اللاهوت الروحي

الفصل الخامس



الفصل الخامس
]]>

الفصل
الخامس

الشك

45-
الشك وأضراره

الشك
هو حالة من عدم الإيمان، ومن عدم الثبات. ولذلك قال الرب لبطرس: “يا قليل
الإيمان، لماذا شككت؟” (مت 14: 31) إنها مرحلة زعزعة، وعدم وضوح للرؤية.
والشك أيضاً حالة من عدم التصديق..

 

الشك
جحيم للفكر وللقلب معاً..

 

قد
يكون دخوله سهلاً. ولكن خروجه صعب جداً. وقد يترك أثراً مخيفاً ما يلبث أن يظهر
بعد حين.

 

الشك
يجعل الإنسان يفقد سلامه، ويفقد طمأنينته.

 

والمعجزات
قد لا تحدث بسبب الشك بينما تحدث للبسطاء الذين يصدقون.

 

وإذا
استمر الشك يتحول إلى مرض وإلى عقد لها نتائجها..

 

وهذا
الشك قد يتلف الأعصاب، وقد يدعو إلى الحيرة وكثرة التفكير، ويمنع النوم.. ومن
نتائجه أيضاً التردد والخجل، وعدم القدرة على البت في الأمور..

والشك
على أنواع كثيرة..

 

46-
أنواع الشك

منها
الشك في الدين والله والعقيدة. والشك في الناس، وفي الأصدقاء، بل الشك في النفس
أيضاً. والشك في الفضائل، وفي إمكانية التوبة أو في قبولها، والشك في الخدمة وفي
طريق الحياة.

 

1
الشك في الله:

كأن
يشك الشخص في وجود الله. وهذه حرب فكرية مصدرها الشيطان، تأتي في سن معينة، وهي
دخيلة على الإنسان.

 

وقد
يكون سببها الكتب وأفكار الملحدين أو معاشرتهم، والناقشة يف أمور أعلي من مستوي
الإنسان. وقد تأتي من بحوث منحرفة في الفلسفة أو في العلوم أو تاريخ الكون ونشأته.
وقد يثيرها أشخاص على مبدأ [خالف تعرف]..

 

وقد
لا يكون الشك في وجود الله، وإنما في معونته وحفظة، وفي محبته وفي صدق مواعيده،
وفي جدوى الصلاة..

 

إن
رفقة لما شكت في مواعيد الله من جهة مباركة يعقوب، لجأت إلى طريقة بشرية خاطئة
فيها خداع لإسحق. (تك27). وإبراهيم أبو الآباء في وعود الله من جهة نسل كنجوم
السماء ورمل البحر، لجأ هو أيضاً إلى طرق بشرية.. (تك16).

 

2
الشك في العقيدة:

وقد
يأتي من تأثير الطوائف الأخري بحضور اجتماعاتهم، أو قراءة كتبهم ونبذاتهم، وبخاصة
لمن ليس له أساس راسخ في العقيدة.. كمن يحضر اجتماعات السبتيين أو يستقبل مبشرين
من شهود يهوه، أو يتأثر بكتابات أو عظات غير أرثوذكسية.. فيبدأ الشك يدخل إلى قلبه
وفكره.

 

والفروض
أن يكون الإنسان ثابتاً في عقيدته. وما أجمل قول الرسول:

 


مستعدين كل حين، لمجاوبة كل من يسألكم عن سر الرجاء الذي فيكم” (1بط3: 15).

 

وهكذا
يكون الإنسان في عقيدته مبنياً على الصخر، وقد يحاول البعض أن يقنعك بأن دراسة
العقيدة جفاف بعيد عن الروحانية، لكي لا تدرس ثم تقع في الشك إذا حوربت بسؤال صعب.
أما أنت فاقرأ الكتب الروحية، وادرس الكتب العقيدية واللاهوتية أيضاً..

 

3
الشك في الأصدقاء:

هذا
الشك سببه قلة الثقة، أو قلة المحبة. إن الإنسان إذا أحب شخصاً محبة حقيقية، يثق
فيه، وبالتالي لا يشك..

 

والعلاج
هو العتاب، بجو من الصراحة والمواجهة، وفي محبة..

 

وكذلك
عدم التأثر بالسماعات والوشايات، وعدم تصديق كل ما يقال.. لأنه كثيراً ما يكون
الاتهام مبنياً على ظلم، مهما كانت تبدو الدلالات واضحة..! ولا يصح أن تحكم على
أحد حكماً سريعاً، وبدون الاستماع إليه..

 

4
الشك في الناس:

ربما
خطأ فردي، تطبقه على الكل.. خطأ فرد في جماعة، يطبق على كل الجماعة! أو سقطة فرد
في أسرة، تجلب الشك في كل الأسرة، وربما يكون بعض أفرادها صالحين جداً.. بل قد
يتمادي الشك حتى شعباً بأكمله أو بلداً بأكمله..

 

5-
الشك في الفضائل:

كأن
يشككك شخص قائلاً: ما لزوم الصوم؟ وهل الفضيلة الجسدية لها قيمة؟ وما معني
الحرمان؟ وما لزوم العفة؟! وما لزوم الصلاة مادام الله يهتم بنا دون أن نصلي؟!

 

وقد
يتمادي ليقول لك: ما لزوم الفضائل؟! إنها أعمال. أو ناموس!! والإنسان لا يتبرر
بالناموس!!

 

أو
قد يقول لك: خذ راحتك! مادامت مؤمناً، فلن تهلك! حتى إن سقطت سبع مرات فلابد
ستقوم!

 

وقد
يأتي الشك في المبادئ والقيم.

 

الشك
في ما هو الحلال وما هو الحرام؟

 

الشك
في المخترعات الحديثة كالتلفزيون والراديو والسينما والموسيقي، وهل هي حرام أم
حلال؟ والشك في أشياء كثيرة جديدة على المجتمع، مثل تحديد النسل، وأطفال الأنابيب..
ألخ.

 

والأمر
يتوقف على الروح وليس الحرف. وكذلك على الفهم والدراسة.

 

فالسنيما
حسب نوعية استخدامها، تكون حراماً أو حلالاً، وكذلك التليفزيون والراديو والفيديو
والموسيقي والتمثيل.. هل هي تستخدم للخير أو للشر؟

 

6-
الشك في النفس:

أحياناً
يشك الإنسان في نفسه، فلا تكون له ثقة في نفسه، ولا في قدراته وإمكانياته..!
كالطالب يشك في قدرته على النجاح، أو في كفاية الوقت له..أو إنسان يشك في تصرفاته،
هل هي سليمة أم خاطئة؟ وهل هو محبوب من الناس أم مكروه.

 

الطفل
يحدث له هذا. ولذلك نعطيه الثقة بالمديح وبالتشجيع.

 

أما
التربية القاسية وكثرة التوبيخ، فقد تولد عقدة الشك في النفس.

 

حتى
الكبار يحتاجون أيضاً إلى تشجيع وإلى كلمة طيبة، وإلى رفع روحهم المعنوية، وبخاصة
إن كانوا في حالة مرض أو ضيق، أو في مشكلة وضائق، حتى لا يدركهم اليأس. وحتى لا
يقول الواحد منهم.. لا فائدة.. قد ضعت!! وهكذا يشك في مصيره..

 

وقد
يشك الإنسان في طريقه في الحياة، وما الذي يناسبه ويصلح له؟

 

هل
حياة الزواج أم البتولية؟ أم الرهبنة أم الخدمة أم التكريس هل يقوي على هذا الطريق
أم لا؟ وهل يثبت فيه أم يندم عليه وهل تصلح له هذه الدراسة أو هذه الوظيفة أم
تصلح؟

 

ربما
تكون مجرد أسئلة، وقد ترتفع إلى مستوي الشكوك وتتعب النفس وتحيرها.

 

وقد
يصل فيها الشخص إلى مرحلة من التردد يعجز أن يبت فيها بقرار. وقد يلجأ إلى
الاستشارة ويستمر معه الشك، أو يلجأ إلى القرعة ويستمر أيضاً معه الشك.

 

يعض
الناس: المراحل المصيرية أمامهم محاطة بالشكوك، وطريقهم غير واضح لهم، يقفون أمامه
في تردد.

 

والأمر
يحتاج إلى الثبات في الهدف وفي الوسيلة، وفي المبادئ الروحية. ويحتاج أيضاً إلى
معرفة للنفس وصراحة في مواجهتها وتحديد اتجاهاتها وإمكانياتها.

 

أما
الشك في القدرة، فيسنده قول القديس بولس الرسول: “أستطيع كل شئ في المسيح
الذي يقويني” (في4: 13).

 

7-
الشك في الخدمة:

كثيراً
ما يشك الخادم في خدمته، هل هي ناجحة أم فاشلة؟ وهل يستمر فيها أم ينقطع عنها؟

 

وربما
يكون السبب أنه يهتم بالثمر السريع. فإذا لم يأت، يشك في خدمته. ولعلنا نأخذ درساً
من الزراعة، إذ تحتاج البذرة إلى وقت حتى تنمو، وإلى وقت حتى تشتد وتصبح شجرة.

 

إن
أم أوغسطينوس استمرت تصلي من أجل أوغسطينوس صلوات طويلة، دون أن يبدو هناك ثمر.
ولم تشك..

 

47-
أسباب الشك

قد
تكون أسباب الشك داخلية، نابعة من الإنسان نفسه. وقد يكون للشك أسباب خارجية.
وسنحاول أن نتأمل كل هذا، لكيما نعرف العلاج المناسب..

 

1-
قد يكون سبب الشك هو طبيعة الشخص نفسه:

كأن
تكون شخصيته مهزوزة أو معقدة، يسهل أن تقع في الشك. أو قد يكون موسوساً، وطريقته
في التفكير تجلب له الشك..

 

وقد
يكون ضيق التفكير، ليس أمامه سوي الشك. ولو كان واسع الأفق لزال شكه..

 

2-
البساطة أو العمق:

قد
يكون إنسان بسيطاً، يصدق كل شئ، فلا يقع في الشك.

 

وربما
هذا البسيط نفسه يقبل كل ما يقال له فيقع في شكوك، كأن يحكي له شخص عن أخطاء صديق
له في حقه، فيصدقها ويشك فيه.

 

أو
لبساطته يخدعه الناس من جهة عقيدة أو إيمان ويوقعونه في شكوك.

 

وبنفس
الوضع نري أن الإنسان العميق التفكير قد يصل إلى النتيجتين معاً: الشك وعكسه..

 

فبالعمق
قد يكشف زيف الشكوك فلا يقع فيها.

 

وأحياناً
شدة التفكير تقوده إلى لون من العقلانية يفقد فيها بساطة القلب، ويحب أن يستوعب
أسراراً لاهوتية أو روحية بعقله القاصر، فيقع في الشك. وهكذا ما أكثر وقوع فلاسفة
في الشكوك..

 

3-
الخوف:

الخوف
والشك يتلازمان في كثير من الأحوال. وقد يكون أحدهما سبباً، وقد يكون هو النتيجة..

 

فالخوف
يجلب الشك. والشك يكون من نتائجه الخوف.

 

فبطرس
الرسول حينما مشي على الماء، ثم شك، خاف نتيجة لشكه. ولما خاف زادت شكوكه فسقط في
الماء، وصرخ..

 

4-
حروب الشياطين:

كثيراً
ما يكون الشك حرباً من الشيطان. وهي حرب قديمة، مثلما فعل الشيطان مع أبوينا
الأولين، ليجعلهما يشكان في طبيعة الشجرة المحرمة، وفي نتيجة الأكل منها، وبالتالي
يشكان في وصية الله لهما.. وقد حاول أن يحارب السيد على الجبل بالشك أيضاً فلم
يفلح. وكذلك على الصليب” إن كنت ابن الله، انزل من على الصليب”. (مت27: 40).

 

وبالشك
حاول الشيطان أن يثني القديس أنطونيوس عن طريق الرهبنة. وربما يأتي الشيطان بشكوك
للإنسان في ساعة الموت حتى يهلكه..

 

إن
الشيطان يعرف كل الشكوك التى مرت على العالم من آلاف السنين، ويمكنه أن يحارب بها

 

وهو
يلقي الشكوك في كل شئ.. في الإيمان، وفي العلاقات مع الآخرين، لكي يبلبل فكر
الإنسان ويلقيه في حيرة. والشكوك لا تأتي من الشيطان فقط، وإنما..

 

5-
من البيئة:

من
الوسط المحيط. مثلما حدث لمريم المجدلية: التي رأت السيد المسيح بعد القيامة
وكلمها.. مع ذلك لما وجدت نفسها في وسط كله شكوك وقد ألقي اليهود الشائعات التى
ملأت المكان، حينئذ شكت المجدلية أيضاً! (يو20).

 

وقد
تأتي الشكوك أيضاً من معاشرة الشكاكين. وكما أنه بمعاشرة الواثقين والمؤمنين،
ينتقل الإيمان والثقة إليك، كذلك بمعاشرة الشكاكين ينتقل الشك.

 

فأبعد
عن عشرة هؤلاء أو على الأقل احترس من كلامهم ولا تصدقه.

 

ومن
المصادر التي تنقل الشك، القراءة التي تحوي شكوكاً، فأبعد عنها. وليكن اختيارك للكتب
من النوع الذي يبنيك وليس من النوع الذي يحطم فيك العقائد أو القيم!

 

لأن
هناك كتاباً هوايتهم أن يشككوا القارئ في المسلمات الثابتة، لكي يظهروا أنهم
يفهمون ما لا يفهمه الغير!

 

ومن
مصادر الشك أيضاً: الشائعات وكثيراً ما تكون خاطئة. لذلك لا تصدق كل ما يقال، ولا
تردد هذه الشائعات أنت أيضاً، وإلا يكون الشك قد دخل إلى نفسك.

 

ومن
أسباب الشك أيضاً:

 

6-
الانحصار في سبب واحد:

ربما
لا يحضر صديق حفلة تقيمها. وتكون هناك أسباب عديدة لعدم حضورة ولكنك إن حصرت
التعليل في سبب واحد تخيلت به اهماله لمشاعرك، حينئذ يدخلك الشك. كذلك في تأخر زوج
عند موعد رجوعه إلى بيته.. إن حصرت الزوجة تفكيرها في سبب واحد، يدخلها الشك.

 

لذلك-
فليكن ذهنك متسعاً وافترض أسباباً عديدة، وحللها، حتى لا تظلم أحداً لا تشك في
محبيك..

 

والعجيب
أن الذين ينحصرون في سبب واحد، قد يتخيرون اسوأ الأسباب التي تتعبهم وتبلبل
أفكارهم..

 

مثل
أم تتأخر ابنتها عن ميعاد عودتها إلى البيت، فتسك أنه قد اصابها حادث أو أن أحداً
خطفها، أو حدث لها سوء من أي نوع. وتظل في قلق حتى تعود..

 

وربما
يكون قد دخلها الشك في انها ستعود..!

 

وقد
يأتي الشك من سبب آخر هو:

 

7-
طول المدة:

مثلما
حدث لأبينا إبراهيم، لما طالت المدة عليه ولم ينجب نسلاً.

 

ومثلما
يحدث أن أناساً تطول عليهم المدة في ضيقة أو في مشكل، دون حل وهنا نتطرق إلى سبب
آخر هو:

 

8-
الشك بسبب الضيقات:

مثلما
حدث لجدعون الذي شك قائلاً للملاك: “إذا كان الرب معنا، فلماذا أصابتنا كل
هذه (البلايا)؟ وأين عجائبه التي اخبرنا بها آباؤنا؟” (قض6: 13).

 

ومثل
شكوك الشعب في البرية، وكذلك أمام البحر الأحمر.. (خر14)

 

إن
شدة الخطر قد تجعل الإنسان يشك. وهكذا كانت مشاعر الجيش أمام جليات الجبار، بعكس
داود النبي الذي لم يشك مطلقاً، وقال للجبار في ثقة: “اليوم يحسبك الرب في
يدي” (1صم17: 46).

 

وإذا
صالت المدة في الضيقة، ووصل صاحبها إلى اليأس، فقد يشك في رحمة الله، أو يشك في أن
هناك عملاً قد عمل له، ويبدأ في زيارة المشعوذين ليكفوا له هذا العمل..!

 

إن
الضيفات وطول المدة، تحتاج إلى قلب قوي لا تلعب به الأفكار والشكوك.

 

ومن
أسباب الشك أيضاً:

 

9-
تعميم الخطأ:

كإنسان
تعيش في بيت مملوء بالنزاع والشجار بين أبيها وأمها، فتخاف من الزواج، وتشك في
انها إذا تزوجت، لابد سيحدث لها مثل هذا. تشك في كل زوج أنه سيكون مثل أبيها في
معاملته لأمها..! أو كإنسان قال سراً لصديق فأذاعه. وحينئذ يشك في جميع الأصدقاء
واخلاصهم.

 

وربما
تكون النتيجة أنه ينطوي على نفسه، ولا يقول كلمة سر لأحد مهما كان قريباً إلى قلبه
ويقول.. لعله يفعل مثل فلان!

 

لاشك
أن كل الناس هكذا! فيقول لك أحدهم: شعب البلد الفلانية كلهم بخلاء. أو احترس أن تتزوج
أحداً من بلد كذا.. كل ذلك بسبب حادث فردي..

 

10
الشك بسبب الوهم:

فقد
يتوهم شخص أن رقم 13 لابد أن وراءه شراً. فيدخله الشك في كل يوم يكون تاريخه 13 أو
مضاعفاته، سواء من الشهر الميلادي أو العربي أو القبطي..

وتكبر
المسألة في ذهنه إلى حد الوسوسة..

ويكون
من الصعب أن تخرج هذه (العقيدة) من ذهنه..


الفصل الخامس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار