علم المسيح

في ديارك، يا أورشليم



في ديارك، يا أورشليم

في ديارك، يا
أورشليم

.
غادر يسوع قانا، وانحدر ثانية إلى ضفاف البحيرة، إلى كفرناحوم (يوحنا 2: 12)،
ليقضي فيها ردحا من الزمن؛ وذلك إما عن دعوه من فيلبس، وإما رغبة في مشاهدة
أصدقائه سمعان بطرس، وأندراوس ويوحنا؛ وإما أنه آثر أيضا – وهو من أهل الجليل –
طريق الغور على طريق الغور على طريق السامرة الكافرة، للشخوص إلى أورشليم، حيث كان
يدعوه داعي الفصح

 

ذاك
الشخوص إلى المدينة المقدسة. والحدث المدوي الذي واكب مروره

 

.
فيها، هما جزء من تلك المظاهرات الأولى التي باتت محفوفة بغلالة من السر، والتي
تراءت من خلالها، بالتلويح إن لم يكن بالتصريح، رسالته الماسوية. ولقد ثبتت،
بفضلهما، بين المخلص ومدينة إسرائيل المقدسة، تلك العلاقة التي سوف تصبح، في
الجلجلة، رباطا راهنا، وبين هيكل اله وذاك الجسد الذي بات آهلا” بسر ألألوهة،
شبه رمزي سوف يسطع يوم انبعاث يسوع من القبر

 

. كان
يتقاطر إلى أورشليم، من الجماهير اليهودية، بقدر ما يتقاطر من المسيحيين، مثلا،
إلى المحاج العجائبية، في مواسمهم الكبرى، أو من أهل الهند، في وفودهم البشرية
الضخمة إلى بيناريس، أو من المسلمين إلى مكة. فمن الشمال ومن الجنوب، من الشرق ومن
الغرب، من أطراف البادية ومن حواضر مصر وبابل، ومن الجاليات المنتشرة في آسيا
الصغرى، كان المؤمنون يتوافدون إلى المدينة المقدسة، فيبيتون تحت الخيام، أسابيع
متتالية، ويحجبون بمخيماتهم المختلطة، الساحات والآكام والمناطق المحيطة بأسوار
أورشليم. وكانت تقوم، عند أبواب قيصرية، ويافا خصوصا، مراكز منظمة لتأمين النقل
البحري، واستقبال المراكب المحملة بالحجاج، فكانوا، إذا وطئت أقدامهم أرض الميعاد،
يقبلون ترابها. وإذا صح ما جاء في تاريخ يوسيفوس، من أن 25560.حمل قد ذ بحت في
الفصح الذي سبق خراب الهيكل، سنة 70، وحسبنا لكل عشرة حجاج ذبيحة، وجب الاعتقاد
بأن موجة عارمة من مليونين ونصف مليون من البشر، كانت تنهال على ضواحي المدينة في
مثل تلك المواسم الدينية الكبرى

 

.
وكان الهيكل، في تلك الحقبة، هو ذاك الذي أمر هيرودس بإعادة بنائه من قبل زهاء نصف
قرن، تباهيا بعظمته، وتوددا إلى الشعب اليهودي. ففوق الموضع الذي رفع فيه سليمان
هيكله، آية مقدسة، والذي بني فيه العائدون من الجلاء، بدل الهيكل المهدوم، معبدا
صغيرا متناسبا وأوضاع قوم مهزومين، أقدم الطاغية على تشييد ” هيكل ثالث
“، فكان من الأبهة والاتساع والعظمة، بحيث لم يكن البناء قد أنجز بعد ست
وأربعين سنة من تاريخ وضع الحجر الأول، ولن يفرغ منه إلا سنة 46، أي ستة أعوام قبل
تهدمه

 

. ذاك
الأدومي كان قد تمثل مشروعه في غاية العظمة. ولا شك أن حب الأبهة والمبنى الفخيم
بات من مناقبه المستحسنة؟ ولم يكن له منها الشيء الكثير. وقد جند عشرة آلاف عامل،
(ومنهم من يصل بهم إلى 18 ألف)، ودرب، على مهنة العمارة، ألف كاهن، للعمل في
الأجزاء الداخلية، وكانت محرمة على العوام؛ وحشد الحجارة والأخشاب، والأصناف
النادرة من الرخام، والمعادن الكريمة؛ سخر لذاك المشروع خير ما كان لديه من عزم
ولباقة قد أقرهما له التاريخ

 

.
وجاء الهيكل الجديد، في مبناه الداخلي (المصلى)، شبيها بهيكل سليمان. وأما المرافق
الخارجية، فقد وسعت كثيرا، وذلك بإقامة جدران تدعيمية ضخمة، عند قواعد الهضبة، أد
ت إلى مضاعفة الفسحة عند مستوى القمة. (وما يعرف اليوم ” بحائط المبكى
“، إنما هو ما بقي من حجارة تلك الدعائم الهيرودسية). وفوق تلك الفسحة
المصطنعة، قامت أربع مساحات يتفاوت ارتفاعها بقدر اقترابها من المصلى. فهناك
” ساحة الأمم “، وكانت مشروعة للجميع، وحتى الوثنيين؛ وقد عثر على كتابة
منقوشة، بثلاث لغات، تشير إلى الحدود التي كان اختراقها، للوثنيين، سبب موت. وهناك
” ساحة النساء ” وكانت حل على النساء الإسرائيليات. وأما ” ساحة
الإسرائيليين ” فكانت وقفا على الرجال من اليهود، تفضي إليها ساحة أخيرة،
ضيقة الفسحة، مخفورة خفرا شديدا، هي، ” ساحة الكهنة ”

 

.
وكانت ساحة الأمم، أكثر ما تغشاه الحشود الشعبية. فتلك الفسحة العظيمة، وراقاها
القائمان إلى جنبيها، باتت لسكان أورشليم، في جميع أحوالهم، مثابة يؤمونها
لأشغالهم ولقضاء أوقات فراغهم. وكان الرواق الشرقي، المدعو ” رواق سليمان
“، بمماشيه الثلاثة، وأعمدته الضخمة المائة والثمانية والستين، والرواق
الجنوبي، المدعو ” رواق الملك “، بسقوفه المرتفعة إلى علو ثمانية وعشرين
مترا، يستخدمان لما كانت تستخدم له، قي حواضر إيطاليا واليونان وآسيا الصغرى، جميع
الأروقة المضاهية، حيث كانت الجماهير تهوى التجمع

 

.
وأما في عيد الفصح، فكانت الحشود، في الساحة، تعدو حدود المألوف. فالخمر من أبيض
وأصفر ومخطط، و” العقالات ” السود أو المذهبة، والعمائم، والقبعات
الفريجية الحمراء، جميع تلك الألبسة الشائعة في الإمبراطورية، وفي الشرق الأدنى،
كانت تشاهد في ذاك الخليط البشري. وأما اليهود الأتقياء، فكانوا، ما بين الجماهير
المحتشدة، يشقون لهم سبيلا إلى ساحة المؤمنين، وقد اعتمروا بالخمار الأبيض المهدب
الذي كان، بخصله، يرمز إلى لفظ الجلالة

 

. ولم
تكن ساحة الهيكل فقط مجتمعا للناس، في الهواء الطلق. بل كانت، إلى ذلك، مصرفا،
وسوقا، وحظيرة للدواجن والأغنام. فكنت ترى الصيارفة، أمام موائدهم الصغيرة الحافلة
بالنقود، يأخذون من الحجاج، لقاء أرباح جيدة، ما كانوا قد أتوا به من عملة أجنبية
نجسة، يونانية كانت أم رومانية، ويؤد ونهم نقودا يهودية، تمكنهم من افتداء
أرواحهم، بدفع الضريبة المفروضة على كل فرد من أفراد اليهود (نصف مثقال)، وكنت تقع
على اللاويين، في ركن آخر، وقد فتحوا سوقا لبيع الملح والطحين والخمر والبخور
والزيت، وكانت من لوازم التقادم المقدسة. بيد أن العرقلة الكبرى، كان يسببها
اختلاط المواشي بجمهور الشعب. وكان على المؤمن، فور وصوله إلى الهيكل، أن يبتاع،
في إحدى الدوائر الكهنوتية، ” ختما.” يتفاوت سعره بتفاوت ثروته ودرجة
إيمانه.. فهناك ختم ” العجل “، وختم ” الخروف ” وختم ”
الجدي “، وختم ” الخاطى “؛ وكان يأخذ لقاء ذلك، في الساحة، عجلا أو
خروفا، أو عنزة أو ثورا.. وكان الكهنة يتعهدون، بأنفسهم، بيع تلك البهائم المقدسة،
ويحملون الناس على شرائها. ومن البديهي أن المساومة على أثمانها لم يكن لينقضي إلا
بكثير من المشادة والصياح، وأن النفوس التقية ما كانت لترتاح لمثل تلك التجارات
التقوية، إلا بكثير من العنت والجهد

 

!
ويصبح مفهوما أنه لم يكن في وسع نفس ملتهبة بالإيمان ألا تتأذى من مثل تلك
المشاهد. ولا شك أن ما يسود بعض المزارات المقدسة، في أيامنا، من خسة تجارية، يثير
فينا بعض ما ثار في نفس يسوع من حفيظة قدسية. أو لم يكن ملاخي النبي قد أنبأ بأن
رسول الرب سوف يطهر الهيكل وبنى لاوي (ملاخي 3: 1 -3)؟.. أو لم يكن قد ورد أيضا،
في نبوءة زكريا، أن لن يكون بعد تجار في الهيكل، عهد المسيح (14: 21)؟.. فلما ألفى
يسوع نفسه، وسط أولئك التجار، إلتهب من الغيظ، فاصطنع سوطا من حبال، وراح يهوي به
على سماسرة الساحة، ويقلب الموائد والمقاعد التي في الأروقة، وينثر الدراهم،
ويتصدى للصيارفة أنفسهم. لقد بات في إمكان نبي الناصرة أن يردد ما جاء على لسان
صاحب المزامير: “إن غيرة بيتك أكلتني ” (مز 69). كيف لا، وقد عاين
الفضيحة ” في ديار بيت الرب، وفي ديارك، يا أورشليم ” (مز 116: 19).
وهو، ابن الآب، لم يقو عليها صبرا

 

. إن
هذه الحادثة تكشف عن جانب خطير من جوانب نفس المسيح، وحيوية مزاجه. فهو إنسان،
هزته سورة إنسانية، فاغتاظ، وانتفض، وهوى بالضرب. وإنه ليقع في نفسنا ذاك اليهودي
ا العصبي المزاج الذي تجرأ ورفع احتجاجه عاليا، غير مكترث للجمهور.. بيد أن
الحادثة بات لها صدئ آخر: وذلك أن الحاضرين استفسروه عن عمله بقولهم: ” بأي
حق تتصرف هكذا؟ ” وهل بإمكانك أن ترينا آية، تؤيد بها امتيازاتك النبوية،
وتبرر فعلتك؟ فأجابهم يسوع: ” انقضوا هذا الهيكل، وأنا أقيمه في ثلاثة أيام!
” فسخروا قائلين: ” في ست وأربعين سنة، بني هذا الهيكل، وأنت في ثلاثة
أيام تقيمه؟.. “. ولا شك أنهم، في إثر ذلك، تحولوا عنه وقد بدا لهم واحدا من
المتهوسين. ولسوف يجرم بتلك العبارة أمام المحكمة، ويتضح إذ ذاك معناها: فالهيكل
الذي سيرفعه في ثلاثة أيام، لم يكن ذاك الصرح بساحاته الغاصة بالناس، وأعمدته
الباذخة، بل ذاك الهيكل الحي الذي سكن فيه الله متجسدا. وهكذا خطا المسيح خطوة
جديدة في دروب الكشف عن وعوده الماسوية؛ بيد أن تلاميذه -على حد ما جاء في الإنجيل
–لم يتذكروا أقوال المسيح هذه، إلا بعد قيامته، فوجدوا فيها لإيمانهم دعامة


في ديارك، يا أورشليم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار