علم المسيح

توبة أحد اللصين


توبة أحد اللصين
]]>
توبة أحد اللصين
 
«وَكَانَ
وَاحِدٌ مِنَ ٱلْمُذْنِبَيْنِ ٱلْمُعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ
قَائِلاً: «إِنْ كُنْتَ أَنْتَ ٱلْمَسِيحَ، فَخَلِّصْ نَفْسَكَ
وَإِيَّانَا!» فَٱنْتَهَرَهُ ٱلآخَرُ قَائِلاً: «أَوَلا أَنْتَ
تَخَافُ ٱللّٰهَ، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هٰذَا ٱلْحُكْمِ
بِعَيْنِهِ؟ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْلٍ، لأَنَّنَا نَنَالُ ٱسْتِحْقَاقَ مَا
فَعَلْنَا، وَأَمَّا هٰذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئاً لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ».
ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: «ٱذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي
مَلَكُوتِكَ». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ
ٱلْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي ٱلْفِرْدَوْسِ» (لوقا 23: 39-43).
 
قال
المسيح مرة: «وَأَنَا إِنِ ٱرْتَفَعْتُ عَنِ ٱلأَرْضِ أَجْذِبُ
إِلَيَّ ٱلْجَمِيعَ» (يوحنا 12: 32) الذين يجذبهم إليه بواسطة صليبه هم
كنجوم في فَلَك آلامه المظلم. وحالاً ظهر الكوكب الأول، أحد هذين اللصين، الذي
اصطلح المفسرون على اعتباره معلَّقاً عن يمين المسيح. لقد رأى تصرفات المسيح
وسكوتَه وصبره وصلاته لأجل صالبيه، ولا سيما احتماله بلطف تعييراته وتعييرات رفيقه
المصلوب معه، فآمن بهذا المصلوب، وتاب عن فعله، وبدأ يخدم هذا المخلص بما في
استطاعته، لأنه قاوم رفيقه ووبخه في وجه القوم المتجمعين مع رؤسائهم، ودافع وحده
عن المسيح بجرأة عجيبة. وبذلك قام مقام التلاميذ الذين هربوا. قال لزميله: إنْ كان
هذا الجمهور الذي ليس تحت حكم العذاب والموت، يعيِّر رفيقنا المصلوب، أيجوز لنا نحن
المصلوبَيْن أن نفعل فعلهم؟ أَوَلاَ تخاف اللّه، إذْ أنت تحت هذا الحُكم بعينه؟
أما نحن فبعدلٍ، لأننا ننال استحقاق ما فعلنا. وأما هذا فلم يفعل شيئاً ليس في
محلِّه».
 
ما
أغرب هذا الصوت في آذان السامعين، ولا سيما في آذان المستهزئين. لص يقول للص:
«أَوَلاَ أنت تخاف اللّه؟» ويعترف بأنه يستحق الصلْبَ لأجل آثامه. ويسمِّي المصلوب
بجانبه رباً سوف يجيء منتصراً كملك. فصارت دموع أسفه على ماضيه كالعدسيات في
المِرْقب، تمكّنه من رؤية ما كان بعيداً عن أبصار الآخرين. لقد رأى بالإيمان
ملكوتاً روحياً ملِكُهُ هذا المصلوب. جعله يدعوه: «اذكرني يا رب متى جئت في
ملكوتك». فكم من الألوف استفادوا وتشجعوا وخَلَصوا بواسطة هذا المِثال، وكم من
خاطئ قضى حياته بعيداً عن اللّه، ثم قدَّم أخيراً توبة حقيقية مقبولة عند اللّه،
بسبب قبول المسيح توبة هذا اللص.
 
في
الكتاب المقدس حادث واحد شهير يشجّع الذي لم يتُبْ في حياته السابقة على أن يقدِّم
التوبة عند مماته. لكنه حادث وحيد، لئلا يطمع كلُّ خاطئ بسببه ويؤجل توبته إلى
ساعة مماته. وسرعان ما قال المسيح للص: «الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في
الفردوس». وعد المسيح اللص بسعادة بعد موته حالاً، يكون هو رفيقه فيها، وفي هذا
الوعد أظهر مرة أخرى سلطانَه الإلهي. وتمَّت في هذه الساعة نبوةٌ أخرى للنبي
الإنجيلي إشعياء، قال فيها عن المسيح: «مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ،
وَعَبْدِي ٱلْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ
هُوَ يَحْمِلُهَا» (إشعياء 53: 11).
 
مثَّل
اللصان الجنس البشري بأسره. فكان عن يسار المخلص المصلوب ممثِّلُ القسم الهالك من
البشر، لأنهم يموتون في خطيتهم. وعن يمينه ممثّل القسم الذي يخلُص بخلاصٍ أبدي،
لأنه يتوب ويؤمن بالمخلص الوحيد. فبينما كان الكهنة يقدمون في تلك الساعة للّه في
هيكله الحُزْمة، التي هي باكورة حصاد الشعير، حسب شريعة موسى، قدم المسيح رئيس
كهنتنا للآب في السماء باكورة حصاد الذين دعاهم بموته إلى الإِيمان والخلاص. نعلم
من كلام المسيح عن الفرح الذي يكون في السماء بخاطئ واحد يتوب، أن فرحه بهذا
التائب أنساه عذاباته. وأنه حسبه مكافأة عن كل ما تكبَّده في إتيانه من السماء
بالنظر إلى قيمة النفس الواحدة. فكلمته هذه الثانية على الصليب هي كالأولى حباً،
لا لنفسه بل للآخرين، وليس للقريبين منه بل للبعيدين عنه في الروح والأفكار
والصفات.


توبة أحد اللصين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار