علم الكتاب المقدس

كتابة الكتاب



كتابة الكتاب

كتابة
الكتاب

ليت كلماتي الآن تكتب، ياليتها رسمت في سفر ونقرت إلى الأبد في الصخر
بقلم حديد وبرصاص

(أيوب 19:
23،24)

الأمر بالكتابة

أشرنا
فى الفصل السابق إلى الخطوات الثلاث للوحي؛ وعرفنا أن أولى تلك الخطوات الثلاث هى
إعلان الحق الذى يريد الله أن يقدمه للإنسان مستخدماً أوانى الوحى، ثم تأتى بعد
ذلك الخطوة الثانية إذ يقوم النبى أو الرسول، بقوة الروح القدس أيضاً، بكتابة ذات
أقوال الله مسوقاً من الروح القدس.

إذاً
فلقد تلقى كتبة الوحى أمراً صريحاً من الله بتسجيل الأقوال التى أعلنها الله لهم،
فى كتاب. ولقد كان أول من تلقى هذا الأمر – على ما نعلم – هو موسى فى برية سيناء
(خر 17: 14) وكان آخرهم هو يوحنا الحبيب وهو منفىّ فى جزيرة بطمس عندما سمع صوتاً
عظيماً: « الذى تراه اكتب فى كتاب » (رؤ 1: 11).

تُرى
كيف كان يتم هذا الأمر؟ الإجابة أننا فى نبوة إرميا 36 نجد تصويراً للطريقة التى
كانت تُكتب بها الأسفار المقدسة. فلقد استدعى إرميا وهو فى السجن “باروخ بن
نيريا” ليكتب فى درج كل كلام الرب على إسرائيل. وابتدأ إرميا يملي على باروخ
الأقوال كلمة بعد كلمة حتى أن باروخ قال وصفاً لذلك « كان يقرأ لي كل هذا
الكلام وأنا كنت أكتب فى السفر بالحبر » (ع18). لكن بعد أن انتهى باروخ من
الكتابة لم تعد هذه الأقوال هى أقوال إرميا بل « كلام الرب » (ع 4، 6،
8، 11). ثم لما تجاسر يهوياقيم الملك الشرير فشق هذا الدرج وأحرقه بالنار، مستخفاً
بكلام الرب نفسه (ع 23)، فإن كلمة الرب صارت إلى إرميا قائلة « عُد فخذ لنفسك
دَرجاً آخر واكتب فيه كل الكلام الأول الذى كان فى الدرج الأول الذى أحرقه
يهوياقيم ملك يهوذا » (ع28). لاحظ أن إرميا لم يكتب فقط الفكرة السابقة بل
ذات الكلمات الأولى تماماً. وهكذا أُعيد الكتاب مرة ثانية كلمة بكلمة، وإن كان قد
أُضيف عليه بعد ذلك كلام آخر كثير.

 

عملية الكتابة

في
أسفار موسى الخمسة المعروفة بالتوراة، بل وفى سفر الخروج؛ السفر الذى وردت فيه أول
إشارة إلى كتابة الكتاب، نقرأ عدة إشارات إلى الكتابة.

ففى
خروج 17: 14 نقرأ « فقال الرب لموسى اكتب هذا تذكاراً في الكتاب وضعه فى
مسامع يشوع ».

وفي
خروج 40: 20 إشارة إلى لوحى الحجر اللذين كتب الله عليهما الوصايا العشر فنقرأ
« وأخذ الشهادة وجعلها فى التابوت »

وفي
خروج 24: 4،7 إشارة إلى كتاب العهد فيقول « فكتب موسى جميع أقوال الرب (وهى
تلك الأقوال التى ذكرها سابقا فى خروج20: 22 إلى 23: 33).. وأخذ كتاب العهد وقرأ
فى مسامع الشعب ».

أما
عن أدوات الكتابة؛ فلقد كان اليهود القدماء يكتبون مخطوطاتهم عادة على الرقوق،
وكانت هذه تُصنع من جلود حيوانات طاهرة، تُعَد بواسطة اليهود فقط، وتخيط بواسطة
أوتار من حيوانات طاهرة أيضاً. وكان العمود الذى يكتبون عليه لا يقل عن 48 سطراً،
ولا يزيد عن 60. ويجب أن تكون الكتابة عليه بالحبر الأسود فقط، وكان يجهز بطريقة
خاصة.

أما
أصل كلمة «سفر» وتعني كتاب، فهو السَّفر (بفتح السين المشددة) ومعناها السلخ، حيث
مع تطور فن الكتابة بدأ الكتاب يسلخون جلد الحيوان لكي يكتبوا عليه ثم يطوونه علي
شكل درج. فكلمة «سفر» إذاً تعيد إلي أذهاننا هذه الذبائح التي علي جلودها كتب
الأنبياء قديماً أقوال الوحي المقدس.

وكان
هناك شكلان للمخطوطات التى كان يكتب عليها هما:

1-
الدرج
Scroll: وهى عبارة عن شريحة طويلة من الورق والجلد (يبلغ طولها إلى نحو
تسعة أمتار)، تثبّت من جانب واحد أو من جانبيها فى قطعة خشبية أو عصا وتطوى عليها.
وكان فى هذه الحالة يكتب على ناحية واحدة فقط من الشريحة، هى الناحية الداخلية.

2-
الملازم أو المجلد
Codex وهو قريب الشبه مما نستخدمه الآن. ولقد قال أحد العلماء إن
المسيحية (بنسخها لأسفار الكتاب المقدس) كان لها الفضل فى تطوير الكتاب إلى الشكل
الذى نراه عليه اليوم.

 

الدقة المتناهية فى عملية النسخ

كان
يقوم بهذا العمل جماعة متخصصة فى ذلك اسمها الكتبة. وكان الرابي (أى معلم الشريعة)
يوصي النساخ الشباب قائلاً: احرصوا أشد الحرص فى عملكم الذى تعملونه، فهو عمل
السماء، لئلا تُسقِطوا حرفاً، أو تضيفوا حرفاً فى نسختكم فتتسببوا فى هلاك العالم.

وكان
يقال لهم: عندما تشرع فى النسخ، لو دخل عليك ملك إلى حجرتك وتحدث إليك، تجاهله
تماماً لئلا تخطئ فى الكتابة.

وكان
يُقال أيضاً: قبل أن تكتب كلمة واحدة من كتاب الله، عليك أن تغسل جسدك وتلبس
الثياب العبرانية، وتجهز نفسك بالأفكار الخشوعية. ومع أنك تعرف بل تحفظ كتاب الوحى
عن ظهر القلب، فلا تكتب كلمة واحدة من ذاكرتك. ارفع عينيك إلى نسختك، والفظ الكلمة
بصوت عالٍ قبل أن تخطها. وقبل أن تكتب لقباً من الألقاب الإلهية، عليك أن تغسل قلمك.
وقبل أن تكتب اسم الإله الأعظم “يهوه” يجب أن تغسل جسدك كله.

وبعد
الانتهاء من النسخ ومراجعتها، كان إذا وجد فى أية صفحة غلطة واحدة تعدم تلك
الصفحة. أما إذا وُجد فى أية صفحة ثلاث غلطات فكان عليه أن يعدم النسخة كلها.

ويقول
العلامة وستكوت إنه نتيجة هذه التعليمات الحازمة فإن الأخطاء فى عملية نسخ العهد
القديم كانت نادرة فعلاً، بمعدل حرف واحد من كل 1580 حرفاً. ومعظمها في عدد قليل
من النسخ أو أحياناً في نسخة واحدة فقط، الأمر الذي يجعل اكتشاف الخطأ سهلاً
وميسوراً جداً. كما يذكر أنه ولا خطأ واحد من هذه الأخطاء يؤثر على أى تعليم من
التعاليم الأساسية فى العهد القديم.

والكتاب
المقدس نفسه يشهد عن غيرة اليهود في الاحتفاظ بالأسفار المقدسة التي عندهم. ومع أن
العهد القديم أشار إلى خطايا بلا حصر لهذا الشعب، لكنه لم يُشِر قط فى أى جزء من
الكتاب أن اليهود حاولوا تزييف كلمة الله التى بين أيديهم، بل بالعكس فعندما سأل
الرسول بولس ما هو فضل اليهودى أو ما هو نفع الختان؟ أجاب « كثير علي كل وجه.
أما أولاً (أي في المقام الأول) فلأنهم استؤمنوا علي أقوال الله*» (رو3: 1، 2).

وتتفق
أقوال ثقاة المؤرخين فى الإشادة بغيرة اليهود فى هذا الأمر فذكر يوسيفوس المؤرخ
اليهودي الشهير على ذلك بالقول “إنه لم يجرؤ أحد علي أن يزيد علي أسفار
(العهد القديم) أو ينقص منها حرفاً واحداً عبر الأجيال، ولم يطرأ عليها أي تبديل
مهما كان طفيفاً منذ أن وُجد إلي يومنا هذا”. كما قال العلامة باسكال أيضاً
“إنه لا يوجد إخلاص بين كل الأمم نظير الإخلاص الذي عند اليهود في المحافظة
علي الأسفار الإلهية. هذا الإخلاص نفسه ليس أصله من الطبيعة بل مصدر فائق
للطبيعة”. أما فيليو السكندرى فقد قال “إن اليهودى يفضل أن يموت عشرة
آلاف مرة عن أن يسمح لكلمة واحدة أن تتبدل فى التوراة”.

جماعة
الماسوريين: كان لهذه الجماعة الفضل الكبير فى نقاوة المخطوطات من الأخطاء.
فابتداء من القرن السادس الميلادي انتقلت مهمة نسخ أسفار التوراة من جماعة الكتبة
إلى جماعة عرفت باسم الماسوريين. وهؤلاء اهتموا لمدة حوالي خمسمائة سنة بنقل
المخطوطات بكل أمانة ودقة. ويقال إن اسم الماسورين مشتق من فعل عبري يعني
“يُسلِّم إلى”. فهم الذين سلموا النص من جيل إلى جيل. ويعرف هذا النص
العبري القديم باسم النص الماسوري. ولقد ثبت من اكتشاف قمران – الذى سنتحدث عنه فى
الفصل القادم – مقدار الدقة التى كانت لهذه الجماعة فى نقاء المخطوطات من أية
أخطاء.

 

تجميع الكتاب

ذكرنا
قبلاً إن الكتاب لم يهبط من السماء دفعة واحدة، بل نما شيئاً فشيئاً. ولم يكن جمع
الكتاب، بشكله الحالى، من عمل إنسان ما. وموسى بعد أن أكمل كتابة كلمات التوراة فى
كتاب إلى تمامها، أمر اللاويين حاملى تابوت عهد الرب قائلاً: « خذوا كتاب
التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم » (تث31: 24-26). لقد وُضِعت
التوراة فى أقدس مكان فى العالم فى ذلك الوقت. ثم لما أكمل أسفاره الخمسة، حرّض
موسى الشعب أن يحرصوا للعمل بجميع كلمات هذه التوراة (تث32: 46). ومن فاتحة سفر
يشوع نفهم أن ما كتبه موسى قبل ذلك بفترة وجيزة كان مقبولاً وقتها باعتباره كلام
الرب نفسه.

ثم
كان كلما أعطي الله وحياً جديداً يُضاف جنباً إلي جنب مع أسفار موسى، ويُعترَف به
من كل شعب الله. وهكذا فإن سفر صموئيل يشير إلى سفر القضاة (1صم 12: 9-11 مع قض4،
10،..)، وسفر المزامير يشير إلى سفر صموئيل (انظر مز78: 61-66 مع 1صم 4،5)، وهكذا.

فى
نبوة إشعياء نقرأ فى مطلع نبوته قول إشعياء للشعب « إلى الشريعة وإلى
الشهادة » (إش8: 20) معترفاً بالأسفار المقدسة التى كانت فى زمانه. كما نجد
أن ميخا الذي كتب نبوته بعد إشعياء بسنوات قليلة يقتبس منه (إش2: 2-4، مي4: 1-3)،
كما نجد أن إرميا يشيرإلى نبوة ميخا (إر26: 18 مع مي 3: 12)، ودانيآل يشير إلي
نبوة إرميا التي كتبت قبله بفترة وجيزة (دا9: 2، أر25: 8-12، 29: 10-14). وهكذا
فعل زكريا مع الأنبياء السابقين ونبواتهم (زك1: 1-6).

بهذا
الأسلوب أخذ كتاب الله ينمو شيئاً فشيئاً. وأخيراً كما أوحي الله لأوانى الوحى
بكتابة الأسفار فإنه أصدر الأمر لعزرا الكاتب، بعد الرجوع من السبي، بجمع هذه
الأسفار معاً في كتاب واحد، عرف بين اليهود الذين استأمنهم الله على أقواله (رو3:
1،2) باسم « الكتاب ».

نفس
الأمر حدث بالنسبة لأسفار العهد الجديد. فنحن نجد أن بولس في رسالته الأولي إلي
تيموثاوس، والتي كتبت نحو عام 66م، يقتبس من إنجيل لوقا (1تي5: 18، لو10: 7) مما
يبرهن علي أن هذا الإنجيل كان مقبولاً من جموع المسيحيين وقتها علي أنه جزء من
« الكتاب ». وبالمثل نجد بطرس في رسالته الثانية، والتي كتبت نحو عام
66م أيضاً، يشير إلي رسائل بولس، مما يبرهن علي أنها كانت في ذلك الوقت معتبرة من
الجميع أنها وحي الله وجزء من كلمته المقدسة (2بط3: 15، 16). لأن كلمة «الكتب»
المستخدمة في هذه الآية هي نفسها بحسب الأصل اليوناني التي ذكرها بولس في
2تيموثاوس3: 16.

ولقد
بذل المؤمنون في العصر الأول عناية خاصة للتمييزيين أسفار الوحي وغيرها من
الكتابات (انظر1يو4: 1، 2، 6، رؤ2: 2، 2تس3: 17)، ولم يقبلوا شيئاً إلا بعد التحري
الدقيق. ولقد ضمن الرب لأولئك المؤمنين لا وصول الوحى إليهم فقط، ولا حتى استنارة
المؤمن الفرد فحسب، بل أيضا تمييز جموع المؤمنين، واتفاقهم جميعاً معاً من جهة وحى
الأسفار. فالرب عندما يتكلم يتكلم بسلطان، والراعى عندما يتكلم فإن الخراف تميز
صوته عن صوت الغريب (يو10: 4،5). كما يقول الرسول يوحنا عن الأولاد إن لهم مسحة من
القدوس، ويعلمون كل شئ (1يو2: 20، 27).

ولقد
صار اعتماد هذه الأسفار بأنها وحي الله في نهاية العصر الرسولي. ويرى البعض أن
الله قد أطال عمر يوحنا الرسول (نحو المائة سنة) لهذا الغرض السامي؛ وهو أن يسجل
بنفسه اللمسات الأخيرة من الكتاب المقدس ويسلم من تسموا فيما بعد “آباء
الكنيسة” هذا الكتاب ليصل إلينا بقدرة الله الحافظة رغم كل المقاومات كما
سنري في الفصل التاسع.

 

تقرير قانونية الأسفار

القانونية
في عبارة “الأسفار القانونية” مستمدة من كلمة يونانية تعنى مسطرة قياس.
مما يدل على أنه كانت هناك شروط معينة سواء عند اليهود فى العهد القديم أو الكنيسة
فى العهد الجديد لقبول أى سفر إلى جملة الأسفار القانونية؛ فلقد أعطى الله لشعب
إسرائيل قديماً، وللكنيسة الأولى بعد ذلك القدرة على التمييز بين ما هو من الله،
وبين ما هو من اختراع وتأليف البشر. ليس أن مجمع اليهود قديماً أو الكنيسة في
العهد الجديد هى التى اختارت الأسفار، بل إنها فقط ميزتها وعرفتها، وإذ ذاك فإنها
قبلتها بكل توقير.

إذاً
فتقدير قانونية الأسفار جاء نتيجة وحيها وليس بقرار بشرى أو استحسان إنساني. إن
كتابات الرسل – كما رأينا – قُبِلت من الكنيسة فى البداية وقت أن كان الرسل لا
زالوا موجودين. ثم عندما جاء دور تقرير قانونية الأسفار، فإن الكنيسة لم تقرر ما
تقبله وما ترفضه، بل إنها انحنت فى تقدير واعتبار لما كان فعلاً بين أيديها.

فمثلاً
لا نقرأ إطلاقاً أن الكنيسة اجتمعت لكى تقرر كم إنجيل يلزمها أو يكفيها، بل إذ كان
بين أيدى القديسين أربعة أناجيل، بالإضافة إلى سفر الأعمال والرسائل وسفر الرؤيا،
مزودة بسلطان الرسل والأنبياء، وداخلياً بشهادة الروح القدس، فقد ضُمت هذه إلى
جملة الأسفار القانونية.

الكنيسة
إذاً ليست هي مخترعة القانونية بل مكتشفة لها، ليست مهيمنة عليها بل تابعة لها،
ليست قاضية عليها بل شاهدة لها، ليست سيدة عليها بل خادمة لها.

ومع
أن الإقرار الرسمي بما يسمى الأسفار القانونية للعهد الجديد قد تم في القرن الرابع
الميلادي، وسنوضح الغرض من هذا حالاً؛ إلا أن كتابات الآباء الأولين فى القرون
الثلاثة السابقة لتقرير تلك القانونية تؤكد لنا أن هذا ما كان بالفعل مقبولاً من
جموع المؤمنين من قبل ذلك. فمثلا نجد تورتليان (نحو عام 200م) الذى كان أول من
استخدم تعبير العهد الجديد لتمييزه عن أسفار العهد القديم، قد أعطى نفس تقدير
الوحى لكل من الكتاب المسيحى والكتاب اليهودى عندما قال: “ما أسعد الكنيسة،
فهى لديها مجموعة أسفار الناموس والأنبياء مع كتابات البشيرين والرسل”. ثم
قال: “ويل لمن يضيف أى جزء إلى المكتوب أو يحذف أى جزء منه”.

بل
وقبله أيضاً لدينا كلمات جوستين الملقب بالشهيد، والذي قُطِعت رأسه في روما عام
165 الذي قال: “كما صدّق إبراهيم صوت الله وحُسِب له ذلك براً، هكذا أيضاً
يؤمن المسيحيون بصوت الله الذي وُجِه إليهم مرة أخري بواسطة رسل المسيح ونودي به
بالأنبياء، الذين كتاباتهم تُقرأ كل أحد في الاجتماعات العامة”.

لكن
لماذا فكرت الكنيسة فى أن تتبنى هذه المسألة؟ وما الذى دفعها إلى عمل كهذا؟ الواقع
أنه كانت هناك جملة أسباب أضيفت إلى بعضها وأدت إلى هذا الأمر:

يذكر
جوش ماكدويل في كتابه برهان يتطلب قراراً

1-
أن ماركيون الهرطوقى (حوالى عام 140) كوّن أسفاراً قانونية من عنده وأخذ ينشرها،
فكان لزاماً على الكنيسة أن توقف تأثيره المدمر بتحديد الأسفار القانونية الحقيقية
لأسفار العهد الجديد.

2-
بعض الكنائس استخدمت كتباً إضافية فى العبادة، وهذا أيضاً استلزم تحديد الأسفار
القانونية.

3-
منشور دقلديانوس القاضى بتدمير الكتب المقدسة للمسيحيين (عام 303م)، فكان لزاماً
على المسيحيين أن يعرفوا أى الكتب هى التى يستحق أن يستشهدوا فى سبيلها باعتبارها
وحى الله لا مجرد كتب تفسيرية أو تاريخية.

وفى
أواخر القرن الرابع عقد مجمع هبو سنة 393 وأقر قانونية الأسفار المقدسة، ثم تلاه
مجمع آخر في قرطاجة (فى تونس) عام 397. ومن ذلك التاريخ ما عادت تناقش مسألة
قانونية أسفار العهد الجديد. وباستثناء ثيودور موبسيدستيا (الذى أدين فى المجمع
المسكونى الخامس فى القسطنطينية سنة 553) لا يوجد مرجع واحد ممن يسمون بآباء
الكنيسة طوال القرون الثمانية الأولى فى المسيحية إلا واعترف بقانونية الأسفار
المقدسة، إلا طبعاً أصحاب الهرطقات وأعداء المسيحية. وبالنسبة لرجال الإصلاح فإنهم
رغم اختلافهم فى العديد من المسائل الفرعية، إلا أنهم جميعا فى هذه النقطة كان لهم
الإيمان الواحد وكان شعارهم العظيم: “الكتاب وحده، والكتاب كله”.

أما
بالنسبة للعهد القديم فكان المجمع الأخير الذى انتهى بتقرير قانونية أسفاره هو
مؤتمر جامنيا الذى عُقِد فى بلدة جامنيا القريبة من يافا سنة 90 ميلادية وانتهى
المجمع بالاعتراف بكل الأسفار المعروفة اليوم بأنها أسفار الوحي.

أما
إذا سأل واحد اليوم: “كيف يمكنني أنا أن أعرف أسفار الوحي وأن أميز بين تلك
الأسفار والتي هى بخلاف ذلك؟” فهو تماماً مثل السؤال كيف أميز بين الأبيض
والأسود، أو بين الحلو والمر. فحقاً ما أبعد الفارق بين كلام الله وبين كلام
الناس! في هذا قال عالم الكيمياء الإنجليزي الفذ روبرت بويل: “مثل الكتاب
المقدس بين الكتب مثل الماس بين الحجارة، أثمنها وأشدها لمعاناً، وأكثرها فعلاً في
نشر النور، وأقواها وأصحها في التأثير”.

قال
الرب على فم إرميا النبي « ما للتبن مع الحنطة يقول
الرب؟ أليست كلمتي هكذا كنار؟ وكمطرقة تحطم الصخر؟ ».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار