد ذلك،
فالقديس ثاوفيلس ينقل مباشرة من الإنجيل للقديس يوحنا وينسب ما ينقله من هذا
الإنجيل للقديس يوحنا؟؟؟؟؟!!! أين العبارات المرسلة هنا؟؟؟!!

كما
أن حديث ثاوفيلس عن الإنجيل للقديس يوحنا ليست معلومة إنما هو كتاب حي موجود معه
ومع الكنيسة ويستشهد بآياته ولنلاحظ قوله: “وهكذا تعلمنا الكتابات المقدسة
وكل الرجال حملي الروح القدس [الموحى إليهم] والذين من بينهم يوحنا”. أنه
يتكلم بصيغة الجمع ليس عن نفسه فقط بل عن المسيحيين بصفة عامة، وعن أمور يعرفها كل
المسيحيين!!

 

(4) شهادة القديس إريناؤس أسقف ليون (180م):

والذي
تعتبر شهادته حاسمة ولا جدال فيها لأنه تسلمها من بوليكاربوس تلميذ القديس يوحنا
مباشرة. وكانت شهادته هي شهادة الكنيسة الجامعة فقد كانت مبنية علي الرسول يوحنا
ذاته الذي لم يكن بينهما سوى حلقة واحدة فقط.

ونظراً
لما لشهادته من قيمة فقد حاول النقاد بكل جهدهم أن يقللوا من شأنه ولكنهم فشلوا
فشلاً ذريعاً أمام مركزه التاريخي وما كان لديه من وسائل ووثائق كتب بناء علي ما
جاء فيها دفاعه عن العقيدة في كتبه ضد الهراطقة. ويقول عن كتابة القديس يوحنا
للإنجيل الرابع “نشر يوحنا تلميذ الرب الذي اتكأ علي صدره الإنجيل عندما كان
في أفسس في أسيا”.

كان
القديس أريناؤس تلميذا للقديس بوليكاربوس والذي كان تلميذا للقديس يوحنا وغيره من
الرسل، أي أن شهادته راجعة للتسلسل الكنسي الطبيعي من القديس يوحنا إلى تلميذه
وخليفته بوليكاربوس إلى إريناؤس. وهذه التلمذة يؤكدها إريناؤس نفسه بقوله: ”
ولكن بوليكاربوس ليس فقط تعلم على أيدي الرسل وتعرف على كثيرين من الذين عاينوا
المسيح؛ بل أيضاً قد عينه الرسل في آسيا (الصغرى) على كنيسة سميرنا (أزمير الآن).
ونحن أيضاً رأيناه في شبابنا المبكر لأنه عاش زمناً طويلاً وتوفى شيخاً متقدماً
جداً في العمر، وقد مات ميتة شهيد جليلة ومجيدة. وكان يعلم دائماً الأمور التي
تعلمها من الرسل والتي كانت الكنيسة قد أسلمتها أيضاً والتي هي الحق وحدها. وكنائس
آسيا كلها تشهد بهذه الأمور. وكذلك يشهد بهذا اليوم كل الذين جاءوا تباعاً بعد
بوليكاربوس الذي كان أميناً ومؤتمناً ومستحقاً بتفوق كبير عن المدعو فالنتينوس
وماركيون (هرطوقيان) وبقية الهراطقة وكان بوليكاربوس أيضاً في روما على عهد
أُنيسينتوس
Anicentus وقد رد هناك كثيرين من الذين وقعوا تحت تأثير هؤلاء الهراطقة
وعادوا إلى الكنيسة. وكان يعلن انه قد استلم من الرسل هذا المنهج الوحيد للحق الذي
كان قد سلم إلى الكنيسة “(2).

ويبين
لنا القديس إريناؤس العلاقة بينه وبين القديس بوليكاربوس قائلاً في خطاب أرسله
القديس إريناؤس إلى ” فلورينوس نقله لنا المؤرخ الكنسي يوسابيوس(3) يبين له
فيه انحرافه عن الأرثوذكسية ويؤكد له أن تعاليمه الغنوسية ليست هي التعاليم التي استلمها
من معلميه الأرثوذكس الأوائل قائلا: ” عندما كنت صبياً رأيتك في آسيا الصغرى
مع بوليكاربوس تتمشى في خيلاء في الدهاليز الملكية محاولاً تلقى الاستحسان، أني
اذكر حوادث تلك الأيام بأكثر وضوح من حوادث هذه الأيام. لأن ما يحصُلُه النشء فأنه
ينموا مع عقولهم ولا يفارقها. حتى أني أستطيع أن اصف نفس المكان الذي كان يجلس فيه
المغبوط بوليكاربوس عندما كان يتحدث، كما اذكر دخوله وخروجه وهيأته وشكله وحديثه
للناس وتصريحه عن علاقته مع يوحنا ومع الآخرين الذين رأوا الرب. وكان يتذكر كلامهم
وكل ما سمعه منهم عن الرب فيما يخص معجزاته وتعاليمه، باعتبارهم شهوداً ل ”
كلمة الحياة “. وكان يقص هذه الأشياء التي كانت متفقة مع الأسفار. هذه
الأشياء التي قيلت لي برحمة الله. كنت استمع إليها بانتباه وكنت احفظها ليس بورق
وقلم ولكن في قلبي. وكنت ارددها باستمرار بنعمة من الله. وأستعيدها بأمانة”.

هذه
العلاقة تبين لنا تسلسل التقليد الكنسي المسيحي من رسل المسيح وتلاميذه إلى
تلاميذهم وخلفائهم في سلسلة من الشهود كثيرة العدد وغير منقطعة. ولكن يقول البعض؛
هل قال بوليكاربوس أن يوحنا هو كاتب الإنجيل الرابع؟ ونؤكد لمثل هؤلاء أن
بوليكاربوس كتب رسالة صغيره استشهد فيها بأقوال الرب يسوع المسيح وبقية أسفار
العهد الجديد دون أن يذكر اسم أحد الإنجيليين لسبب بسيط هو أن ما كتبه سواء نقله
من الذاكرة، مما تسلمه شفوياً من الرسل، أو مما هو مكتوب في الإنجيل المكتوب، كان
معروفاً للجميع أنه كلمة الله وتعليم الرب يسوع المسيح ولم يكونوا في حاجة
لتذكيرهم بذلك. كما أنه لم يكتب في هذه الرسالة لا عن كيفية تدوين الإنجيل ولا من
هم الذين دونوه إنما كان يكتب رسالة روحية للشعب.

ولم
يكن هو وحده مالكاً للإنجيل فقد سلم القديس يوحنا الإنجيل، شفوياً ومكتوباً،
للشيوخ الكثيرين والذين سلموه بدورهم لكنائسهم والتي أنتقل منها وعن طريقهم إلى
بقية الكنائس في الشرق والغرب، وأبسط دليل على ذلك هو وجود مخطوطة من هذا الإنجيل
ترجع لحوالي سنة 117م في صحراء الفيوم بمصر، وهذا يبين الانتشار السريع من آسيا
الصغرى (تركيا) إلى مصر في مثل هذا الزمن القصير بأسلوب وموصلات ذلك الزمان.

ويشرح
لنا القديس إريناؤس كيف سلم الرسل الإنجيل شفاهة وبعد انتشاره سلموه لهم مكتوباً
في أسفار مقدسة ” لقد تعلمنا خطة خلاصنا من أولئك الذين سلموا لنا الإنجيل
الذي سبق أن نادوا به للجميع عامة، ثم سلموه لنا بعد ذلك، حسب إرادة الله، في الأسفار
المقدسة ليكون أساس وعامود إيماننا 000 فقد كانوا يمتلكون إنجيل الله، كل بمفرده،
فقد نشر متى إنجيله المكتوب بين العبرانيين بلهجتهم عندما كان بطرس وبولس يكرزان
ويؤسسان الكنائس في روما. وبعد رحيلهما سلم لنا مرقس، تلميذ بطرس ومترجمه، كتابه
ما بشر به بطرس. ودون لوقا، رفيق بولس، في سفر الإنجيل الذي بشر به (بولس)، وبعد
ذلك نشر يوحنا نفسه، تلميذ الرب والذي أتكأ على صدره، إنجيلاً أثناء إقامته في
أفسس في آسيا الصغرى”(4).

ويقول
إريناؤس أيضاًوينقل عنه يوسابيوس القيصري أن القديس يوحنا بقي مع تلاميذه، الشيوخ
حتى حكم تراجان، إي إلى نهاية القرن الأول الميلادي: ” وكل المشايخ الذين
رافقوا يوحنا تلميذ الرب في آسيا يشهدون بأن يوحنا سلمها (التقاليد) إليهم لأنه
بقي بينهم حتى عصر تراجان”، وأيضاً: ” وفي الكتاب الثالث من نفس المؤلف
يشهد نفس الشهادة في الكلمات التالية: على أن كنيسة أفسس أيضاً، التي أسسها بولس،
والتي ظل فيها يوحنا حتى عصر تراجان، خير شاهد على التقليد الرسولي(5) “.

ونؤكد
هنا أيضاً أن إيريناؤس كان أحد تلاميذ بوليكاربوس، وبوليكاربوس كان أحد تلاميذ
القديس يوحنا، وكان للقديس يوحنا مئات التلاميذ والشيوخ، كما كان لبوليكاربوس
أيضاً، كأسقف، عشرات التلاميذ من القسوس والشمامسة والمعلمين وغيرهم، أي أن ما
تسلمه بوليكاربوس من القديس يوحنا تسلمه المئات غيره من الشيوخ والتلاميذ، والذي
سلموه بدورهم للآلاف من القسوس والشمامسة والمعلمين، أي أن هذا التسليم لم يكن
مملوكاً لفرد أو أفراد بعينهم بل للكنيسة كلها، وما نستشهد به عن بوليكاربوس
وإيريناؤس هو ما وصل إلينا مكتوباً وموثق. كما كان لكل تلميذ من تلاميذ الرب يسوع
المسيح تلاميذه وخلفائه الذين تسلموا منهم الإنجيل، سواء شفوياً أو مكتوباً،
وسلموه بدورهم لخلفائهم وتلاميذهم من الأساقفة والقسوس والشمامسة والمعلمين. ولم
يكن الإنجيل محصورا في أفراد بعينهم ولا حكراً على أحد، بل كان ملكاً للكنيسة كلها
في الشرق والغرب في الشمال والجنوب.

 

(1) To
Auto Lycus 2, 22
.

(2) يوسابيوس ك 4: 14: 3 – 5.

(3) يوسابيوس 5: 20: 4 – 8.

(4) Ibid
3: 1
.

(5) ك3 ف 2: 23

 

(5) شهادة القديس أكليمندس الإسكندري(150- 215م):

كان
القديس أكليمندس الإسكندري مديراً لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية وتلميذاً للعلامة
بنتينوس ومُعلماً لكل من العلامة أوريجانوس وهيبوليتوس وكان كما يصفه المؤرخ
الكنسي يوسابيوس القيصري ” متمرساً في الأسفار المقدسة “(1)، وينقل
يوسابيوس عن كتابه وصف المناظر أنه أستلم التقليد بكل دقة من الذين تسلموه من
الرسل، فقد كان هو نفسه خليفة تلاميذ الرسل أو كما يقول هو عن نفسه إنه ”
التالي لخلفاء الرسل “(2)، ” ويعترف بأن أصدقاءه قد طلبوا منه بإلحاح أن
يكتب من أجل الأجيال المتعاقبة التقاليد التي سمعها من الشيوخ الأقدمين “(3)،
وذلك باعتباره أحد خلفائهم. ومن ثم فقد سجل التقليد الشفوي الذي سمعه ورآه وتعلمه
وعاشه وحوله إلى تقليد مكتوب، كما شرحه ودافع عنه. وينقلعنه يوسابيوس،أيضا، قوله
عن معلميه الذين استلم منهم التقليد ” وقد حافظ هؤلاء الأشخاص على التقليد
الحقيقي للتعليم المبارك، المسلم مباشرة من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا
وبولس، إذ كان الابن يتسلمه عن أبيه 000 حتى وصل إلينا بإرادة الله لنحافظ على هذه
البذار الرسولية “(4).

هذا
الرجل العظيم شهد لحقيقة أن كاتب الإنجيل الرابع هو القديس يوحنا وذلك في خط آخر
ومكان آخر هو الإسكندرية فقال في كتابه المدعو” هيبوتيبوزيس –
Hypotyposis “: ” أن التقليد استلم أن يوحنا وهو أخرهم جميعاً (آخر
الإنجيليين) عندما لاحظ أن الحقائق الجسدية (الخارجية) قد صارت واضحة في الإنجيل،
وإذ ألح علي أحباؤه، وبإلهام من الروح القدس، دون الإنجيل الروحي “(5).

 

(6) العلامة ترتليان من شمال أفريقيا (160 – 220م):

وقال
العلامة ترتليان، من قرطاجنة بشمال أفريقيا والذي قال عنه القديس جيروم أنه ”
يعتبر رائداً للكتبة اللاتين “(6)، عن حقيقة تدوين القديس يوحنا للإنجيل
الرابع: ” أن كُتاب العهد الإنجيلي هم الرسل الذين عينهم الرب نفسه لنشر
الإنجيل إلى جانب الرجال الرسوليين الذين ظهروا مع الرسل وبعد الرسل 000 يوحنا
ومتى اللذان غرسا الإيمان داخلنا، ومن الرسوليين لوقا ومرقس اللذان جدداه لنا بعد
ذلك “(7).

ويقول
العلماء أن نسخة الإنجيل للقديس يوحنا التي كانت معه ترجع لما قبل قيام

هرطقة
مركيون (139- 142م) ويتضح بسهوله من حواره مع مركيون أن مركيون نفسه كانت معه نسخة
من الإنجيل للقديس يوحنا(8).

 

(7) الوثيقة الموراتورية (160 – 170م):

وقد
أكتشف هذه الوثيقة سنه 1740م ودعيت باسم مكتشفها
Muratori
” وتنسب للقديس هيبوليوتس وتعتبر هذه الوثيقة من أقدم المصادر للتقليد الكنسي
الغربي وللكنيسة الرومانية، وقد جاء فيها عن الإنجيل للقديس يوحنا ما يلي:


يحسب شروحات الكتب الخمسة التي ألفها بابياس التلميذ المحبوب ليوحنا (الرسول) أن
إنجيل (يوحنا) كان قد أكمل تأليفه وأرسل لكنائس آسيا بواسطة يوحنا نفسه أثناء
حياته “.


الإنجيل الرابع هو بواسطة يوحنا أحد التلاميذ، إذ عندما توسل إليه زملاؤه
(التلاميذ) والأساقفة في ذلك قال: صوموا معي ثلاثة أيام ونحن نتفاوض مع بعضنا بكل
ما يوحي الله به إلينا. ففي هذه الليلة عينها أعلن لأندراوس أحد الرسل أن يوحنا
عليه أن يكتب كل شيء تحت اسمه والكل يصدق على ذلك. فأن كانت أمور كثيرة قد علمت
بها الأناجيل الأخرى وكلها استعلنت بالروح الواحد فيما يخص الميلاد (ميلاد الرب)
وآلامه وقيامته وحديثه مع التلاميذ وفيما يخص مجيئه الأول ومجيئه الثاني، الأول
بأتضاع وتواضع وقد أكمله والثاني بالمجد والقوة الملكية الذي سيأتي؛ فأي عجب أذن،
أن يوحنا بجرأة وشجاعة يحقق كل نقطة متكلماً عن نفسه في رسالته: ” الذي رأيناه
بعيوننا وسمعناه بآذاننا ولمسناه بأيدينا 000 هذه الأمور نكتبها إليكم ”
(1يو1: 1و4)، لأنه وضع على نفسه أن يكون لا شاهداً فقط بعينه وبسمعه بل وكاتباً
بكل عجائب أعمال الرب بترتيب “(9).

ومن
الملاحظ فيما جاء في هذه الوثيقة وما كتبه القديس إيريناؤس أن القديس يوحنا دون
إنجيله بناء على طلب رفقائه من الرسل والأساقفة والشيوخ (القسوس).

 

(8) قانون أسفار العهد الجديد:

كان
للإنجيل للقديس يوحنا مكانة ثابتة بين الإنجيل بأوجهه الأربعة التي لم يشك أحد
مطلقاً في وحيها وقانونيتها، فقد وُجد في أقدم المجموعات، وفي أقدم الترجمات، فقد
ترجم إلي السريانية واللاتينية والقبطية في أقدم ترجماتها، ووجد في قوائم الكتب
القانونية الموحي بها والمقدسة، وأقرته جميع المجامع التي ناقشت قوائم الأسفار
القانونية.

 

(1) يوسابيوس ك 5 ف1.

(2) يوسا. ك6ف13.

(3) يوسا ك6ف8: 13.

(4) يوسا ك 5 ف5: 11.

(5)يوسا ك 6 ف 14: 7.

(6) مشاهير الرجال ف 53.

(7) Ag.Marcion4:
2
.

(8) المدخل لشرح إنجيل القديس يوحنا للأب متى المسكين ص 49.

(9) المدخل لشرح إنجيل القديس يوحنا للأب متى المسكين ص 49

 

ثالثاً شهادة أهم وأقدم المخطوطات

(1)
البردية إيجرتون 2 (
Pap. Egerton 2):

والتي
يرى غالبيه العلماء إنها ترجع لنهاية القرن الأول أو بداية القرن الثاني وأكثرهم
تطرفاً رجع بها إلي ما قبل سنه 150م، ومحفوظة في المتحف البريطاني بلندن وتتكون من
ورقتين وثالثه تالفة وتحتوى علي نصوص من الإنجيل بأوجهه الأربعة منها أربعه نصوص
تتطابق مع (يوحنا 39: 5، 45، 29: 9، 30: 7، 39: 10) وهذه هي: “قال (يسوع)
لحكام الشعب هذه الكلمة فتشوا الكتب التي تظنون أن لكم فيها حياه. فهي التي تشهد
لي”، ” لا تظنوا إني جئت لأشكوكم إلى الآب، يوجد الذييشكوكم وهو موسى
الذيعليه رجاؤكم”، “نحن نعلم إن موسى كلمه الله، وأما أنت فلا نعلم (من
أين أنت) فأجاب يسوع وقال لهم لقد قام الاتهام الآن علي عدم إيمانكم 000 “،
لأنكم لو كنتم تصدقون موسى، لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عنى لآبائكم”.

قال
أحدهم: أولاً: لا يوجد في هذه البردية أيّ ذكر أنّ إنجيل يوحنا كتبه يوحنا، فما
علاقة هذه البردية في كشف هوية الكاتب؟؟؟

ثانياً:
وجود نصوص في هذه البردية مشابهة لنصوص في إنجيل يوحنا لا يثبتشيئاً في هوية
الكاتب، وعلى فرض أنّ هذه البردية اقتبست من إنجيل يوحنا فأقصى ما يمكن أن يُستفاد
منها، هو أن الإنجيل كان موجوداً في ذلك الوقت ليس أكثر، ولا يمكن إثبات هويةالكاتب
من خلالها أبداً، فضلاً عن أن يذكر اسم يوحنا منالأصل، فالكلام هنا هو مجرد تمويه،
ومحاولة لتكثير الكلام حتى يظن القارئ أنّ الأدلة كثيرة.

ثالثاً:
لقد قلنا سابقاً أن وجود بعض العبارات المتشابهة في المخطوطة أو البردية مع عبارات
في الإنجيل، لا يعني بالضرورة أنها مقتبسة منه، بل جائز أنهم اقتبسوا من مصدر آخر،
كما أنه من الجائز أن هذه البردية والمخطوطة والإنجيل اقتبسوا من مصدر واحد، أو أن
هذه العبارات المقتبسة هي من الأقوال الشائعة في ذلك الوقت والتي تناقلتها الألسن
من شخصلآخر، فلا يمكن تحميل المسألة فوق ما تحتمل.

رابعاً:
لا ننسى أن هذه البردية مجهولة الكاتب.

خامساً:
هناك أشياء ذكرت عن المسيح في هذه البردية وليس لها وجود فيالأناجيل، فكيف يُفسر
النصارى هذا؟؟؟وهذه نبذة عن بعض ما جاء عن المسيح فيها: ” عندما كانوا
محتارين بسبب سؤاله النادر، ذهب يسوع إلى ضفاف نهر الأردن، ومدّ يده اليمنى وملأها
من (…) وبذر (…) وال (…) ماء (…) ال (…) أمامهم، وأخرج ثمرا (…) كثيرا
(…) للسعادة”.

ألا
يعني هذا أن هناك مصدراً آخر استقى الكاتب منه معلوماته؟؟؟والسؤال الآن: أين توجد
هذه القصة في الأناجيل؟؟؟ومن أين استقى الكاتب هذه المعلومات؟؟؟؟فلو قالوا انه
اقتبسها من الإنجيل فنقول لهم أرجوكم دلّونا عليه أين هو، وفي أيّ الأناجيل وأيّ
إصحاح.وإن قالوا اقتبسها من مصدر آخر أو أن هذه الحكاية ربما مما اشتهر على السنة
الناس، نقول عندها: لما لا تقولوا نفس الشيء عن ما اقتبستموه من البردية؟؟؟؟فبطل
استدلالهم جملة بهذه البردية ولله الحمد والمنة أولاً وأخراً.

ونقول
له: أولاً: لم يكن من عادة الكتاب في ذلك الزمن ذكر الإنجيل الذي ينقلون عنه، لأن
المهم بالنسبة لهم هو جمع ما قاله المسيح له المجد، والمناداة بتعليمه. وثنياً
نتفق، جزئياً، مع قول الكاتب ” فأقصى ما يمكن أن يُستفاد منها، هو أن الإنجيل
كان موجوداً في ذلك الوقت ” ونقول له أن هذا في حد ذاته يبطل عمل النقاد الذي
قالوا أن الإنجيل لم يكتب قبل سنة 150م، ويعتبر الخطوة الأولى في صحة نسب الإنجيل
للقديس يوحنا!!

وثالثاً:
أياً كان هذا المصدر الذي نقلا عنه فهو أقوال المسيح له المجد، وهذا في حد ذاته
يدل على وجود الإنجيل بصورته الشفوية وانتشاره في فترة وجود الآباء الرسوليين على
قيد الحياة. ورابعاً: كون الوثيقة مجهولة الكاتب لا ينفي وجودها في هذا العصر
المبكر للمسيحية ولا يقلل من قيمتها كوثيقة تاريخية.

وخامساً:
وجود النص الآخر في هذه الوثيقة وعدم وجوده في أحد الأناجيل الأربعة فلا يقلل من
قيمة النص ذاته كوثيقة لأن الإنجيل نفسه يعلن أنه لم يجمع كل ما قاله وعلمه المسيح
له المجد، بل فقط ما كان مقصوداً به توصيل رسالة الإنجيل كما أرادها الرب يسوع
المسيح نفسه، وكما أرشدهم لذلك بروحه القدوس. وهذا نفس ما حدث في دياتسرون تاتيان
السوري وتلميذ القديس يوستينوس الشهيد والذي جمع الأناجيل الأربعة وأضاف عليهم بعض
ما كان معروفا في التقليد الذي كان منتشرا في أيامه.

http://www.kchanson.com/ANCDOCS/greek/egerton.html

http://www-user.uni-bremen.de/~wie/Egerton/egerton-intro.html

 

(2)
مخطوطة جون ريلاندز (ب 52 –
P 52):

والتي
تحتوى علي (يوحنا 31: 18 – 34، 37-38) وقد اكتشفت في صحراء الفيوم بمصر سنه 1935م
ويؤرخها معظم العلماء فيما بين سنه 117 و135م وبمتوسط سنة 125م، وهي من أقوى
الأدلة علي سرعة وكثافة انتشار الإنجيل للقديس يوحنا وعلي إنه قد كتب قبل نهاية
القرن الأول، فإذا كان الإنجيل قد كتب في أفسس بآسيا الصغرى وأنتشر في مصر في مثل
هذا التاريخ، فهذا يعنى إنه كتب قبل ذلك علي الأقل بحوالي 30 سنه أو أكثر.

وبرغم
أن هذه المخطوطة لا تذكر أن الكاتب هو القديس يوحنا، بل وبرغم من أنها لا تحتوى
إلا بعض كلمات، إلا أنها ومن منظور علمي عقلاني، تؤكد قدم الإنجيل نفسه، وتطابق
هذه الكلمات القليلة مع ما هو بأيدينا، يؤكد حقيقة حفظ الكنيسة لكل كلمة وكل عبارة
في الكتاب المقدس، بل وتؤكد وجود الإنجيل مكتوباً في فترة سابقة لزمن كتابتها،
وهذه المخطوطة الصغيرة ذات الكلمات القليلة حطمت كل نظريات النقاد التي قالت بكتبة
الإنجيل بعد سنة 150م وجعلت النقاد قبل علماء الكنيسة يعيدون النظر في حقيقة نسب
الإنجيل للقديس يوحنا!!

 http://www.kchanson.com/ANCDOCS/greek/johnpap.html

 

(3) أقدم المخطوطات:

ومن
أقدم ما يقدم كبرهان حاسم علي كتابة الإنجيل للقديس يوحنا في القرون الأولي
وانتشاره بكثافة في بداية القرن الثاني هو أن أقدم المخطوطات التي وجدت هي لهذا
الإنجيل الرابع إلى جانب البردية (ب52–
P 52) والتي ترجع لما بين 117
و 135م والبردية (ب66–
P 66) وترجع لسنة 150م وتشتمل علي الإنجيل بالكامل عدا بعض أجزاء تلفت
صفحاتها.

http://www.earlham.edu/~seidti/iam/tc_pap66.html

 

والبردية
(ب75–
P 75) وترجع لسنة 180م وتضم الجزء الأكبر من الإنجيل للقديس يوحنا
والإنجيل للقديس لوقا.

 

والبردية
(ب45–
P 45) وترجع لسنة 220م وتحتوى علي أجزاء من الإنجيل بأوجهه الأربعةوسفر
أعمال الرسل.

وهكذا
تدل جميع الأدلة والبراهين علي أن الإنجيل الرابع قد كُتب في نهاية القرن الأول
وكان منتشراً وبصورة كبيرة في بداية القرن الثاني، وكان موجوداً مع أباء الكنيسة
والهراطقة وأعداء الكنيسة، وأنه لم يشك أحد ولو للحظة أن مدونه وكاتبه بالروح
القدس هو القديس يوحنا الحبيب تلميذ الرب يسوع المسيح ورسوله

 

2 – البرهان الداخلي:

لم
يذكر القديس يوحنا أسمه في الإنجيل كما لم يضعه علي الإنجيل ولكن دون أن يقصد فقد
ترك أثاراً علي حقيقته وهويته وتقول من هو.

 

ا- الإعلان الذاتي في الإنجيل:

يقول
القديس في مقدمة الإنجيل “وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ ”
(يو1: 14)، والرؤيا المقصودة هنا هي الرؤية بالعين، الرؤية الفسيولوجية وليست
الرؤيا الروحية، فهو يقول “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا
وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءاً نِعْمَةً
وَحَقّاً “. وهذا يعنى أنه، هو، الكاتب، كان أحد شهود العيان، تلاميذ
المسيح،كما قال في رسالته الأولي “اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ،
الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ
أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاة ” (1يو1: 1). وما يؤكده سياق نص
الآية هو أن الكاتب القديس يريد أن يؤكد للقارئ أن الحقائق المدونة في الإنجيل
موثقة بشهادة شهود العيان ومدونه بواسطة أحد شهود العيان وعند الحديث عن طعم
الجندي لجنب الرب يسوع المسيح بحربة يقول “لَكِنَّ وَاحِداً مِنَ الْعَسْكَرِ
طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ. وَالَّذِي عَايَنَ
شَهِدَ وَشَهَادَتُهُ حَقٌّ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ
لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْ ” (يو19: 34و35). وهنا نجد كلمات “عَايَنَ”
و “وَشَهَادَتُهُ “مع تأكيد إنه يقول الحق، وقد كتب ما شاهده وعاينه لكي
يؤمن القراء “وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا
أَنْتُمْ “، وهو يؤكد هنا شهادته، هو، بصفة فردية، كشاهد عيان لما حدث، وبما
كتب.

وفي
خاتمة الكتاب يقول “هَذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهَذَا
وَكَتَبَ هَذَا. وَنَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ”. وهذه الآية تؤكد بصورة
مطلقة وحاسمة أن كاتب الإنجيل هو شاهد عيان، فقد شاهد وشهد بكل ما كتبه في
الإنجيل.

وكشاهد
عيان يذكر الزمان والمكان والتفاصيل الدقيقة، فيقول “وَفِي الْغَدِ ”
(يو1: 29و35؛6: 22؛12: 12)، “جَاءَ إِلَى يَسُوعَ لَيْلاً” (يو3: 2)،
” وَبَعْدَ الْيَوْمَيْنِ خَرَجَ مِنْ هُنَاكَ ” (يو4: 43)، “فِي
السَّاعَةِ السَّابِعَةِ ” (يو4: 52)، “وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ
” (يو6: 16)، “وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَانَ عُرْسٌ فِي قَانَا
الْجَلِيلِ ” (يو12: 1)، “هَذَا الْكلاَمُ قَالَهُ يَسُوعُ فِي
الْخِزَانَةِ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ ” (يو8: 20)، “وَكَانَ
يَسُوعُ يَتَمَشَّى فِي الْهَيْكَلِ فِي رِوَاقِ سُلَيْمَانَ ” (يو10: 23)،
“وَلَمْ يَكُنْ يَسُوعُ قَدْ جَاءَ إِلَى الْقَرْيَةِ بَلْ كَانَ فِي
الْمَكَانِ الَّذِي لاَقَتْهُ فِيهِ مَرْثَا ” (يو11: 30)، وكذلك يذكر
الأعداد “وَكَانَتْ سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حِجَارَةٍ مَوْضُوعَةً هُنَاكَ
حَسَبَ تَطْهِيرِ الْيَهُودِ يَسَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِطْرَيْنِ أَوْ ثلاَثَةً
” (يو2: 6)، “فَلَمَّا كَانُوا قَدْ جَذَّفُوا نَحْوَ خَمْسٍ
وَعِشْرِينَ أَوْ ثلاَثِينَ غَلْوَةً نَظَرُوا يَسُوعَ مَاشِياً عَلَى الْبَحْرِ
مُقْتَرِباً مِنَ السَّفِينَةِ ” (يو6: 19)، “وَأَمَّا التّلاَمِيذُ
الآخَرُونَ فَجَاءُوا بِالسَّفِينَةِ لأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بَعِيدِينَ عَنِ
الأَرْضِ إِلاَّ نَحْوَ مِئَتَيْ ذِرَاعٍ وَهُمْ يَجُرُّونَ شَبَكَةَ السَّمَكِ
” (يو21: 8)، “فَصَعِدَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَجَذَبَ الشَّبَكَةَ إِلَى
الأَرْضِ مُمْتَلِئَةً سَمَكاً كَبِيراً مِئَةً وَثلاَثاً وَخَمْسِينَ. وَمَعْ
هَذِهِ الْكَثْرَةِ لَمْ تَتَخَرَّقِ الشَّبَكَةُ ” (يو21: 11).

هذه
الأرقام التي ذكرها والأوقات وتحديد الأماكن بكل دقة تدل دلالة قاطعة علي أن
الكاتب القديس عاشها بنفسه وشاهدها كشاهد عيان وكان أحد التلاميذ الأثنا عشر الذين
عاشوا مع الرب يسوع المسيح ورافقوه في كل مكان ذهب إليه.

ومن
التفصيلات الدقيقة التي تؤكد وتقطع بأن الكاتب كان موجوداً شخصياً وعايش الأحداث
كشاهد عيان تحديده للخمسة أرغفة بأنها كانت “خَمْسَةُ أَرْغِفَةِ
شَعِيرٍ” (يو6: 9) ووصفه للطيب الذي “فَامْتَلَأَ الْبَيْتُ مِنْ
رَائِحَةِ الطِّيبِ ” (يو12: 3)، وإيماء بطرس إليه للسؤال عن الخائن”
فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ
الَّذِي قَالَ عَنْهُ ” (يو13: 24)، ووصفه لرد فعل الجنود عند القبض علي
المسيح “فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: ” إِنِّي أَنَا هُوَ ” رَجَعُوا
إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ ” (يو18: 9)، وذكره لوزن الأطياب
التي استخدمت في تكفين المسيح “مَزِيجَ مُرٍّ وَعُودٍ نَحْوَ مِئَةِ مَناً
“(يو19: 39).

وكان
للكاتب القديس ملاحظاته الخاصة علي ردود أفعال التلاميذ في المواقف المختلفة. بعد
تحويل الماء إلي خمر يقول ” وَأَظْهَرَ مَجْدَهُ فَآمَنَ بِهِ
تلاَمِيذُهُ” (يو2: 11)، ولما كان مع المرأة السامرية “وَكَانُوا
يَتَعَجَّبُونَ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ مَعَ امْرَأَةٍ” (يو4: 27)، وعندما نظروه
ماشياً علي الماء ” نَظَرُوا يَسُوعَ مَاشِياً عَلَى الْبَحْرِ مُقْتَرِباً
مِنَ السَّفِينَةِ ” (يو6: 19)، ويعلق علي بعض الأحداث بقوله “وَهَذِهِ
الأُمُورُ لَمْ يَفْهَمْهَا تلاَمِيذُهُ أَوَّلاً وَلَكِنْ لَمَّا تَمَجَّدَ
يَسُوعُ حِينَئِذٍ تَذَكَّرُوا أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ مَكْتُوبَةً عَنْهُ
وَأَنَّهُمْ صَنَعُوا هَذِهِ لَهُ ” (يو12: 16)، كما كان له ملاحظاته علي
ردود أفعال الرب يسوع المسيح نفسه (يو11: 2،24؛ 15: 6،61؛1: 13)، بل وقد ذكر أسماء
أشخاص من التلاميذ وغيرهم في مواقف معينة، وهذه الأسماء لم تذكر في نفس المواقف في
الأناجيل الثلاثة الأخرى؛ ففي معجزة إشباع الجموع يذكر فيلبس وأندراوس (يو6: 7و8)،
ويذكر مريم أخت ليعازر التي دهنت المسيح بالطيب، كما يذكر اسم خادم رئيس الكهنة
الذي قطع بطرس أذنه بالسيف وقت القبض علي الرب يسوع المسيح ” ثُمَّ إِنَّ
سِمْعَانَ بُطْرُسَ كَانَ مَعَهُ سَيْفٌ فَاسْتَلَّهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ
الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. وَكَانَ اسْمُ الْعَبْدِ مَلْخُسَ
” (يو18: 10)، ويذكر أسماء نثنائيل ونيقوديموس ولعازر الذين لم يذكروا في
الأناجيل الثلاثة الأخرى. والواضح أن أسلوب الكتابة عن هؤلاء الأشخاص أن الكاتب
يعرفهم جيداً وبصفة شخصية، وكان حاضراً لتلك الأحداث التي كتب عنها بدقة وتفصيل.

 

2 – التلميذ المحبوب؛ من هو؟

يذكر
الإنجيل هذا التلميذ المحبوب ” الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ ” في
خمسة مواقف هامة (يو13: 23؛20: 2،7،20)، وكل منهم له مغزاه الخاص؛ وأول ما يذكر
يذكر في العشاء الرباني كأقرب واحد من الرب يسوع المسيح ” وَكَانَ مُتَّكِئاً
فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تلاَمِيذِهِ كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ “،
وعند حديث الرب عن التلميذ الخائن ” الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ
وَاحِداً مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي “، يقول الكاتب ” وَكَانَ مُتَّكِئاً
فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تلاَمِيذِهِ كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ. فَأَوْمَأَ
إِلَيْهِ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ
عَنْهُ ” (يو13: 23و24). إنه هنا أقرب التلاميذ إلي الرب والوحيد منهم الذي
تجاسر علي سؤاله عن الخائن. وهناك ملحوظة ذات اعتبار وهي ارتباطه بالقديس بطرس
الذي أومأ إليه أن يسأل الرب. والموقف الثاني الذي يذكر فيه عند الصليب حيث نرى
ثقة الرب فيه وهو يضع أمه القديسة العذراء في أمانته وتحت رعايته ” فَلَمَّا
رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفاً قَالَ
لِأُمِّهِ: يَا امْرَأَةُ هُوَذَا ابْنُكِ. ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: هُوَذَا
أُمُّكَ. وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ
” (يو19: 26و27). وفي الموقف الثالث عندما ذهبت المجدلية إلي قبر المسيح
ووجدت الحجر مرفوعاً والقبر خالياً من الجسد فذهبت إلي بطرس وهذا التلميذ بصفة
خاصة لتخبرهما بذلك ” فَرَكَضَتْْ وَجَاءَتْ إِلَى سِمْعَانَ بُطْرُسَ
وَإِلَى التِّلْمِيذِ الآخَرِ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ وَقَالَتْ لَهُمَا:
أَخَذُوا السَّيِّدَ مِنَ الْقَبْرِ وَلَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ ”
(يو22: 2)، وذهب الاثنان إلي القبر وبعدما شاهدا ما يبرهن علي قيامة الرب يركز
الكاتب في تعليقه علي هذا التلميذ فقط بقوله ” وَرَأَى فَآمَنَ” (يو20:
8). أما الموقف الرابع فهو عندما ذهب سبعة من التلاميذ ليصطادوا علي بحر طبرية بعد
القيامة وظهور الرب لهم، وهؤلاء التلاميذ هم ” سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَتُومَا
الَّذِي يُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ وَنَثَنَائِيلُ الَّذِي مِنْ قَانَا الْجَلِيلِ
وَابْنَا زَبْدِي وَاثْنَانِ آخَرَانِ مِنْ تلاَمِيذِهِ مَعَ بَعْضِهِمْ ”
(يو21: 2). ونلاحظ هنا أنه يذكر أسماء ثلاثة من التلاميذ، ويذكر لقب يعقوب ويوحنا
” وَابْنَا زَبْدِي ” فقط دون أن يذكر أسماء، ثم يشير فقط إلي ”
وَاثْنَانِ آخَرَانِ مِنْ تلاَمِيذِهِ ” قد لا يكونا من التلاميذ الاثنى عشر.
والموقف الخامس والأخير هو عندما ظهر الرب لهؤلاء التلاميذ السبعة ودار حديث بينه
وبين بطرس عرف فيه بطرس من الرب مصيره وكيف سيترك هذا العالم وأراد أن يعرف مصير
هذا التلميذ ” فَالْتَفَتَ بُطْرُسُ وَنَظَرَ التِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ
يَسُوعُ يُحِبُّهُ 000فَلَمَّا رَأَى بُطْرُسُ هَذَا قَالَ لِيَسُوعَ: يَا رَبُّ
وَهَذَا مَا لَهُ؟قَالَ لَهُ يَسُوعُ: إِنْ كُنْتُ أَشَاءُ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى
أَجِيءَ فَمَاذَا لَكَ؟ اتْبَعْنِي أَنْتَ.فَذَاعَ هَذَا الْقَوْلُ بَيْنَ
الإِخْوَةِ: إِنَّ ذَلِكَ التِّلْمِيذَ لاَ يَمُوتُ. وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ
يَسُوعُ إِنَّهُ لاَ يَمُوتُ بَلْ: إِنْ كُنْتُ أَشَاءُ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى
أَجِيءَ فَمَاذَا لَكَ؟هَذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهَذَا وَكَتَبَ
هَذَا ” (يو21: 20-24).

ما
سبق يؤكد لنا أن هذا التلميذ المحبوب، بالطبع، كان قريباً من الرب يسوع المسيح
وانه كان دائماً مرتبطاً ببطرس (في العشاء وعند القبر وعند سؤال بطرس للرب يسوع عن
مصير هذا التلميذ)، ولم يذكر وحده إلا عند الصليب عندما كان بطرس يتبع الرب من
بعيد. وعند محاكمة المسيح كان الاثنان معاً، ولأن هذا التلميذ كان معروفاً من رئيس
الكهنة فقد توسط عند البوابة وأدخل بطرسدار رئيس الكهنة (يو18: 16). ونعرف من
الأناجيل الثلاثة الأولي أنه كان علي رأس التلاميذ الأثنى عشر دائرة خاصة مقربة من
الرب يسوع المسيح مكونة من “بطرس ويعقوب ويوحنا”، وهؤلاء الثلاثة أصلاً
كانوا شركاء في سفينة لصيد السمك (لو5: 10)، وقد أخذهم الرب معه في أخص المواقف،
فقد كانوا شركاء في سفينة لصيد السمك(مر5: 37)، وعلي جبل التجلي (مر9: 2)، وكانوا
أقرب التلاميذ إليه في بستان جثسيمانى قبل القبض عليه مباشرة (مر14: 33).

وكان
بطرس ويوحنا بالذات مرتبطين معاً، فقد أرسلهما الرب يسوع المسيح وحدهما معاً ليعدا
الفصح (لو22: 8)، وبعد القيامة وحلول الروح القدس كانا دائماً معاً، فقد ذهبا إلي
الهيكل معاً عندما حدثت معجزة شفاء المُقعد علي بابا الهيكل وحاكمهما رؤساء اليهود
معاً (أع ص3و4)، وذهبا إلي السامرة معاً مرسلين من بقية الرسل (أع8: 14)، ويذكرهما
القديس بولس مع “يعقوب أخي الرب” كالأعمدة الثلاثة في الكنيسة الأولي
(غل2: 9).

والشيء
الجدير بالملاحظة هو أن أسم بطرس كان يذكر دائماً أولاً ثم بعد ذلك أسم يوحنا وذلك
في الأناجيل الثلاثة الأولي “بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا “(1)، وفي سفر
الأعمال كان بطرس دائما هو المتقدم سواء في ذكر الأسماء أو في الفعل
“وَصَعِدَ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا مَعاً إِلَى الْهَيْكَلِ ” (أع3: 1)،
“أَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا “(2)، وحتى عندما ذكر
القديس بولس يعقوب أخو الرب أول الثلاثة الأعمدة ذكر بطرس بعده ثم يوحنا أخيراً
“يَعْقُوبُ وَصَفَا (بطرس) وَيُوحَنَّا، الْمُعْتَبَرُونَ أَنَّهُمْ
أَعْمِدَةٌ” (غل2: 9). وكان القديس بطرس هو المتكلم دائماً. وهنا في الإنجيل
الرابع نجد أن القديس بطرس يومئ للتلميذ المحبوب أن يسأل الرب يسوع عمن سيسلمه،
وعندما قام الرب يسوع المسيح من الموت وذهبت مريم المجدلية إلي القبر وجدت الحجر
مرفوعاً عن القبر ذهبت إلي بطرس ثم هذا التلميذ، وآتياً إلي القبر وبرغم أن هذا
التلميذ سبق بطرس ووصل أولاً ألا أنه لم يدخل القبر إلا بعد أن جاء بطرس ودخل
أولاً “فَحِينَئِذٍ دَخَلَ أَيْضاً التِّلْمِيذُ الآخَرُ الَّذِي جَاءَ
أَوَّلاً إِلَى الْقَبْرِ وَرَأَى فَآمَنَ” (يو20: 8)، وعند الذهاب للصيد عند
بحر طبرية كان بطرس هو الداعى لذلك، ولما ظهر لهم الرب وعرفه هذا التلميذ قبل
الجميع أخبر بذلك بطرس أولاً وقبل الجميع “فقال ذلك التلميذ الذي كان يسوع
يحبهُ لبطرس هو الرب”، وعندما كشف الرب لبطرس مصيره وكيف ستنتهي حياته علي الأرض
أهتم بطرس بمعرفة مصير هذا التلميذ فقط دون بقية التلاميذ.

كل
هذا يؤكد أن هذا “التِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ” والذي
كتب الإنجيل الرابع هو القديس يوحنا ابن زبدي. وما يؤكد هذه الحقيقة أيضاً هو أن
القديس يوحنا لم يذكر أسمه بالمرة فلي الإنجيل الرابع، بينما أسمه مذكور في
الأناجيل الثلاثة الأولي 20مرة، كما أن يذكر يوحنا المعمدان باسمه
“يوحنا” فقط بدون لقب المعمدان مما يدل علي أن يوحنا ابن زبدى كاتب
الإنجيل كان معروفاً للجميع وقت كتابة الإنجيل بلقب آخر هو التلميذ المحبوب.

ويجد
البعض صعوبة في أن يصف القديس يوحنا نفسه بالتلميذ الذي كان يسوع يحبه، ويجد من
أيضاً أنه من الصعب أن يكون هذا الحب تفضيلي بمعنى أن الرب فضل يوحنا علي بقية
التلاميذ. ولكن ما كتبه القديس يوحنا في رسالته الأولي عن المحبة وحب الله الذي
ظهر في المسيح، وما ركز عليه أيضاً في الإنجيل الذي كتبه بالروح القدس عن حب الله
الأبدي ومحبته للبشرية التي تفوق الوصف “لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ
الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ
يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو3: 16)، وكذلك
إدراكه لحب الرب يسوع المسيح العظيم الذي لا حد له، واقترابه من فكر الرب وعقله
وقلبه أنعكس عليه هو نفسه ولهذا صار التلميذ المحبوب، وأشتهر بذلك في شيخوخته.
وكان هذا اللقب علامة تواضع أكثر منه تفضيل فقد أخفي أسمه وذكر ما يمتلكه أكثر من
أسمه وأعظم، وهو حب الرب يسوع المسيح له.

 

(1) يرجع سبب بطرس بالدرجة الأولى لسنة. وأحيانا يذكر ” بطرس
ويعقوب ويوحنا ” (مت17: 1؛مر5: 37؛9: 2؛13: 3؛14: 33؛لو8: 51؛أع1: 13).

(2) أع 14: 8.

 

ج- الخلفية اليهودية الفلسطينية للكاتب:

بينا
أعلاه أن كاتب الإنجيل الرابع هو شاهد عيان لما سجله ودونه بالروح القدس في
الإنجيل وأنه يوحنا ابن زبدى تلميذ المسيح وأحد الثلاثة المقربين من الرب والتلميذ
“الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ”.

وفيما
يلي نقدم الأدلة علي أنه كان من يهود فلسطين:

 

(1) معرفته الدقيقة بالعادات اليهودية:

يقدم
القديس يوحنا معلومات دقيقة، وأن كانت بصورة عفوية، وتلقائية عن عادات وشرائع
اليهود كيهودي يعرف عادات وشعائر قومه، فيتكلم عن شريعة التطهير “وَكَانَتْ
سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حِجَارَةٍ مَوْضُوعَةً هُنَاكَ حَسَبَ تَطْهِيرِ
الْيَهُودِ ” (يو2: 6)، ” وَحَدَثَتْ مُبَاحَثَةٌ مِنْ تلاَمِيذِ
يُوحَنَّا مَعَ يَهُودٍ مِنْ جِهَةِ التَّطْهِيرِ” (يو3: 25)، ” وَكَانَ
فِصْحُ الْيَهُودِ قَرِيباً. فَصَعِدَ كَثِيرُونَ مِنَ الْكُوَرِ إِلَى
أُورُشَلِيمَ قَبْلَ الْفِصْحِ لِيُطَهِّرُوا أَنْفُسَهُمْ” (يو11: 55)،
ويتكلم عن نظرة لليهود للأمم كنجسين “وَلَمْ يَدْخُلُوا هُمْ (رؤساء الكهنة)
إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ لِكَيْ لاَ يَتَنَجَّسُوا فَيَأْكُلُونَ الْفِصْحَ”
(يو18: 28)، ويذكر عادة اليهود في تكفين الموتى “فَأَخَذَا جَسَدَ يَسُوعَ
وَلَفَّاهُ بِأَكْفَانٍ مَعَ الأَطْيَابِ كَمَا لِلْيَهُودِ عَادَةٌ أَنْ
يُكَفِّنُوا” (يو19: 40). ويذكر أهم أعياد اليهود كالفصح والمظال والتجديد
ويتكلم عنها بالتفصيل (يو7: 2،3؛10: 22؛11: 55). ويتكلم عن الحرم اليهودي من
المجمع والذي يعنى القطع من جسم الأمة (يو9: 22). وذكرعادة اليهود في عدم بقاء
أجسام المحكوم عليه بالإعدام معلقة في السبت العظيم (يو19: 31). وتحدث عن فكر
اليهود من جهة المرأة وإقلالهم من شأنها “وَكَانُوا يَتَعَجَّبُونَ أَنَّهُ
يَتَكَلَّمُ مَعَ امْرَأَةٍ ” (يو4: 27). وتكلم عن عادة اليهود فيما يختص
بتحريم أي عمل في السبت “فَقَالَ الْيَهُودُ لِلَّذِي شُفِيَ: إِنَّهُ
سَبْتٌ! لاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَحْمِلَ سَرِيرَكَ” (يو5: 10). كما تحدث عن
فكرهم من جهة وراثة الخطية “مَنْ أَخْطَأَ: هَذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى
وُلِدَ أَعْمَى؟” (يو9: 2).

ويجب
أن نضع في اعتبارنا أنه عندما يتحدث عن اليهود بعبارات مثل ” كَمَا
لِلْيَهُودِ عَادَةٌ” (يو19: 40)، لا يعنى أنه يتكلم عن أناس لم يكن هو منهم
من قبل، بل علي العكس، فهو يؤكد أنه منهم بقوله عنهم أنهم خاصة الله “إِلَى
خَاصَّتِهِ جَاءَ وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ “(يو1: 11)، وبتأكيده أنه
التلميذ الذي كان يسوع يحبه وكل تلاميذ المسيح أصلاً من اليهود. كما أنه كان من عادة
الرسل كُتاب العهد الجديد برغم أنهم جميعاً – عدا القديس لوقا – من أصل يهودي أن
يتكلموا عن اليهود واليهودية كأصحاب ديانة أخرى ودين آخر، لأنه بانضمامهم للمسيحية
وتركهم لليهودية فقد انفصلوا تماماً عن اليهود واليهودية وصاروا ينظرون إليها
كديانة أخرى عن ديانتهم المسيحية، وعلي سبيل المثال يقول القديس بولس الرسول والذي
كان يهودياً متعصباً ومضطهداً للمسيحية “مِنَ الْيَهُودِ خَمْسَ مَرَّاتٍ
قَبِلْتُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً” (2كو11: 24)، ”
الْيَهُودِ،الَّذِينَ قَتَلُوا الرَّبَّ يَسُوعَ وَأَنْبِيَاءَهُمْ،
وَاضْطَهَدُونَا نَحْنُ. وَهُمْ غَيْرُ مُرْضِينَ لِلَّهِ وَأَضْدَادٌ لِجَمِيعِ
النَّاسِ” (1تس2: 14و15).

 

(2) معرفته الدقيقة بالتاريخ اليهودي المعاصر:

يقدم
القديس يوحنا معلومات وفيرة عن تاريخ اليهود المعاصر للرب يسوع المسيح كواحد من
الذين عاشوا في تلك الفترة فيذكر المدة التي بنى فيها الهيكل الذي بناه هيرودس
بقول الآية “فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً بُنِيَ هَذَا الْهَيْكَلُ”
(يو2: 20)، ويذكر المواقف السياسية لليهود من جهة عدواتهم للسامريين “لأَنَّ
الْيَهُودَ لاَ يُعَامِلُونَ السَّامِرِيِّينَ” (يو4: 9)، وازدرائهم بيهود
الشتات “فَقَالَ الْيَهُودُ فِيمَا بَيْنَهُمْ: إِلَى أَيْنَ هَذَا (المسيح)
مُزْمِعٌ أَنْ يَذْهَبَ حَتَّى لاَ نَجِدَهُ نَحْنُ؟ أَلَعَلَّهُ مُزْمِعٌ أَنْ
يَذْهَبَ إِلَى شَتَاتِ الْيُونَانِيِّينَ وَيُعَلِّمَ الْيُونَانِيِّينَ؟”
(يو7: 35)، ويسجل تاريخ رؤساء الكهنة المعاصرين ويذكر أن “قَيَافَا كَانَ
رَئِيساً لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ” (يو11: 49)، وأن ”
وَمَضَوْا بِهِ إِلَى حَنَّانَ أَوَّلاً لأَنَّهُ كَانَ حَمَا قَيَافَا الَّذِي
كَانَ رَئِيساً لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ” (يو18: 13).

 

(3) معرفته الدقيقة بجغرافية فلسطين:

كما
يقدم القديس يوحنا أيضا معلومات دقيقة عن جغرافية فلسطين ويبدو واضحاً من تعليقاته
معرفته الشخصية بكل ما ذكره وسجله في الإنجيل الرابع. فيسجل الاسم العبري لبركة
كانت بالقرب من باب الضان وَفِي أُورُشَلِيمَ عِنْدَ بَابِ الضَّأْنِ بِرْكَةٌ
يُقَالُ لَهَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ «بَيْتُ حِسْدَا» لَهَا خَمْسَةُ
أَرْوِقَةٍ” (يو5: 2)، وهذه التفصيلات برهنت عليها الحفريات الحديثة التي
كشفت عن بركة ذات خمسة أروقة، بالقرب من الهيكل ولها صفات تفترض أنه للماء خواص
شفاء. وتكلم عن الموضع الذي كان فيه كرسي الولاية وذكر اسمه العبري
“جباثا”، “وَجَلَسَ (بيلاطس) عَلَى كُرْسِيِّ الْوِلاَيَةِ فِي
مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ الْبلاَطُ وَبِالْعِبْرَانِيَّةِ جَبَّاثَا ” (يو19:
13)، وهذه المنطقة برهنت الاكتشافات الأثرية علي وجودها بالقرب من برج انطونيا
الذي يطل علي منطقة الهيكل.

ويفسر
معنى اسم ” بِرْكَةِ سِلْوَامَ “. بقوله ” الَّذِي تَفْسِيرُهُ
مُرْسَلٌ” (يو9: 7)، ويقول عن موضع الجمجمة ” الْمَوْضِعِ الَّذِي
يُقَالُ لَهُ مَوْضِعُ الْجُمْجُمَةِ وَيُقَالُ لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ
جُلْجُثَةُ ” (يو19: 17).ويذكر التفاصيل الطبوغرافية(325) للمدن التي سار
فيها المسيح بدقة، فيحدد موضع “بَيْتِ عَبْرَةَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ
” (يو1: 28)، و”عَيْنِ نُونٍ بِقُرْبِ سَالِيمَ” (يو3: 23)، ”
وسُوخَارُ بِقُرْبِ الضَّيْعَةِ الَّتِي وَهَبَهَا يَعْقُوبُ لِيُوسُفَ
ابْنِهِ” (يو4: 5)، ويذكر اسم طبرية كاسم متبادل لبحر الجليل “بَحْرِ
الْجَلِيلِ وَهُوَ بَحْرُ طَبَرِيَّةَ” (يو6: 1؛21: 1)، ويميز بيت عنيا
القريبة “وَكَانَتْ بَيْتُ عَنْيَا قَرِيبَةً مِنْ أُورُشَلِيمَ نَحْوَ
خَمْسَ عَشْرَةَ غَلْوَةً” (يو11: 18)،عن بيت عبرة التي “بَيْتِ
عَبْرَةَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ” (يو1: 28)، ويميز بين ” قَانَا
الْجَلِيلِ” (يو2: 1) و” بَيْتِ صَيْدَا الْجَلِيلِ” (يو12: 21)
وغيرهما، ووصف الطريق من قانا إلي كفر ناحوم بالانحدار “وَبَعْدَ هَذَا
انْحَدَرَ إِلَى كَفْرِنَاحُومَ ” (يو2: 12). وتحدث عن أورشليم كخبير بمواقعها
ودروبها وعلي سبيل المثال يذكر موقع بستان جثسيمانى بقوله ” عَبْرِ وَادِي
قَدْرُونَ حَيْثُ كَانَ بُسْتَانٌ” (يو18: 1)، وذكر موقع “بِرْكَةِ
سِلْوَامَ” (يو9: 7و11) و”بِرْكَةٌ يُقَالُ لَهَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ
«بَيْتُ حِسْدَا»” (يو5: 2) وميز بينهما، وحدد موقع باب سليمان ”
وَكَانَ يَسُوعُ يَتَمَشَّى فِي الْهَيْكَلِ فِي رِوَاقِ سُلَيْمَانَ ”
(يو10: 23)، والخزانة في الهيكل ” هَذَا الْكلاَمُ قَالَهُ يَسُوعُ فِي
الْخِزَانَةِ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ ” (يو8: 20)، وحدد موقع
افرايم بالقرب ” الْكُورَةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْبَرِّيَّةِ إِلَى مَدِينَةٍ
يُقَالُ لَهَا أَفْرَايِمُ” (يو11: 54).

وهذه
المعلومات الجغرافية الطبوغرافية الدقيقة التي كتبها بصورة تلقائية عفوية تبرهن
وتؤكد بل وتقطع أن الكاتب عاش في هذه البلاد وتربي فيها وصار في مدنها وعرف كل
مواقعها. وهذا ينطبق تماماً علي القديس يوحنا الرسول ابن زبدى الصياد الجليلي،
صاحب سفينة صيد السمك والذي كان يعرفه رئيس الكهنة في أورشليم والذي تجول مع الرب
يسوع المسيح مدة أكثر من ثلاث سنوات في معظم مدن فلسطين وبراريها وطرقها العامة.

 

(4) أسلوب الكاتب ولغته يدلان علي أصله الآرامي:

عند
قراءة الإنجيل، خاصة في لغته اليونانية، يبدو واضحاً للدرس أن الإنجيل مكتوب بلغة
آرامية وأسلوب آرامي في حروف وكلمات يونانية، فهو يسجل أقوال الرب يسوع المسيح
وخُطبه ويدونها بأسلوبها الآرامي وتعابيرها العبرية من “ثنائيات”
و”رباعيات” ويكرر استخدام أدوات الربط والعطف كثيراً، ويكتب كلمات
آرامية وعبرية ويفسرها أو يترجمها إلي اليونانية، وأحياناً يذكر الكلمة في
اليونانية ويرجعها إلي أصلها العبري؛ مثل “رَبِّي (الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا
مُعَلِّمُ) أَيْنَ تَمْكُثُ؟” (يو1: 38)، “قَدْ وَجَدْنَا مَسِيَّا (الَّذِي
تَفْسِيرُهُ: الْمَسِيحُ)” (يو1: 41)، “مَسِيَّا الَّذِي يُقَالُ لَهُ
الْمَسِيحُ” (يو4: 25)، “أَنْتَ تُدْعَى صَفَا (الَّذِي تَفْسِيرُهُ:
بُطْرُسُ) ” (يو1: 42)، “بِرْكَةِ سِلْوَامَ. الَّذِي تَفْسِيرُهُ
مُرْسَلٌ” (يو9: 7)، “رَبُّونِي الَّذِي تَفْسِيرُهُ يَا
مُعَلِّمُ” (يو20: 16)، “أَمَّا تُومَا أَحَدُ الاِثْنَيْ عَشَرَ
الَّذِي يُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ” (يو20: 24)،”مَوْضِعُ الْجُمْجُمَةِ
وَيُقَالُ لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ جُلْجُثَةُ” (يو19: 17).

وتكررت
في الإنجيل كلمات بذاتها وبحروفها مرات كثيرة بما لا يتفق أبداً مع اللغة
اليونانية، فقد نقل الكاتب القديس كلمات المسيح في الآرامية بحرفها وأسلوبها إلي
اليونانية مراعياً تسجيل ما قاله وعمله الرب يسوع المسيح كما هو بكل دقة في نفس
صياغتها الآرامية وأسلوبها الآرامي ولكن بكلمات يونانية وحروف يونانية، فقد كرر
كلمات “عرف” 55 مرة، “آمن” 98 مرة، “أحب” 45 مرة؛
وهو يكرر ألفاظ “الحقيقة” 25 مرة، و”النور” 23 مرة،
و”الحياة” 26 مرة، و”العالم” 78 مرة، و”الظلمة” 13
مرة، و”الاسم” 25 مرة، و”الكلمة” 50 مرة، و”العمل”
27 مرة، و”الآية” 15 مرة، و”الشهادة” 47 مرة،
و”إحياء” 52 مرة، و”مجد” 42 مرة(347)”.

 

(5) استخدام الكاتب لنص العهد القديم العبري:

وما
يدل أيضا علي أن الكاتب يهودي من فلسطين هو استخدامه لنص العهد القديم العبري
عندما يشير إلي نبوات العهد القديم عن الرب يسوع المسيح، وقد نقل ثلاث نبوّات من
النص العبري مباشرة(348)، بل أنه في بعض النبوّات التي ينقلها عن النص اليوناني
للترجمة السبعينية يراجع النص اليوناني علي النص العبري وينقحه(349). وهذا عكس ما
فعله الكتاب اليونانيين الذين كانوا يعتمدون علي الترجمة السبعينية بالدرجة
الأولي.

وهكذا
اتضح لنا بالدليل والبرهان العلمي أن كاتب الإنجيل الرابع هو القديس يوحنا، وأن ما
قاله النقاد سابقاً فقد تراجعوا عنه اليوم أمام الأدلة والبراهين الحاسمة، كما أن
ما يقوله بعضهم اليوم من أن جامع الإنجيل ومدونه هم تلاميذ القديس يوحنا، برغم أن
كثيراً من كتب الأنبياء قد جمعها تلاميذهم وأتباعهم من بعدهم ولم يقلل هذا من
قيمتها لأنهم جمعوها بكل أمانة ودقة، إلا أن الإنجيل ذاته يؤكد بصورة واضحة لا لبس
فيها أن كاتبه هو التلميذ الذي كان يسوع يحبه “هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا
وكتب هذا(350)”، القديس يوحنا ابن زبدى تلميذ المسيح ورسوله. وبعد هذا القول
فليستد كل فم ويصمت كل مكابر ويصغي فقط لصوت الحق.

 

(325) الطبوغرافية هى الوصف أو الرسم الدقيق للأماكن ويشمل الوديان
والجبال والسهول والأنهار والطرق والجسور … إلخ. (قاموس المورد).

(347) “صوفية المسيحية، الإنجيل بحسب يوحنا” أ. يوسف درة
الحداد ص 61.

(348) يو 14: 12-25؛ 38: 13؛ 37: 9

(349) يو 23: 1؛ 3: 3؛ 40: 12

(350) يو 24: 21


من هو كاتب الإنجيل للقديس يوحنا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار