علم الكتاب المقدس

الفصل السابع



الفصل السابع

الفصل
السابع

الكتاب
المقدّس في إطاره التاريخي

أنزلت
التوراة، أي كلام العهد القديم، في إطار جغرافي وتاريخي هو عالم الشرق الذي يمتدّ
من مصر إلى بلاد الرافدين (أي العراق وبعض إيران)، ومن برّية سيناء إلى آسية
الصغرى (أي تركيا الحالية). أمّا مركز هذا الإطار فأرض كنعان التي سمّيت فلسطين في
القرن الثاني بعد الميلاد نسبة إلى الشعب الذي أقام على سواحلها في القرن الثاني
عشر ق. م.

لن
نتطرّق إلى جغرافية كنعان وهي جزء من أرضنا، لكنّنا سنتوقّف على التاريخ القديم
الذي عرفه شرقُنا، فنتحدّث أوّلاً عن أرض كنعان قبل أن يأتيها بنو إسرائيل غزاة
ومحتلّين، ونتحدّث ثانية عن تأسيس مملكة بني إسرائيل وانقسامها واندثارها، ونتحدّث
ثالثة عن تاريخ شعب الله في زمن الفرس واليونان والرومان.

 

أ-
أرض كنعان قبل برء بني إسرائيل اليها

تمتدّ
أرض كنعان من جبال لبنان الخضراء إلى المنطقة الجافّة القريبة من البحر الأحمر. في
هذه الأرض تكوّنت مملكة داود، فجمعت أبناء إبراهيم بمجموعة من الشعوب تركوا
بصماتهم في منطقة أقام فيها الإنسان منذ آلاف السنين.

 

1-
كنعان في بداية التاريخ

زار
الإنسان أرض كنعان في الزمن السابق للتاريخ، وترك آثاره فيها منذ العصر الحجري القديم
(أي حوالي سنة 45000 ق. م.). سنراه في العصر الحجري الأوسط (9000 ق. م.) مستطيل
الرأس يبحث عن قُوته في القطاف والصيد البحري والبري. وفي العصر الحجري الحديث
(7000 ق. م.)، بدأ ابن كنعان يزرع الأرض ويستفيد من خدمة الحيوانات الداجنة التي
تعيش بقربه. وحوالي سنة 4500 ق. م. سيبني الكنعانيون أولى مدنهم ببروجها وأسوارها:
أريحا، مجدّو، شكيم.

واكتشف
الإنسان المعادن، فصفع منها آلات أفاد منها المزارعون والخزّافون صانعو الفخّار في
بئر سبع إلى الجنوب وفي جوار البحر الميت. مثل هذه المدنيَّة البدائية انتشرت في
كل الشرق الأوسط، في وادي النيل وشاطئ البحر المتوسط وبرّ الأناضول خلال الألف
الرابع ق. م.

ولكن
بعد هذه الفترة، إنقطعت كنعان عن مصر وبلاد الرافدين، ومردّ ذلك أنّ سكّانًا جددًا
جاؤوا من الشمال وانتشروا فيها. كانوا ساميين، فرّوا عبر سورية قبل أن يقيموا في
ما نسمّيه اليوم لبنان وفلسطين، وغيّروا المعالم في الأمكنة التي أقاموا فيها.
أعطوا الجبال والأنهار أسماء جديدة، أسّسوا المدن العديدة وحصّنوها، مثل مجدّو
وبيسان وأريحا وتل الفارة (أي ترصة أوّل عاصمة لمملكة الشمال) وأراد (في مملكة
يهوذا، في الجنوب). وبنوا مدنهم بالحجارة وجعلوا في السور ثلاثة مداميك ليحموا
نفوسهم في بلاد لم تكن تنعم بالهدوء والأمان. ولكنّ هذه المدنيّة الجديدة انهارت
سنة 2200 ق. م. تاركة بلاد كنعان عرضة لغزوات البدو الآتين من الصحراء.

 

2-
بلاد الرافدين ومداها الثقافي

أقام
السومريون في منطقة سومر، جنوبي بلاد الرافدين، بعد أن جاؤوا من القوقاس في
أوروبا، وامتزجوا بالأكاديين، وهم شعب سام قطن شرقي بلاد الرافدين. وعاش الشعبان
في مدن مختلفة عرفت الصناعة والتجارة، ودوّنت بعضًا من تاريخها بالحروف المسمارية،
حمله السومريون معهم حوالي السنة 3100 ق. م.

أطلعتنا
الحفريات على بعض هذه المدن بمعابدها وقصورها ومدافنها. ففي أور (جنوبي العراق
الحالية) نرى مدافن أولى السلالات الملكية في البلاد، وفي أريدو ونيفور نكتشف
مركزين دينيين هامين انتعشت فيهما الثقافة، كما نكتشف مدينة أخرى، أوروك، جعلها
ملكها السومري لوجال زاجيزي تزاحم سائر المدن بعد أن أسّس فيها أولى إمبراطوريات
الشرق حوالي سنة 2390 ق. م. غير أنّ هذه الامبراطورية لم تعمّر طويلاً، فانتقلت
إلى يد ملك ساميّ تبنّاه لوجال، هو سرجون الاكادي (2371- 2316)، الذي شيّد مملكة
امتدت من البحر المتوسط إلى منطقة عيلام (شرقي بابل)، ثم اتسعت في عهد خلفائه
فوصلت إلى نهر الهندوس في الهند. ولكنّ هذه المملكة ستدمّر بفعل برابرة جاؤوا من
جبال إيران فقضوا على مدنيّة البرونز القديم (امتدت طول الألف الثالث تقريبًا) في
بلاد الرافدين والأناضول ووصلوا إلى فلسطين.

غير
أنّ شعبًا ساميًا آخر، هم الأموريون الآتون من الصحراء العربية، بدأوا يضغطون على
المملكة السومرية الناهضة في زمن سلالة أور الثالثة (2103- 2006) التي بنت بوجههم
جدارًا (على غرار جدار الصين) طوله 275 كلم. ولكنّ الأموريين فتحوا ثغرة في هذا
الجدار واجتاحوا المدن، وتسلّطوا على بلاد الرافدين، بل أسّسوا سلالة ملكية في
بابل اشتهرت بحمورابي (1792- 1750) الذي حفظ لنا التاريخ منه مجموعة قانونية
محفوظة في متحف اللوفر بفرنسا.

كانت
بلاد الرافدين قد عرفت نشاطًا أدبيًّا واسعًا في عهد السلالات الملكية في
“ايسين” و”لرسة”، فكشفت لنا النصوص القديمة الأناشيد والقوانين
واللوائح التي تُورد أسماء الملوك وما فعلوا. ولما دخلها الأموريون ضاعفوا هذا
النشاط فغمرت ثقافة بابل بلاد الشرق حتّى شاطئ البحر المتوسط. وعلى هذا دوّن
الكتّاب رسائل وعقودًا في الحروف المسمارية، وقرأ المتعلّمون ملحمة جلجامش. وبما
أنّ لغة بابل كانت لغة السياسة في ذلك الزمان، فقد تعلّمها الفراعنة واستعملوها في
مراسلاتهم في القرن الرابع عشر (زمن تل العمارنة).

في
ذلك الوقت حفظت لنا ماري، العاصمة الملكية على شاطئ الفرات، أسماء مدن مثل حاصور
في كنعان ويمهد (أي حلب) وقادش، وجبيل واوفة (أي دمشق)، وذكرت أسماء قبائل تنتقل
من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال، فتهدد المدن الآمنة: سوتو (اليها
يعود اسم شيت. رج تك 4: 25)، وبنيامين، وبنو سمعال.

ولكنّ
الأموريين سيمتدّون نحو البحر فيبنون مدنًا أمثال دمشق وأشقلون وأورشليم وغيرها.
وفي نهاية القرن الثامن عشر سيهدّدون الفراعنة (الذين لعنوهم في صلواتهم الطقسية)،
بل سيجتاحون مصر ويتسلّطون عليها من الدلتا إلى مصر الوسطى سحابة مئة سنة ونيّف.
هؤلاء الغرباء ستسمّيهم مصر”هقة هسوت”، الهكسوس، أي الملوك الرعاة.

 

3-
مصر وأرض كنعان

بعد
المدنيّة النيوليتية (أي العصر الحجري الحديث) والكلكوليتية (أي نهاية العصور
الحجريّة وبداية عصر البرونز، حوالي سنة 3000 ق. م.) قام نارمير (اسمه مينيس في
كتب اليونان) الذي كان ملكًا في جنوب مصر، فاحتل الدلتا ووحّد البلاد وأسس مصر
الفرعونية. معه بدأت المملكة القديمة (أي من السلالة الاولى إلى السلالة السادسة،
أي من سنة 3000 إلى سنة 2263 ق. م.) التي بنت أهرام مصر، واخترعت الكتابة
الهيروغليفية وتركت لنا آثارًا أدبية رفيعة.

وتطلّعت
مصر إلى خارج حدودها، منذ عهد نارمير الذي وصل إلى اشقلون، على شاطئ كنعان،
وخلفائه الذين تقدموا إلى لبنان (جبيل) فاقتطعوا أخشابه، وإلى سيناء فاستخرجوا
الفيروز من مناجمها، وإلى كنعان يقيمون معها علاقات سياسية وتجارية.

حوالي
السنة 2200 ق. م. إنهارت المملكة المصرية القديمة بفعل ثورة داخلية مزّق القائمون
بها وحدة البلاد، وسلبوا كنوز الأهرام. وتبع هذه الثورة هجوم الآسيويين عبر الدلتا
في عهد السلالة العاشرة. ولكن السلالتين الحادية عشرة والثانية عشرة (2160- 1785)
ستنطلقان من طيبة فتكوِّنان مملكة مصر الوسيطة، فتعرف البلاد فيها عهدًا من العصر
الذهبي.

شيّد
أمينمحات الأوّل قرب مضيق “السويس” “جدار الأمير” ليحمي نفسه
من هجمات الآسيويين، وهذا يعني أنّ مصر لم تتطلعّ صوب كنعان في أيّام المملكة
الوسيطة، اللهم تلك الحملة التي قام بها سيستريس على شكيم. غير أنّ هذا لا يعني
أنّ الاتصالات انقطعت بين مصر وكنعان. فهناك الهاربون من مصر إلى بلاد قدم (رج تك
29: 1) قرب دمشق، وهناك التجار الذين يصدّرون الماشية إلى بلاد النيل أمثال توت
حوتيف الذي صنع لنفسه تمثالاً في مجدّو، وهناك الساميون العاملون في مناجم شبه
جزيرة سيناء. أمّا جبيل فظّلت المرفأ الأوّل الذي يربط بلدان الشرق بمصر

وغزا
الهكسوس مصر، فأثارت هذه الغزوة في قلوب المصريين انتفاضة جعلتهم يقومون بقيادة
احموسيس، مؤسّس السلالة الثامنة عشرة (بداية القرن السادس عشر)، فيطردون الغزاة
ويحتلون قلعة شروحن في النقب (يش 19: 6)، ويمدّون سيطرتهم على أرض كنعان طيلة قرون
ثلاثة، على ما تقوله حوليّات فرعون في ذلك الزمان. هذا ما سيساعدنا على فهم تأثير
مصر ومدنيّتها على بني إسرائيل وعلى نُظُمهم السياسية والاجتماعية والدينية.

 

4-
شعوب كنعان قبل مجيء بني إسرائيل اليها

في
البداية، كانت كنعان تدلّ على المنطقة الساحلية التي اشتهر أهلها بالتجارة، وخاصة
بالأرجوان (فينكس في اليونانية ومنه اشتقت كلمة الفنيقيين. في المصرية فنهو) الذي
يستخرجونه من صدف خاص. ثمّ صارت كنعان تشمل أرض الجنوب ومدنه. وانقسم الكنعانيون
قسمين متمايزين: الحضر المقيمون في المدن وحولها، والبدو الرحّل العائشون في
البادية الذين منهم قبيلة سوتو في الجنوب وشوسو في أدوم. وجاء من الجزيرة العربية
بنو مديان وعشائر كوشو. في هذا الإطار نجد لوائح بأسماء السكان الذين تسلّلوا إلى
بلاد كنعان وأقاموا فيها في أواسط الألف الثاني ق. م.: الكنعانيون والحثيون
والأموريون والفرزيون والحويون واليبوسيون (خر 8: 3).

المدينة
في كنعان محصّنة ولها أبواب تُقفل بشكل كماشة، على رأسها ملك تحيط به حاشية مختارة
ومجلس شيوخ يمثلّون البيوت والعائلات. على باب المدينة يجتمع القوم، ويتّخذ القائد
القرارات، ويعلن القاضي الأحكام، وتتمّ الأعمال التجارية وتقام الاحتفالات.
وللمزارعين الأحرار الذين يدافعون عن المدينة دور يلعبونه في تنظيم المجتمع. أمّا
العبيد فلا دور لهم، إن هم إلاَّ سلعة تُشرى وتُباع. يتوسّط كل مدينة هيكل، له
رواق يقف فيه الشعب وقسم داخلي يلجه الكهنة والملك ليقدّموا الذبائح والصلوات لإله
المدينة الحاضر بشكل تمثال. قرب المعابد والقصور يعيش الكتّاب الذين ينقشون على
الآجر النصوص الادارية والدينية، بل أساطير الآلهة والقوانين التي تنظّم عبادة
المؤمنين.

وجاء
وقت تراجع فيه تأثير البابليين على بلاد الشرق فانتعشت الثقافات المحلية، واخترعت
هذه الممالك الصغيرة كتابة جديدة تتكيّف وحاجة التجار فكانت الأبجديات الأولى: في
سيناء (ربمَا حوالي 1700 ق. م.)، في جبيل (على الطريقة الهيروغليفية)، وفي أوغاريت
(على الطريقة المسمارية)، بل كانت الأبجدية الفينيقية التي ستعمّ العالم. أجل،
أخذت كنعان عن مصر نُظُمها السياسية، وعن بحر إيجيه فنه في صنع الخزف ونقشه،
ولكنّها أعطت العالم الأبجدية التي ستفتح الطريق واسعًا أمام المعرفة.

 

5-
الحثيّون والمصريون

حين
طرد المصريون الملوك الرعاة في عهد السلالة الثامنة عشرة، بدأت مملكة الحثيين
انتشارها انطلاقًا من آسية الصغرى (تركيا الحالية) فاحتل حتوسيل الأوّل حلب في
بداية القرن السادس عشر ومورسيل الأوّل بابل، عاصمة الأموريين، فنهبها. ولكن الجيش
المصري كان بالمرصاد فوصل جيش تحوتمس الأوّل حوالي سنة 1500 وهاجم الحثيين عند
الفرات، وسحق تحوتمس الثالث (1468- 1436) في مجدّو الملوك الكنعانيين المتحالفين
ونظّم المناطق التي احتلها في ثلاث مقاطعات: أمورو، أوفة، كنعان، وترك لكل مملكة
استقلالها الذاتي، وظل يراقبها بواسطة مدبّرين أقاموا في قواعد حربيّة مثل بيسان
ومجدّو وغزة. وخلفه أمينوفيس الثالث ثم امينوفيس الرابع الذي تخلّص من وصاية
الكهنة ونقل عاصمته من طيبة إلى تل العمارنة (حوالي السنة 1370) وحمل معه قسمًا من
الأرشيف الدبلوماسي. إكتشف الباحثون أرشيف المصريين في تل العمارنة سنة 1887،
وأرشيف الحثيين في بوغازكوي سنة 1907، وأرشيف الساميين في أوغاريت (رأس شمرا) سنة
1929، ووضعوا بين أيدينا لوحة كاملة عن تلك الحقبة من التاريخ.

وفي
سنة 1370 تقريبًا هاجم الملك الحثي سوفيلوليوما سورية، بعد فترة من الانكفاء، فجعل
رجاله على الفرات، في كركميش، ثمّ احتلّ حلب وأوغاريت وسيانو (رج تك 17: 10)
القريبة من طرابلس بلبنان، وقادش. فهبّت مصر من غفلتها مع حموريمحب، ثم بدأت سياسة
توسعية مع سيتي الأوّل مؤسس السلالة التاسعة عشرة. حاول رعمسيس الثاني (رج خر 1:
11، عاصمته في رعمسيس وفيتوم مدينة المؤن والعتاد) أن يخرج الحثيين من سورية،
ولكنّه هُزم في قادش (1286 ق. م.) وفُرضت عليه معاهدة (1269 ق. م.) جعلت حدًّا
لتقدمه منطقة جنوبي لبنان.

 

6-
الحوريون وبنو عابر

قبل
أن يصطدم الحثّيون بالمصريين، التقوا بجماعة آتية من أوروبا، أقامت عند انعطاف
مجرى الفرات “مملكة ميطاني” وتعبّدت للآلهة ميترة وفارونة وأندرة
المعروفة في إيران. فهذه الجماعة الآتية من جبال القوقاس اتصلت بجماعة أخرى آتية
من أرمينيا (أوراراطو. رج كلمة أراراط في تك 8: 4 وهي منطقة جبلية ينبع فيها
الفرات ودجلة) فتكوّنت جماعة الحوريين الذين أسسوا في نهاية الألف الثالث مملكة
صغيرة في أوكيش، على سفح جبل طورس، ثمّ امتدّوا إلى شرقي دجلة. وأقاموا في نوزو
(أي ارافا. رج ارفكشاد في تك 10: 22، 24)، شرقي أشور، وتركوا لنا هناك وثائق
تعرّفنا بنظمهم وعاداتهم.

بعد
ذلك انتشر الحوريون في أعالي بلاد الرافدين في ماري (القرن 18) ووصلوا إلى ألالخ
في سوريا (القرن 16) ومدّوا نفوذهم إلى الجنوب، فلاقاهم تحوتمس الثالث المتحالف مع
الملوك الكنعانيين في معركة مجدّو.

أقام
بعض الحوريين في اوغاريت، وعرفت أرض كنعان ثلاثة ملوك حوريين، بينهم ملك أورشليم،
في زمن العمارنة، والتقى منفتاح بن رعمسيس ببعض الحوريين في شمالي أشقلون عندما
كانت جيوشه تحارب هناك حوالي سنة 1240. سيتراجع الحوريون (ويبدو أن الفرزيين
والحويين كانوا منهم) فيقيمون في أرض أدوم حيث تجعل التوراة مقامهم (تك 36: 20 ي ؛
رج 2 صم 24: 16- 25 وارونا اليبوسي الحوري)، ولهذا السبب سمّى المصريون كنعان
“حورو”.

أمّا
بنو عابر (عبيرو في مصر) فقد ظهر اسمهم في كبادوكية (تركيا الحالية) حوالي السنة
2000 ق. م.، وعُرفوا كلصوص وقطّاع طرق، ولهذا سلّمهم بعض الملوك مواقع ستراتيجية
يحمونها من أعدائهم. أقاموا في عيلام وبلاد الرافدين (القرن 18) وتكاثروا في نوزو
حيث شكّلوا جماعة من العبيد يشبه وضعهم القانوني وضع العبيد عند العبرانيين (رج خر
21: 2- 11: إذا اقتنيت عبدًا عبرانيًا، فليدخل في خدمتك ست سنين..).

أقام
بنو عابر في أرض كنعان جماعات مشاغبة شكّلت خطرًا على أورشليم وتحالفت مع جبيل.
التقى بهم أمينوفيس الثاني، ملك مصر (في نهاية القرن 15)، وأسر منهم عددًا كبيرًا
وجعلهم عبيدًا يعملون في بناء الهياكل في منطقة الدلتا (رج خر 1: 1 ي) وفي استخراج
الحجارة من مصر العليا. هذا ما قالته نصوص تل البررة في بني عابر الذين هم
العبرانيون، ولم يعد يرد ذكر لهذه الجماعة بعد سنة 1100 ق. م. إلاَّ في بعض النصوص
المسمارية.

 

7-
الأشوربون والأراميون والفلسطيّون

ظهر
الأشوريون على مسرح الشرق حوالي السنة 2000، فاستوطن بعضهم منطقة كبادوكية وتسلّط
ملكهم شمشي هدد الأوّل على ماري والخابور سنة 1800 تقريبًا. ثمّ وضعوا يدهم على
أرض ميطاني وأخضعوا مدينة بابل لفترة قصيرة، قبل أن يعبروا الفرات بقيادة تجلت
فلاسر حوالي السنة 1100 وتصل جيوشهم إلى شواطئ البحر المتوسط.

أمّا
الأراميون، ومدينة أرام الواقعة شرقي دجلة معروفة منذ الألف الثالث ق. م.، فلم
ينظّموا صفوفهم قبل القرن الرابع عشر، ولم يصبحوا قوّة يُحسَب لها حسابٌ إلاَّ في
نهاية القرن الثاني عشر أسّسوا مملكة دمشق وغيرها من الممالك في القرن العاشر،
ولعبوا دورًا هامًا على مستوى المدنية، وستكون لغتهم الأرامية لغة الشرق طوال
الألف الأوّل ق. م.

يعتبر
المؤرّخون أنّ الفلسطيين قسم من شعوب البحر (جاؤوا من كريت أوكبادوكية). ظهروا
أوّل ما ظهروا على شواطئ مصر في القرن الثالث عشر كَسرَهم رعمسيس الثالث سنة 1175،
فأقاموا على ساحل أرض كنعان وأسسوا اتحادًا ضمّ خمس مدن هي غزة، أشقلون، جت،
أشدود، عقرون. شكّلوا خطرًا على بني إسرائيل، فأخذوا منهم بيت شان ثمّ انتصروا
عليهم في جبل الجلبوع فقتلوا لهم ملكهم شاول وعلّقوا رأسه على سور بيت شان (1 صم
31: 1 ي). سيحاربهم داود (2 صم 17: 5- 25) فينتصر عليهم (2 صم 8: 1) ويسالمهم، بل
يجعل حرسه الخاص منهم (2 صم 18: 8؛ 18: 15: الفلاتيون والكريتيون).

أين
موقع العبرانيين، أين موقع بني إسرائيل من هذا التاريخ؟ لقد بدأ المؤرّخون يميّزون
بين العبرانيين، هؤلاء العبيد بالسخرة في أرض مصر، وبين بني إسرائيل الذين يعتبرون
نفوسهم من الأراميين. هل جاء إبراهيم وإسحق من بلاد الرافدين ويعقوب من الصحراء
الواقعة شرقي الأردن؟ هل تميّز يعقوب عن إسرائيل فكوّنا جماعتين اتحدتا فيما بعد
مع أنّ القبائل المتحدّرة من ليئة (أمة يعقوب) أقدم عهدًا من القبائل المتحدّرة من
راحيل (زوجة يعقوب المحبوبة. رج تك 30: 1 ي)؟ ثمّ إنّ التقليد المرتبط بيوسف ابن
يعقوب يقودنا إلى مصر، لا إلى بلاد الرافدين. ولكن مهما يكن من أمر، فنحن في زمن
القضاة أمام حلفٍ من القبائل سيكون لها ملك في شخص شاول (1110 ق. م.)، وهي تعتبر
موسى قائدها الأوّل الذي جاء بها من مصر لتسكن أرض كنعان.

 

ب-
مملكة بني إسرائيل

1-
الحالة السياسية في زمن موسى

نقرأ
على مسلّة نُقشت في عهد منفتاح حوالي سنة 1230 ما يلي: خرّ الأمراء أمامي ساجدين
وطلبوا السلام، وما عاد بلد من البلدان التابعة لمصر يرفع رأسه. اجتحت أرض ليبيا
وعمّ السلام في حطي. سلبت (خير) كنعان وسبيت (سكّان) اشقلون وأسرت (أهل) جازر.
زالت (مدينة) يانؤام ودمِّر (شعب) إسرائيل فلم يبق من نسله أحد، وصارت (بلاد) حارو
كأرملة (قتل رجالها) أمام مصر. عمّ السلام جميع هذه البلدان، ومن ثار (على مصر)،
اقتاده اسيرًا ملك مصر العليا والسفلى، حبيب الإله امون، وابن الإله رع، منفتا.

ولكنّ
مصر ستنكفئ بعد ذلك على ذاتها ضعفًا (بعد أن تسلّل اليها الليبيون)، تاركة حامية
صغيرة في بيت شمش ولاكيش ومجدّو. أمّا بلاد الرافدين فبقيت بعيدة عن البحر، وزالت
قوة آسية الصغرى، فلم يعد يُحسب لها حساب. هذا الفراغ في القرن الثاني عشر ق. م.
سيفيد منه الفلسطيون أوّلاً فيحتلّون ساحل أرض كنعان من مصر إلى الكرمل، ومهل
يزرعيل من البحر إلى بيت شان، ويقيمون لهم برج مراقبة في الجبل، في جبعة بنيامين
الواقعة شمالي أورشليم (1 صم 13: 15). وانتظم بنو موآب وادوم في مملكتين شرقي
البحر الميت (تك 36: 31). ثمّ ضرب الأدوميون القينيين وأخرجوهم من وكرهم بين
الصخور (عد 24: 20)، وتوسّع بنو عماليق إلى الشمال حتّى وصلوا إلى أرض بني افرائيم
(قض 5: 14؛ 33: 6). أمّا الجبال فبقيت بيد الكنعانيين الذين انقسموا ممالكَ استقلت
الواحدة عن الأخرى، فضعفت البلاد وعمّت الفوضى وزالت مدن عديدة. أمّا الأموريون
فانتقلوا من الشمال إلى الجنوب: أقام سيحون في حشبون وضرب الموآبيين ضربات قاسية
(عد 28: 21)، وتأسست مملكتا جاشور ومعكة عند حرمون. في ذلك الوقت كان العبرانيون
في مصر وسينظّم موسى صفوفهم ليدخلوا أرض الميعاد بقيادة خلفه يشوع بن نون.

 

2-
شخصيّة موسى

كما
عاش الآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب خارج التاريخ السياسي الكبير، وهم الذين أقاموا
في البراري البعيدة عن المدن، كذلك أقام موسى في برية سيناء مدّة من الزمن. اسمه
اسم مصري (مثل فنحاس ومراري)، وأصله من بني لاوي (خر 2: 1)، وبه ترتبط العائلة
الموكلة على معبد لاييش (في دان) عبر جرشوم (قض 18: 30). كان ذكره حيًا في شمالي
كنعان واعتبره هوشع (12: 14) النبيَّ الذي أخرج بني إسرائيل من مصر سمّته النصوص
الالوهيمية نبيّ الأنبياء (عد 12: 6- 8)، وركّزت عليه تاريخ الخلاص مُنطقة من
التقاليد التي وصلت إليها. أمّا المرجع اليهوهي الذي يتوسّع في الحديث عن اختيار
الله لعائلة إبراهيم التي منها سيكون ملك (عد 7: 24، 17) يخرج من يهوذا (تك 49:
10)، فهو يتوقّف عند شخصية موسى وما يمثّل من تقاليد جمعت حولها أسباط إسرائيل
الاثني عشر في وحدة دينية واجتماعية.

كان
موسى من سبط لاوي وارتبط أيضاً بسبط رأوبين، فاصطدم به عبر داتان وأبيرام (عد 16:
1 ي). وحين مات دُفن في نبو (تث 34: 1) وهي مدينة لبني رأوبين تقع شمالي موآب.
تزوج موسى بامرأة مديانية اسمها صفورة الملقّبة بالكوشية (عد 12: 1)، والقرابة
معروفة بين مديان وكوش (حب 7: 3، راجع النصوص المصرية التي تلعن هذين الشعبين).
ثمّ إنّ المديانيين ارتبطوا برباط وثيق مع الموآبيين (عد 22: 4، 7)، وداود هو ابن
راعوت الموآبية (را 4: 21)، وقد سلّم عائلته إلى ملك موآب حين دبّ الخلاف بينه
وبين شاول (1 صم 3: 22- 4)، وهناك علاقات خاصة بين رأوبين ودان عبر بلهة (تك 22:
35).

وارتبط
موسى بقبيلة افرائيم (هو 12: 14) وقد عاونه يشوع بن نون الافرائيمي. واتصل
ببنيامين المولود في الرامة قرب بيت إيل في أرض افرائيم (تك 35: 18 ي؛ 1 صم 10: 2؛
ار 31: 15). ومن الجلجال (على ضفة الأردن قرب غابة افرائيم. رج 2 صم 6: 18)، حيث
المعبد البنياميني الشهير، سينطلق يشوع في حملاته العسكرية.

ارتبط
إفرائيم بن يوسف بمنسّى (عبر بني ماكير) وكلاهما تبنّاه يعقوب (تك 50: 23) فأقاما
في محنائيم في جلعاد، وتردّد بنو كعون إلى معبد بعل فغور (عد 25: 14)، وقد حفظ لنا
التقليد خبرًا عن هذا المعبد وما فعله موسى بالذين فجروا هناك (عد 25: 1 ي).

أمّا
علاقة سبط يهوذا بموسى فسيكتشفها المرجع اليهوهي عبر الجماعات العائشة في الجنوب
والتي اتصل بها داود في صقلاج وحبرون. فهناك ذكريات عن قادش حيث دُفنت مريم (عد
20: 1) أخت موسى. ويتحدّث بنو كالب الذين أتوا من قادش إلى حبرون، عن إقامة موسى
في وسطهم. وإنّ اللاويين المقيمين على حدود أدوم يتذكرون هارون الذي كان قرب موسى
في حروبه، والذي طبع عبادة بني إسرائيل بشعائر مأخوذة من مصر أو كنعان (خر 32: 1
ي) والذي دُفن في جبل هور، في منطقة العربة (قرب البحر الميت). ويروي القينيون
المقيمون قرب عرار (قض 1: 16) أنّهم رافقوا موسى في البرّية.

تتنوعّ
التقاليد حول شخصية موسى، كل قبيلة، بل كل عشيرة تحاول التقرّب منه. وتتنوعّ أيضاً
حول اسم حميّه. فهو في تقليد مديان “يثرون” (خر 3: 1)، وفي تقليد أدوم
“رعوئيل ” (خر 2: 18؛ رج تك 13: 36، 17)، وفي تقليد القينيين
“حوباب” (قض 1: 16؛ 4: 11). وتتنوعّ أيضاً حول اسم الجبل الذي تجلّى
الله له عليه. فهو سيناء (خر 19: 11؛ 2: 34)، وحوريب (خر 3: 1 ؛ 6: 17 ؛ 6: 33؛ تث
2: 5)، وجبل الله (خر 3: 1 ؛ 27: 4 ؛ 18: 5) وجبل يهوه، الرب (عد 10: 33). هذه
الأسماء لا تدلّ على جبل واحد، حتّى وإن أعطاها التقليد اليهودي اللاحق وظيفة
دينية واحدة.

ذكرنا
كل هذه التقاليد التي تربط موسى بأسباط إسرائيل الاثني عشر، ولكنّ الأمور
التاريخية الأكيدة التي تناقلها بنو افرائيم، فهي أنّهم وُلدوا في مصر (تك 41: 52)
وصعدوا من هناك بقيادة نبي (هو 12: 14)، فوصلوا إلى حوريب ثمّ انتقلوا إلى موآب
حيث تسلّموا هم وسائر القبائل شريعة من الرب بواسطة عبده موسى. ومهما يكن من أمر،
فالوثائق التاريخية التي تناقلتها النصوص القديمة لا تذكر اسم موسى ولا تعرف هارون
ومريم وفنحاس ويشوع بن نون. ولكنّ يبقى أن كل قبيلة من القبائل التي أقامت في
كنعان، اعتبرت تقليد سائر القبائل وكأنّه تقليدها الخاص وربطته بشخص موسى وبالخروج
من مصر والإقامة في البرّية، ليكون له وظيفة تأسيسية في شعب الله.

 

3-
إقامة قبائل بني إسرائيل في كنعان

تتوسّع
التوراة في الحديث عن حروب بني افرائيم بقيادة يشوع، في أريحا والعي وبيت إيل
وأيالون، وتورد نصوص الاتفاق مع بني جبعون وأهل شكيم. كانت شكيم مدينة لمنسّى، فعقد
يشوع معاهدة مع أهلها الذين يعبدون بعل (قض 9: 4) وإيل (قض 33: 8 ؛ 46: 9) ولا
يعرفون اسم يهوه (رج يش 24: 14). في عهد القضاة، السابق لعهد الملوك، كانت قبيلة
افرائيم أقوى القبائل ففرضت سيطرتها على منسّى (قض 8: 1 ي) وعلى منطقة جلعاد (قض
12: 1 ي). إلى الجنوب من إفرِائيم أقام بنو بنيامين (أو أبناء الجنوب، لأنهم على
يمين الناظر إلى الشرق)، وعرفوا أحداثًا مأساوية (تك 35: 16- 25 ؛ قض 20- 21 ؛ 1
أخ 23: 7). اتصلوا بماكير (بني منسى العائشين شرقي الأردن) عبر عشائر حفيّم وشفيّم
(1 أخ 15: 7) وبأهل يابيش جلعاد (قض 21: 1 ي؛ 1 صم 11: 1 ي).

أقام
بنو منسى أوّل ما أقاموا قرب شكيم، ثمّ احتلوا شرقي الأردن (قض 5: 14) وعاهدوا بني
إفرائيم وبني بنيامين لمحاربة بني عماليق. أمّا ماكير، بكر منسّى، فأقام في
محنائيم، شمالي جلعاد (في شرقي الأردن. رج عد 39: 32- 42؛ تث 15: 3 ؛ يش 13: 30)0
انتشر بنو أبيعازر بن منسى، غربيّ الأردن (يش 17: 2 ي؛ قض 1: 27- 28). وفي العهد
الملكي اندمجت المدن الكنعانية أي “بنات صلفحاد” وهنّ محلة ونوعة وحجلة
وملكة وترصة (عد 26: 33)، مع قبيلة منسّى. ولما تقدّم الأراميون وطردوا سيحون إلى
حشبون وماكير إلى باشان (مملكة عوج)، لم يبقَ لقبيلة منسى في شرقي الأردن إلاَّ
محنائيم في شمالي جلعاد (1 أخ 23: 2). كانت مساكن جاد في سكوت وفنوئيل في جلعاد،
وقويت شوكتهم (تث 33: 20- 21) فخاف منهم الموآبيون في عهد الملك ميشع الموآبي
(القرن 9)، وانضم إليهم بنو رأوبين الذين ضعفوا أمام هجمات الموآبيين وخسروا مدينة
أيالون وأريحا.

ارتبط
بنو اشير ببني جاد، والجدان ابنا زلفة، امرأة يعقوب، وتاريخ القبيلتين تاريخ
مشترك. ثمّ إنّ اللوائح المصرية (في القرنين 14 و13) تُورد اسم أشير (تك 25: 3)
الذي أقام بين مصر وديدان (يش 13: 2 ؛ 1 صم 8: 27). وحين أقام الفلسطون في كنعان
(عد 3: 24) طردوا بني دان وأشير إلى الشمال (1 أخ 7: 30-40. بقيت لهم بعض الجيوب
في كنعان الوسطى)، واستقرّوا مكانهم حتّى جبل الكرمل (تك 49: 20؛ قض 17: 5 ؛ تث
24: 33-25).

اتصل
بنو دان ببني رأوبين وسكنوا التلال القريبة من يهوذا أي أرض كعون. ولكنّ الفلسطيين
طردوهم إلى الشمال إلى أرض تسيطر عليها صيدون (قض 18- 19)، فامتزجوا ببني نفتالي
في الجليل الأعلى، وتحالفوا مع يساكر وزبولون فأزالوا سلطان ملك حاصور (يابين أو
ابني إيل حسب كتابات ماري) عن الجليل. غير أنّ قبيلتَيْ يساكر وزبولون ما زالتا
تقومان بأعمال السخرة لحساب الكنعانيين والفلسطيين في سهل يزرعيل.

في
الجنوب أقام بنو رأوبين وكعون ولاوي ويهوذا، واتصلوا ببني يساكر وزبولون. أمّا
شمعون فتذكر اسمه رسائل تل العمارنة (شمعونا) ونصوص اللعنات المصرية (شمعون).
ستتشتّت هذه القبيلة وتتفرّق (تك 34: 1 ي؛ 7: 49) وتنتقل مدنها إلى قبيلة يهوذا:
صقلاج، شاروحين، حرمة، بئر سبع (يش 19: 1- 9). وتفرّق بنو لاوي في افرائيم (قض 17-
20) وجنوبي شرقي يهوذا وحتى في مصر رافقوا موسى في برية سيناء فاستعان بهم لقمع
الذين تمردّوا على أوامره فانحازوا إلى العبادات الوثنية (خر 32: 25- 29؛ تث 33:
9).

أمّا
قبيلة يهوذا فتألّفت من خمس عشائر (تك 38: 1 ي)، بعضها من أصل كنعاني وهي شيلة (1
أخ 4: 21- 23 في زمن داود) وزارح (انضم إليها أدوميون وقينيون وقنزيون وكالبيون)
وفارص (اتصلت بالفرزيين المقيمين بجوار أورشليم. هناك أماكن عبادة: فارص عزة، بعل
فارص). وسكن في أرض يهوذا، في بيت لحم، عشيرة افراتية من أصل افرائيمي (قض 5: 12؛
1 مل 26: 11) سيخرج منها داود بن يسّى (2 صم 5: 1) الذي تعتبره قبائل الشمال
واحدًا منهم. بعد هذا التعداد نتساءل: هل كان هناك رباط يجمع القبائل بعضها ببعض؟
قال الشرّاح بتنظيم ديني يجعل كل قبيلة مسؤولة عن خدمة المعبد شهرًا في السنة،
ولهذا كانت الأسباط اثني عشر سبطًا.

إنّ
قبائل إسماعيل عرفت 12 أميرًا (تك 13: 25- 15) وكذا قبائل أرام (تك 22: 20- 24)،
وبلاد الرافدين، بل بلاد اليونان وجنوبي إيطاليا. بُني معبد الجلجال باثني عشر
حجرًا على عدد أسباط إسرائيل (يش 4: 2- 9) الذين كانوا يجتمعون فيه في أعيادهم
الكبرى (1 صم 13: 4 ؛ 2 صم 19: 41). وسيحافظ سليمان على تقسيم بني إسرائيل إلى
اثنتي عشرة قبيلة (1 مل 4: 7 17- 19) في بداية ملكه قبل أن يأخذ بطريقة المصريين
في تنظيم مملكته تنظيمًا إداريًا.

 

4-
مملكة بني إسرائيل

منذ
القديم، أحسّ بنو إسرائيل بالحاجة إلى دولة منظّمة على غرار الممالك المحيطة بهم
(1 صم 8: 19- 20)، فقاموا بمحاولات أولى في شمالي البلاد: جدعون (من قبيلة منسى)
بعد انتصاره على المديانيين (نهاية القرن 12)، أبيملك بن جدعون (قض 9: 1)، وأخيرًا
شاول البنياميني (1 صم 15: 11).

لم
يمتدّ سلطان شاول إلى كلّ القبائل، بل إلى ست فقط في وسط البلاد، فظلت خارج سلطانه
قبائل الجليل والجنوب. أمام في جبعة ونظم نواة إدارة مركزية، ولكنّ عداءه لبعض
الفئات الدينية (1 صم 14: 1 ي ؛ 21: 1 ي) لم يساعده على النجاح في حكمه للبلاد.
غير أنّه وفّق في أعماله الحربية فأوقف مدّ بني عمون والزحف الأرامي الذي قام به
ملك صوبة (1 صم 47: 14)، وخلّص بيت بنيامين من قبضة الفلسطيين وحرّر جبعة ومكماش،
بل وصلت جيوشه إلى سوكو وعزيقة (1 صم 17: 1). إلاَّ أنّ الفلسطيين حشدوا قواهم في أفيق
والتفوا حول جيش شاول من الشمال وقتلوه هو وثلاثة من أبنائه في جبال الجلبوع غربي
بيت شان.

وخلف
شاول ابنه اشبعل (ايشبوشت) وملك سنتين في محنائيم (2 صم 2: 9) ثم أعاده الوصيّ
عليه ابنير، قائد الجيش، إلى جبعة. وحين رأى قوّاد بني إسرائيل أنّ الملك غير أهل
ليقود شعب الله، وجّهوا أنظارهم إلى شاب افراتي من بيت لحم هو داود بن يسَّى، وكان
شخصًا محبوبًا في بلاط شاول هتفت له النساء: قتل شاول الألوف أمّا داود فعشرات
الألوف (1 صم 7: 18).

بدأ
داود حياته قائدًا في جيش شاول، ثم تحوّل إلى رئيس عصابة هربًا من الملك، وجمع
حوله بعض الفارّين من حكم شاول وتسلّطه وجوره. إلتجأ إلى أكيش ملك جت الذي سلمه
صقلاج، قرب بئر سبع، وطلب منه أن يقف بوجه بني عماليق ويمنع قبائل الصحراء من غزو
المدن. فقام داود بالمهمة خير قيام. ولمّا قويت شوكته واجتمعت حوله مدن يهوذا
وقبائلها، نادى بنفسه ملكًا في حبرون على أثر موت شاول (2 صم 2: 1- 4). وبعد أن
قتل القائد أبنير اشبعل بن شاول، جاء إلى داود شيوخ قبائل الشمال (2 صم 5: 1 – 5)
ونادوا به ملكًا فسار على رأسهم يحارب حروبهم (2 صم 17: 5- 24؛ 15: 21- 22؛ 23: 8-
39). إنتصر على الفلسطيين وأجبرهم على أداء الجزية له. ثم احتل أورشليم التي كانت
تحت سلطة اليبوسيين وجعلها عاصمته السياسية والدينية لأنّها تقع بين قبائل الشمال
وقبائل الجنوب (2 صم 6: 5- 15).

وأفاد
داود من كسوف سلطة المصريين والاشوريين والحثيين، فاحتلّ جزءًا من أرام، وضمّ أرض
أدوم وعمون إلى أرضه وفرض الجزية على موآب. ثم استفاد من خلاف بين بعض المدن
الأرامية وهدد عزر ملك صوبة، فبسط حمايته على مملكة حماة (2 صم 8: 1- 14؛ 10: 1 ي
؛ 12: 16- 31)، ومد نفوذه إلى الفرات. وأخيرًا أقام علاقات ودية مع أحيرام، ملك
صور سيدة البحار في ذلك الزمان (2 صم 5: 11- 12). وهكذا قوّى داود مملكته ووسّع
حدودها ونظّم إدارتها، ولكنّه لم يستطع أن يوحّد بين قبائل الشمال المجتمعة حول
بيت يوسف وقبائل يهوذا المقيمة في الجنوب، بل لم يستطع أن يجمع أبناءه فتخاصموا
على الحكم في حياته. ولكن تغلَّب الحزب المؤلّف من ناتان النبي وصادوق الكاهن
وبتشابع المرأة المحبوبة، على الحزب المساند لادونيا، ونصّبوا سليمان ملكًا بدل
أخيه البكر.

وأفاد
سليمان ممّا حققه أبوه من انتصارات وانتهجه من سياسة حكيمة جعلت حدود المملكة
آمنة، فكوّن إدارة مركزيّة موحّدة، إستوحى أساليبها من الممالك الكبرى، بعد أن
حطّم الإطار القبلي الضيّق (1 مل 4: 1 ي). ثمّ اهتمّ بأعمال البناء فشيّد قصرًا
عظيمًا له وهيكلاً فخمًا لربّه (1 مل 12: 5 ي ؛ 15: 9- 24)، وتاجر بالخيول جلبها
من كيليكية ومصر (1 مل 10: 26- 29)، وشارك الملك احيرام في تكوين اسطول تجاري
انطلقت سفنه من شواطئ البحر الأحمر فوصلت إلى اوفير (1 مل 9: 26- 28: جنوبي
الجزيرة العربية)، أو من شواطئ البحر المتوسط فوصلت إلى جزر إسبانيا (ترشيش في
النصوص الشرقية وترثيسوس في النصوص اليونانية).

ولكنّ
السوس بدأ ينخر في المملكة الفتيّة: لم يعد لسليمان جيش قوي كما في عهد داود، ولم
تبقَ له سياسة حكيمة تربط قبائل الشمال بشخص الملك (1 مل 26: 11- 40؛ 1 مل 23: 11-
25). ولولا انحطاط مملكة أشور وضعف فراعنة مصر وانشغال الحثيين في أعمال البناء،
لتصدّعت مملكة سليمان. ولكن ما لم يحدث في حياته حدث سريعًا بعد مماته.

 

5-
من عهد سليمان إلى دمار السامرة..

مات
سليمان، فحاول ابنه رحبعام أن يتفاوض معِ قبائل الشمال في شكيم ففشل في المفاوضات.
فانفصلت قبائل الشمال وأقامت عليها ملكَا يربعام (من بني افرائيم) ببركة مصر
الخفيّة. مات يربعام، فخلفه ابنه ناداب لسنتين قبل أن يقتله بعشا من قبيلة يساكر
وانقسم الناس بعضهم لزمري الذي قتل بعشا وبعضهم لعمري (885 ق. م.). انتقل المُلك
من قبيلة إلى قبيلة، والعاصمة من مكان إلى مكان، من شكيم إلى فنوئيل إلى ترصة قبل
أن تستقر في السامرة. هذا في الشمال، أمّا في الجنوب فالعاصمة هي أورشليم، والملوك
من سلالة داود. أمّا في السياسة فارتبط بنو اسرائيل بمصر وتحالفوا مع الأراميين أو
الفنيقيين.

وتأثّر
شعب إسرائيل بفينيقية. بدأت علاقات طيّبة مع داود وسلمان، وتوثّقت في أيّام ملوك
السامرة، بين عمري من جهة وايتوبعل، ملك صور (890- 860) من جهة ثانية. تزوّج أحاب
بن عمري ايزابيل ابنة ايتوبعل، ثمّ تزوّجت عثليا ابنة ايزابيل يورام ابن يوشافاط،
ملك يهوذا، وهكذا تكوّن حلمت بين فينيقية ومملكة السامرة ويهوذا.

نشير
هنا إلى أنّ فينيقية خضعت خلال فترات متقطعة لحكم أشور في القرنين العاشر والتاسع.
ولمّا ضعفت أشور في القرن الثامن ازدهرت فينيقية وعرفت صور في عهد الملك بجماليون
(821- 874) عهدًا من الازدهار أوصلها إلى جزر إسبانيا ودفعها إلى بناء قرطاجة،
القرية (أو المدينة) الحديثة (قرت حدث). وحاول يوشافاط أن يحذو حذو الفينيقيين،
ولكنّه فشل وغرقت سفنه (1 مل 49: 22-50). ثمّ تحالف يورام ويوشافاط على ميشع، ملك
موآب الذي كسر نير السامرة فلم يقدرا عليه (1 مل 3: 1 ي).

وتأثّر
شعب إسرائيل بأرام. بدأ بعشة، ملك إسرائيل، يحصّن الرامة ليمنع تحركات آسا، ملك
يهوذا. إلاَّ أنّ آسا استعان ببنهدد، ملك دمشق، فهجم على الجليل وأجبر بعشة على
التراجع عن الرامة والتخلّي عن مشاريعه الحربية ضدّ يهوذا. ثمّ إنّ أحاب قُتل في
راموت جلعاد في معركة مع هدد عزر، ملك دمشق. وبعد اثنتي عشرة سنة جُرح يورام في
المدينة نفسها على يد حزائيل. وهكذا شكّلت أرام خطرًا على كنعان. وهذا ما دفع
ياهو، ملك السامرة (841- 814)، أن يقدّم لملك أشور خضوعه والهدايا ليأمن شر دمشق.

وتأثّر
شعب إسرائيل بمصر، فتطلعّ إلى هذا الجار القوي واتبع سياسته وأخذ بتقاليده في
الحكم والإدارة. وبعد موت سليمان خضعت مملكة يهوذا لمصر، في عهد شيشاق الأوّل (من
السلالة 22) الذي سيجتاز البلاد من الجنوب إلى الشمال، فلا يمس أورشليم، بل يكتفي
بجزية باهظة دفعها له رحبعام.

وتأثّر
شعب إسرائيل بأشور الذي صدّ هجمات الآراميين عند منعطف الفرات، بل عبر الفرات مع
أشور بانيبال (883- 860) واصلاً إلى البحر المتوسط. بعد هذا، حارب شلمنصّر الثالث
(859- 824) حلفًا مؤلفًا من ملك دمشق، وملك إسرائيل (احاب) وأفواجًا من جيش مصر،
فانتصر عليهم في قرقر سنة 853 ق. م. ولكنّه لم يهزمهم هزيمة كاملة، لأنّه أجبر على
العودة إلى بلاده بسبب انقلاب دبّر له. في ذلك الوقت هاجم حزائيل، ملك دمشق، سنة
843 (2 مل 7: 7- 15) مملكة إسرائيل في عهد ياهو (2 مل 10: 32- 33) وحاصر مدينة
السامرة (2 مل 6: 8 ي). ولكن عاد هدد نيراري الثالث (809- 782) إلى سورية فخلص
زكير، ملك حماة، ويوآش ملك إسرائيل من شربنهدد الثاني، ابن حزائيل، ثم وصل إلى صور
وصيدا وأدوم وفلسطية، فلم تعد تشكل مملكة أرام أي خطر على مملكة إسرائيل. في ذلك
الوقت، دفعت مملكة إسرائيل الجزية لأشور واستعادت أراضي سلخها ملك أرام، ثم تحوّلت
إلى مملكة يهوذا التي انهكتها الحرب مع أدوم (2 مل 14: 8- 14). هجم يوآش على آسا
في بيت شمس سنة 795، فأسر واحتلّ اورشليم وهدم حصونها من جهة الشمال، ثمّ سلب كنوز
الهيكل وخزائن القصر الملكي. أمّا يربعام الثاني بن يوآش (783- 743) فامتدّت سلطته
من باب حماة إلى البحر الميت (2 مل 14: 25؛ عا 6: 14). ولكن عادت أشور بقيادة تجلت
فلاسر (745 – 727) وشلمنصّر الخامس (727- 722) فاحتلت السامرة وأنهت وجود مملكة
الشمال سنة 721 ق. م.

ونعود
إلى الوراء. مات يربعام الثاني سنة 743 ق. م.، فخلفه ابنه زكريا الذي قُتل بعد حكم
لم يَدُم أكثر من ستة أشهر. ثمّ ملك شلوم، غير أن مناحيم قتله وملك عشر سنين بعد
أن دل الجزية لأشور (هو وملك صور،. مات مناحيم سنة 738 فخلفه ابنه فقحيا. ولكن
قتله فقح الذي تحالف وراصون الدمشقي على ملك يهوذا، يوتام بن عزيا (+ 740). وبدأت
الحرب الارامية الافرائيمية (2 مل 15: 38) التي تحالف فيها ملوك دمشق وصور
والسامرة وغزّة على آحاز (736- 716) ملك يهوذا، فاستعان بتجلت فلاسر الذي احتلّ
غزّة وشاطئ الفلسطيين سنة 734 ودمشق سنة 732 (أجلى 800 من رجالها). ثمّ أخضع مملكة
إسرائيل وقسمها ثلاث مقاطعات سمّاها دور، مجدو، جلعاد. وخلف هوشع (732 – 724) فقح
على عرش السامرة، ولكنّ الجزية الباهظة التي فرضتها عليه أشور جعلته يتحوّل إلى
مصر فأسر شلمنصّر هوشع وهاجم السامرة فاحتلّها وأجلى سكانها (27280 نفسًا) إلى
بلاد الرافدين العليا وماداي (2 مل 17: 6 ؛ 18: 11). وجاء بأناس (عشرة آلاف)
أجلاهم من مناطق أخرى إلى السامرة وجعل عليها حاكمًا أشوريًا (2 مل 24: 13).

 

6-..
إلى دمار أورشليم

ضعف
تأثير مصر في الحقبة الممتدة من دمار السامرة (721 ق. م.) إلى دمار أورشليم (587
ق. م.)، فاكتفت بإثارة الممالك الصغيرة على أشور دون أن تتعرّض للخطر. ففي عهد
سرجون (722- 755) وعدت الفلسطيين بالمساعدة، ولمّا جاء الملك الأشوري وخلع ملك
أشدود، قدّمت له مصر الهدايا. وبارك الفرعون تحالف ملوك جت ويهوذا وموآب وأدوم،
ولكن لمّا جاءت أشور فاجتاحت مملكة يهوذا واحتلّت أشدود وحاصرت صور ودفعت لها قبرص
الجزية، سلّم فرعون ملكَ أشدود الهارب إلى الأشوريين علامة على حسن نيّته.

وقويت
شوكة أشور. ففي عهد سنحاريب (754- 681) حين ثارت الممالك الصغيرة (ومنها مملكة
يهوذا في عهد حزقيا. رج أش 30: 1-7 ؛ 31: 1-3)، جاء الأشوريون فاخضعوا المرافئ
الفينيقية لسيطرتهم وحاصروا صور وأفقدوها نفوذها لحساب صيدا التي ستصير أولى المدن
الفينيقية. وبدأ حزقيا يحصّن عاصمته: أصلح الأسوار والأبراج، رمّم خزانات المياه،
حفر تحت تلة عوفل قناة لم تزل آثارها حاضرة إلى أيّامنا هذه (أش 8: 22-14؛ 2 أخ 2:
32- 5). أمّا سنحاريب فهزم الجيوش المصرية، ثمّ احتلّ حصون مملكة يهوذا وحاصر
أورشليم (سنة 701- 750). فدفع حزقيا جزية باهظة (2 مل 13: 18- 16) اكتفى بها
سنحاريب. ثمّ إنّ الوباء ضرب جيش الأشوريين فعادوا أدراجهم (2 مل 18: 17- 19؛ أش
36- 37).

قُتل
سنحاريب (2 مل 19: 37) فخلفه أسرحدون (681- 668) الذي دمّر صيدون (676 ق. م.)
وأخضع ملك صور فخسرت فينيقية كل مستعمراتها، وحلّ محلّها اليونانيون. وانتصر أيضاً
على طهرقة ملك مصر، ودمّر عاصمته ممفيس، وجلا العائلة الملكية، وقسم البلاد إلى
مقاطعات جعل عليها حكّامًا خاضعين له. أمّا أشور بانيبال (668- 630)، فسيدمّر طيبة
عاصمة الفرعون، ويسيطر على كنعان، فتصبح يهوذا مملكة صغيرة خاضعة لنفوذ أشور إلى
حدّ أنّ الملك منسى (687- 642) جعل شعائر الأشوريين الدينية داخل الهيكل إكرامًا
لملك أشور وآلهته القوية. ولكن تحالفت المادايون والبابليون فاحتلّوا أشور (614 ق.
م.) ونينوى (612 ق. م.)، فهرب الملك الأشوري إلى حرّان التي سقطت أيضاً سنة 615.
وحاول نكو، فرعون مصر، أن يساعد الأشوريين باسم توازن القوى في الشرق، فوقف يوشيا،
ملك يهوذا، في طريقه، فقُتل سنة 609 قرب مجدو (2 مل 23: 29- 30).

وهكذا
زالت سلطة الأشوريين، وحلّ محلّها نفوذ البابليين بقيادة نبوفلاسر (625- 605). وما
إن اعتلى نبوكدنصر (605- 562) العرش حتّى قهر الجيوش المصرية في كركميش على الفرات
(ار 46: 2- 12). وحرّض الفرعون بساميتيك (594- 588) أوّلاً أورشليم وصور وغيرهما
على رفض دفع الجزية، فحاصر نبوكد نصر أورشليم التي ظلّت تدافع عن نفسها سنة كاملة
وهي تنتظر العون من مصر ولمّا سقطت أسلمها الملك للنهب والحريق. قتل الفاتحُ
أولادَ الملك وفقاً له عينيه وجلاه مع النخبة من البلاد. وترك وراءه شعب الارض من
عمال ومزارعين، وأقام عليهم حاكمًا يهوديًا اسمه جدليا. ولكنّ المتعصّبين قتلوا
الحاكم الجديد وفرّوا إلى مصر وأخذوا معهم قسرًا النبي إرميا (2 مل 14: 18- 26 ؛
أر 3: 37 ي). على أثر ذلك، تدخّل البابليون وخسرت أورشليم كل نفوذها وارتبطت
بمقاطعة السامرة التي أدار أمورها حاكم أجنبي، وسيطرت عليها أرستقراطية ترتبط
ببابل ارتباطًا وثيقًا.

ولكن
حكم البابليين لن يدوم طويلاً بعد نبوكد نصر (أخضع صور سنة 574 ولكنّه لم يحارب
ملك مصر). ففي عهد نبونيد (556- 539) دب الخلاف بين الملك والكهنة، ففتحت بابل
أبوابها أمام كورش الفارسي وأستقبلته كمحرّر لها. وهكذا انتهى حكم البابليين وحلّ
الفرس محلّهم.

 

ج-
شعب إسرائيل في زمن الفرس واليونان والرومان

1-
الفرس

سنة
559 ثار كورش، ملك انشام، على أسياج المادايي (+ 550)، فجمع تحت رايته الفرس
والمادايين، ثمّ انتصر على كريسوس، ملك ليدية، في سردية (تركيا اليوم). بعد ذلك
عبر الفرات متوجّهًا إلى بابل، ففتح له الحاكم أبواب العاصمة، وأعلنه كهنة مردوك الملك
الشرعي للبلاد. لم يمسّ كورش بأذى حياة الناس وأملاكهم، ولم ينهب القصور والمعابد،
بل أظهر تسامحًا دينيًا فحافظت كل منطقة على ديانتها، واعتبر نفسه الوارث الشرعي
للمملكة الأشورية التي اغتصبها البابليون، ومحرّر الشعوب المغلوبة على أمرها.

أمّا
اليهود، فقد سمح لهم كورش بالعودة (538 ق. م.) إلى بلادهم وأرجع إليهم كنوز الهيكل
وسمح لهم بإعادة بناء هيكلهم في أورشليم (عز 1: 1 ي؛ 6: 1- 5). وهكذا انطلقت قافلة
أولى من الراجعين بقيادة أمير من أمراء يهوذا اسمه ششبصّر وبدأت العمل.

ولكنّ
معارضة أرستقراطية (اش 52: 12) السامرة وضعت العراقيل، فتوقّف العمل في بناء
الهيكل.

وملك
كمبيز (530- 522) بعد كورش، فانتصر في معركة واحدة على الفرعون بساميتيك الثالث،
وحاول التوسّع إلى ليبيا والحبشة، إلاَّ أنّ الثورة اندلعت في بلاده، فعاد إلى
الشرق وهناك مات في ظروف غامضة.

فخلفه
داريوس الأوّل (522- 486) الذي أعاد الهدوء إلى بابل والأمن إلى أنحاء المملكة،
فنمت التجارة وازدهرت الأقاليم، فعرفت المملكة في أيّامه أوج عظمتها. وما يجدر
القول هو أنّ اللغة الارامية صارت لغة الديوان الملكي والتجارة الدولية والعلاقات
الدبلوماسية، فعمّ استعمالها من مصر العليا إلى الهند، فسيطرت على كل اللغات
المحليّة من فينيقية وعبرية.

أمّا
بلاد اليهودية فدخلت في الإقليم الخامس المؤلّف من غربي الخابور، وسورية، وفينيقية
وكنعان، وقبرص، وإليها انطلقت قافلة ثانية بقيادة الأمير زربابل والكاهن الأعظم
يشوع (520 ق. م.). بدأ الراجعون (وقد قارب عددهم الخمسين ألفًا) ببناء الهيكل
مستفيدين من مساعدات السلطة الفارسية وتبرّعات اليهود الأغنياء (عز 2: 68- 69 ؛ زك
6: 9- 15)، وأكملوا العمل رغم محاولات أهل السامرة، ودشّنوا الهيكل سنة 515 ق. م.
(عز 5- 6).

في
عهد أرتحششتا (464- 424) حاول اليهود إعادة بناء أسوار أورشليم، ولكنّ السلطة
المحلية أوقفت الأشغال بتحريض من السامريين (عز 7: 4- 23؛ نح 1: 3). ولكن ستتبدّل
الأمور حين يقوم موظّف ملكي في شوش، اسمه نحميا، بإعادة بناء أسوار أورشليم. أرسله
الملك الفارسي في بعثة رسمية (445 ق. م.)، ففصل اليهودية عن السامرة وجعلها
مدبريّة مستقلّة، وقام بإصلاح ديني فأعاد الجماعة إلى عبادة الله الواحد وفرض
ممارسة الشريعة اليهودية من دون مساومة.

 

2-
اليونان في الشرق

تسلّم
الإسكندر الكبير (356- 323) الحكم من والده فيلبس، وهو في العشرين من عمره. وبعد
أن وضع حدًّا لحالة الفوضى في اليونان، انتقل إلى الشرق. انتصر في معركة غرانيك
(334 ق. م.) فانفتحت أمامه أبواب آسية الصغرى (تركيا الحالية)، وتغلّب على الفرس
في أيسوس (333) فخضعت له سورية. دخل صور وغزة واستقبلته ممفيس، العاصمة المصرية
كمحرّر لها. زار أورشليم وهيكلها وقع ثورة للسامريين، ثمّ توجّه إلى فارس فاحتلّ
عاصمة داريوس الثالث (331 ق. م.)، وإلى الهند حيث قهر بورس (326). وحاول أن يتابع
سيره لولا معارضة قوّاده، فعاد إلى بابل وهناك مات وهو في الثالثة والثلاثين.

مات
الإسكندر وما ترك ابنًا يرثه، فاختلف قوّاده ثمّ اقتسموا مملكته، فأعطيت آسيا من
طورس إلى الهندوس لسلوقس، ومصر لبطليموس، وتركيا وآسية الصغرى لليزيماك ومكدونية
لكساندرس.

وضع
بطليموس الأوّل يده على كنعان، فاحتلّ أورشليم وأخذ بعضا من أهلها إلى الإسكندرية،
ثمّ سيطر على غزّة. انتصر في ايسوس (310 ق. م.) على أنطيغونس، حاكم مكدونية
الجديد، وضمّ إلى مملكته سورية الجنوبية حتى دمشق.

وتفاعل
“اليونان” بالعبرانيين. اهتمّ اليونان بنظُم اليهود فاعتبروا أنّ
تيوقراطيّتهم ترجع إلى موسى وهارون، فتجاهلوا زمن الملوك والأنبياء. أمّا اليهود
الذين أقاموا في المدن “اليونانية”، فقد كانوا مواطنين يتمتّعون بكل
حقوق المواطنية. تركوا الأرامية وأخذوا يتخاطبون باللغة اليونانية، فترجموا إليها
أسفار موسى الخمسة ثمّ الأنبياء والمزامير واستعملوا هذه النصوص (التي ستكون نواة
السبعينية) في اجتماعات الصلاة في المجامع.

وبدأ
الصراع بين البطالسة والسلوقيين، فوصل أنطيوخس سوتر (286- 261) إلى دمشق، ودارت
بين مصر وأنطاكية حرب (سميت الحرب السورية) انتهت بمعاهدة سلام، تزوّج بموجبها
أنطيوخس برنيكة ابنة الملك المصري. ولكن مات الملكان وعادت الحرب سجالاً، إلى أن
انتصر انطيوخس الثالث الكبير (203- 187) على بطيموس الخامس ووضع يده على كنعان
(200 ق. م.).

في
هذا الوقت نعمت اليهودية بالهدوء والسلام، وهو أمر نكتشفه من خلال قراءة سفر يشوع
بن سيراخ الذي عاش في الربع الأوّل من القرن الثاني. وانتشرت الثقافة الجديدة
فعمّت العاداتُ اليونانية وتقاليدُها أوساط كنعان، وأخذ البعض يبنون بيوتهم حسب الفن
المعماري اليوناني (بيت سوسنة وحديقته في دا 13: 4). أمّا يهود الشتات، فتوزّعوا
في مراكز هي الاسكندرية والقيروان وقبرص وأنطاكية وكانت لغتهم هناك اليونانية، وفي
بابلونية، وكانت لغتهم هناك الارامية. أمّا العبرانية فظلّت لغة المثقّفين
والطبقات الشعبية التقليدية المنغلقة على ذاتها.

وجاء
أنطيوخس إبيفانيوس (175- 164) فتبدلّت الأوضاع. اغتصب الحكم واستفاد من الظروف
السياسية الراهنة، فأخضع لسلطته بطيموس السادس (181- 145) ملك مصر ولكنّ تدخّل
رومة دفعه إلى الخروج من مصر، فصبّ جام غضبه على سكّان اليهودية: سلب المعابد،
أقال أونيا الثالث من وظيفة الكهنوت وأرسله منفيًّا إلى جوار أنطاكية حيث مات سنة
170 ق. م. (2 مك 4: 30- 38). فهرب ابنه أونيا الرابع إلى مصر، وبنى هناك هيكلاً ظل
المؤمنون يؤمّونه حتّى القرن الأول ب. م.

وامتدّت
الثقافة اليونانية، فعرفت مدينة مثل جدارة حركة أبيقورية مع الفيلسوف فيلوديميس،
وأخذ اليونان بالزواج الواحد على مثال اليهود. فحسب أنطيوخس أنّ الساعة جاءت ليقوم
بحركة انتقائية (تختار عناصر من هذه الديانة وتلك وتمزجها بعضها ببعض) دينية تلغي
خصائص يتمسّك بها اليهود المحتمون وراء نظمهم وشرائعهم. إلاَّ أنّه اصطدم بحاجز
المكّابيين ومعارضة المؤمنين الأتقياء الذين فضّلوا الموت على التخلّي عن وصايا
الله.

حمل
يهوذا المكّابي السلاح (164 ق. م.) بوجه أنطيوخس، فحرّر أورشليم وطهّر الهيكل في
14 حزيران من تلك السنة، تحت عين رومة الساهرة على مصالحها في الشرق والتي تنتظر
الساعة التي تتدخّل فيها. مات يهوذا سنة 160 (1 مك 8: 1 ي) فخلفه أخوه يوناتان
(160- 142) وجمع في شخصه قيادة الشعب ورئاسة الكهنوت، ولكنّه مات قتلاً بعد أن
أعطى شعبه قوة سياسية يُحسَب لها حساب. فخلفه سمعان المكّابي (142- 134)، ومنه
أخذت سلالة الحشمونيين اسمها، فحرّر أورشليم من سلطة السلوقيين، وجدّد المعاهدة مع
رومة. قُتل سمعان فخلفه هركانس (134- 154) وخضع لسلطة أنطيوخس السابع ودفع له
الجزية. ولكنّ سلطة السلوقيين كانت تسير إلى الانحلال، وها هي رومة تستعدّ لفرض
سيطرتها على الشرق.

 

3-
الرومان في الشرق

بدأت
رومة تهتمّ بالشرق وهي لم تنته بعد في الغرب من حروبها في إسبانيا (153- 133)
وتدميرها لقرطاجة (146 ق. م.). فيوم أخضعت لسلطتها أفريقيا الفينيقية واليونان،
وضعت حدًّا لهجوم السلوقيين على مصر بفضل ما قرّره مجلس شيوخها، بانتظار أن يتدخّل
قوّادها أمثال سيبيون إميليانوس وغيره.

ضعفت
مصر. فبعد عهد فيسكون التعيس سنة 116 ق. م. انفصلت القيروان عن مصر وصارت مقاطعة
رومانية. ثمّ دبَّ خلاف بين بطليموس لائيرس وبطليموس الاسكندر، فأخذ الأوّل قبرص
والثاني مصر ولمّا ماتا كلاهما، عاد العرش إلى ملك يُشَكّ في نسبه. وضعفت سورية.
فبعد أن توفي زيبيناس عاد العرش إلى أنطيوخس غريبس، ولكنّ أخاه خاصمه فتمزّقت
المملكة، وتابع أولادهما سياسة الخصومات والحروب الداخلية فخسرت أنطاكية بلاد
الرافدين، ودبّت البلبلة في ولاياتها منتظرة السلام الذي ستفرضه رومة عليها.

أمّا
في اليهودية، فإنّ دولة المكّابيين “المستقلّة” ذكّرت الناس بعهد داود
وسليمان مع هركانس (134- 104) الذي شبّهه الناس بداود ونسبوا إليه موهبة النبوءة.
إستفاد المكِّابي من ضعف السلوقيين والبطالسة فوسّع حدود المملكة: إحتل موآب
والسامرة (هدم معبد جرزيم)، وفرض الختان على أهل أدوم، وجعل الجليل أرضًا يهودية
صافية. ولكنّ الخلافات الداخلية زعزعت حكمه: رفض الاسيانيون حبريته، فاعتزلوا قرب
مغاور قمران على شاطئ البحر الميت، وعارضه الفرّيسيون (فئة من الكتبة والمعلّمين)
ولم يبقَ معه إلاَّ البرجوازية الدينية والسياسية المتمثّلة بالصادوقيين. بعد
هركانس ملكَ أرسطوبولس (104 – 103)، فوسعّ حدود المملكة اليهودية إلى ايطورية،
شمالي فلسطين (منطقة بانياس)، ثمّ اسكندريناي (103- 76) فضمّ إلى سلطانه المدن
اليونانية (كانت خاضعة لأنطاكية) في كنعان وشرقي الأردن. ولكنّ خلافه مع
الفرّيسيين جعله يُغرق البلاد في الدم ليقمع الثورة، وخلاف ولديه، الواحد مع
الاخر، فتح الطريق لرومة فدخلت وأنهت الخلاف لصالحها.

قهر
لوكولس، القائد الروماني، الفراتيين سنة 68 ق. م. ولحق بهم إلى ما وراء الفرات،
ولكنّ جيشه رفض أن يتوغّل في هذه البلاد البعيدة، فتراجع إلى آسية الصغرى. فحلّ
محلّه قائد عظيم اسمه بومبيوس كان قد أخضع إسبانيا لسلطة رومة ومع ثورة العبيد
التي قادها سبرتكوس في إيطاليا وخلّص البحر المتوسط من قراصنة كانوا يعيثون فيه
خرابًا. ولمّا أرسل إلى الشرق سنة 66، اتصل بممالك الشرق ولا سيّمَا باليهود في
أورشليم.

ما
إن وصل بومبيوس حتّى أجبر مترايداتيس، ملك الفراتيين، على اللجوء إلى شاطئ البحر
الأسود حيث تُوفي. ثمّ بعد أن أخضع عاصمة الفراتيين الواقعة على شاطئ دجلة، أبعد
عن أنطاكية آخر الملوك السلوقيين وجعل البلاد مقاطعة رومانية.

وإذ
كان بومبيوس في دمشق طلب إليه اليهود أن يحكم في الخلاف المستفحل بين هركانس الذي
يسانده الفريسيون وأرسطوبولس الذي يسانده الصادوقيون. تردّد القائد الروماني وكان
منشغلاً في حربه مع الأنباط، ثمّ مال إلى هركانس وطلب إلى ارسطوبولس أن يخضع. رفض
أرسطوبولس، فجعله بومبيوس في الأسر ولاحق أتباعه الذين احتموا في المدينة والهيكل،
فقتل الكهنة قرب المذبح منجّسًا قدس الأقداس، وفرض شروطًا قاسية على اليهود (63 ق.
م.). وهكذا خضعت اليهودية للرومان وأُلحقت بحاكم سورية.

ولمّا
وُلد يسوع المسيح في بيت لحم اليهودية (مت 2: 1) كان أغوسطس قيصرًا على كلّ
المعمور كيرينيوس حاكمًا في سورية (لو 2: 1- 2)، وهيرودس ملكًا على اليهودية باسم
رومة.

هذا
هو الإطار التاريخي الذي دوّنت فيه أسفار التوراة. إنّ كلمة الله تتجسّد في الزمان
والمكان وهي توجّه التاريخ. على ضوئها قرأ الكتّاب الملهمون أحداث الكون. لهذا
أردنا أن نتعرّف إلى شعب إسرائيل وهو المعنيّ أوّلاً بكتب العهد القديم، وإلى سائر
شعوب الشرق. دوّن شعب إسرائيل ما دوّنه ليتذكّر ما فعله الله من أجله، ونحن شعوب
العالم نقرأ ما كُتب في التوراة فنرى يد الله التي لا تزال تفعل في الكون وتوجّه
أحداث التاريخ إلى أن يحقّق الله مخطّطه في تمام الأزمنة فيجمع في المسيح كلّ شيء
ممّا في السموات وفي الأرض (أف 1: 9-10).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار