اللاهوت الطقسي

الفصل الخامس



الفصل الخامس
]]>

الفصل الخامس

قدس الأقداس ومحتوياته Holy of Holies

قدس الأقداس
يقال له المحراب (ملوك الأول 6: 19)، وهو القسم الثاني من الخيمة وأقدس جزء
فيها وما كان يجوز لأحد أن يدخله سوى الحبر الأعظم وهو لا يدخله سوى مرة واحدة في
السنة أى في يوم الكفارة العظيم بشرط أن يحمل معه دم ذبيحة الكفارة يقدمه عن نفسه
وعن جهالات الشعب والمسيح “قد جاء رئيس كهنة للخيرات العتيدة وبدم نفسه دخل
إلى السماء عينها ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا”
(عبرانيين 9: 11).

ونلاحظ أنه
لا يوجد أى مصدر للضوء داخل قدس الأقداس، فهو يمثل السماء مسكن الله الكلي
القداسة، المتميز بالسمو المطلق مع الاحتجاب: “حقاً أنت إله محتجب يا إله
إسرائيل المخلّص، ليتك تشقُّ السموات وتنزل” (إشعياء 45: 15).

أما
محتوياته فهي:

(أ) التابوت
وغطاؤه.

(ب) لوحا
الشهادة.

(ج) قسط
المن.

(د) عصا
هارون.

 

(أ) تابوت
الشهادة: (خروج 25: 1 – 16 و37: 1-5)
Ark of the Testimony

التابوت
والغطاء

كان التابوت
هو أول ما بدأ الله بإعطاء مواصفاته فى بناء الخيمة، بعد أن عّدد أنواع التقدمات
المطلوبة من بنى إسرائيل ليصنعوا له مَقْدِساً لكى يسكن فى وسطهم. والواقع أن صعود
موسى للجبل كان أساساً لاستلام لوحى الشريعة حسب أمر الله له فى (خروج 24: 12):
“اصعد إلىّ إلى الجبل وكن هناك: فأعطيك لوحى الحجارة والشريعة والوصية
التى كتبتها لتعليمهم
” وكان التابوت لحفظ هذين اللوحين فهو بذلك يمثل أهم
وأقدس ما فى البناء كله، وهذا هو السبب الذى من أجله صاغ الله تعليماته لموسى –
لبناء المسكن ككل، ولعمل التابوت بصفة خاصة – فى صيغة الجمع الغائب، حيث الشعب
كله هو المقصود بالتنفيذ، وذلك بقوله:
فيصنعون
لى مقدساً..
“، فيصنعون لى تابوتاً.. . بينما كانت الصيغة بالنسبة لباقى
أجزاء المسكن هكذا:
وتصنع
مائدة.. وتصنع منارة..” فى صيغة المخاطب المفرد.

ويسمى
التابوت بالعبرية “عارون”
أى صندوق ويسمى “تابوت
الشهادة” (خروج 25: 22)، و”تابوت
عهد الرب” (عدد 10: 33)، و “تابوت
الرب” (يشوع 3: 12)، “وتابوت
الله” (صموئيل الأول 3: 3).

وقد أمر
الرب أن يُصنع من خشب السنط ويغُشى بالذهب النقى من داخل ومن خارج ومع أن الداخل
لم يكن ظاهراً للعيان إلا أنه يجب أن يكون مغشى بالذهب.

طوله ذراعان
ونصف (1.12 متر)، وعرضه ذراع ونصف (0.67 متر)، وارتفاعه ذراع ونصف (0.67 متر).
وعليه إكليل من ذهب حواليه، وفى أركانه الأربعة يصنعون له حلقات من الذهب، وعصوين
من خشب السنط المغشى بالذهب، وتدخل العصوان فى الحلقات على جانبى التابوت لُيحمل
التابوت بهما، وتبقى العصوان فى حلقات التابوت، لا تُنزعان منها. والغرض من هذين
العصوين هو كما ذُكر ليُحمل
التابوت بهما” لأنه – كسائر أجزاء الخيمة – ليس له إقامة ثابتة، ولكى لا
يُمسّ التابوت بيد بشرية لأنه مقدس، فهو مسكن الله ومَقْدِسه، ومازال الله بقداسته
بعيداً عن متناول الإنسان – فى العهد القديم – الذى لم تزل خطيته عليه ولم يُكفَّر
عنها بعد بدم ابن الله القدوس الذى بلا خطية وحده.

ولم يكن
مصرَّحاً للكهنة أن يحملوا التابوت على مركبة أو دابة بل على أكتافهم (عدد 1:
51 و4: 15).

كان الغرض
المعلن منذ البداية، هو، هو أن تُوضع بداخله شهادة خلاص: “وتضع فى التابوت
الشهادة التى أعطيك” (خروج 25: 16، تثنية 10: 5).

فالتابوت
ومحتوياته هو رمز العهد الُمبرم بين الله والشعب، الذى يمثل المغزى الرئيسى للمسكن
كله، والذى على أساسه تقوم العلاقة بين الله وإسرائيل، إذا هم حفظوا وصاياه التى
يتضمنها لوحا العهد الموضوعان فى التابوت. فحفظ الشعب للوصايا العشر وأمانتهم لعهد
الله هو مسئولية الشعب كله، وهو الضامن لبقاء الله فى وسط شعبه.

وابتداء
الله بمطالبته بعمل التابوت كأول ما يصنعونه له من المَقْدِس للسكن فى وسطهم يؤكد
أهمية التابوت كمَقْدِس مصغر، وكعرش يجلس عليه يهوه الذى لا يُرى، أو كموطىء
لقدميه. فهو يمثل حضرة الله الساكن فى وسط شعبه، وأول ما يصنعونه له خاصة لكى
يستريح فى وسطهم ويذكرِّهم بالعهد القائم بينهم، والذى يُبلَّغ إليهم من خلال
حديثه مع موسى النبى أو مع كهنته المكلفين بخدمته.

لم يُوضع فى
التابوت عند صنعه غير لوحى
العهد” أو لوحى
الشريعة”، وهما اللوحان اللذان كُتبت عليهما الوصايا العشر بإصبع الله بعد أن
نحتهما موسى من الحجر، عوضاً عن اللوحين الأولين اللذين تسلمهما موسى من الله ثم
كسرَّهما أثناء نزوله من الجبل، عندما أبصر العجل الذهبى والشعب يرقصون حوله. وعند
وضع التابوت فى الهيكل الذى بناه سليمان “لم يكن فى التابوت إلا اللوحان
اللذان
وضعهما موسى فى حوريب حين عاهد الرب بنى إسرائيل” (أخبار الأيام الثانى 5:
10)
ولكن يخبرنا الرسول فى (عبرانيين 9: 4) أنه كان فيه أيضاً
“قسط من ذهب فيه المن وعصا هارون التى أفرخت” وهذان كانا موضوعين أمام
التابوت
كما أمر الرب موسى (انظر خروج 16، عدد 17).. ويبدو أنهما وُضعا
داخل التابوت فى وقت آخر.

كان المثول
أمام التابوت مرادفاً للمثول أمام الرب (يهوه): “وعند ارتحال التابوت كان
موسى يقول: قم يارب فليتبدد أعداؤك ويهرب مبغضوك من أمامك” (عدد 10: 35،
يشوع 6: 8)
، وإذ حل فى موضع يقول: “ارجع يارب إلى ربوات ألوف
إسرائيل” (عدد 10: 36).

من جهة أخرى
لا يمكن أن نقول أن التابوت هو نفسه “يهوه”، فيصبح الأمر عبادة وثنية، أو أن
نحصر وجود “يهوه” في
التابوت أو العرش. فالرب “يهوه”
موجود من قبل التابوت وهو الذي أمر بصنعه، ومن رحمته اختار أن يظهر في سحابة المجد
فوق التابوت “موطىء قدميه”:
“كان في قلبي أن أبني بيت قرار لتابوت عهد الرب ولموطىء قدمي إلهنا” (أخبار
الأيام الأول 28: 2)
، وظل الرب موجوداً خارج التابوت وبعيداً عنه، لأن “أمام الرب (يهوه)” لا تعنى
بالضرورة “أمام التابوت” (صموئيل
الأول 7: 2-6)
. بل إن الرب لم يدافع عن التابوت وإنما سلمه للفلسطينيين، عندما
انزلق إسرائيل تدريجياً في خطأ اعتبار التابوت “وعاء يضمن وجود الله”،
بدون وفائهم بشرط حفظهم لعهده ووصاياه المكتوبة في اللوحين. فبالحقيقة كان حلول
الله في وسطهم من خلال تابوت العهد مشروطاً بأن يتقدسوا لله فيؤهلوا بذلك لدوام
سكناه في وسطهم.

كان وجود
العصوين باستمرار في التابوت، يعطي إحساساً بالغربة والاستعداد الدائم للرحيل، إلى
أن يستقر في أرض الموعد في هيكل أورشليم فيحصل شعب الله على الراحة الموعودة. وبعد
أن وُضع التابوت في الهيكل جذبوا العصى (ملوك الأول 8: 8) إذ استراح الشعب.
وهذه الراحة في أورشليم الأرضية ترمز إلى الراحة الحقيقية في أورشليم السمائية،
“لأنه لو كان يشوع قد أراحهم لما تكلم بعد ذلك عن يوم آخر” (عبرانيين
4: 8).

 

V
غطاء التابوت: (خروج 25: 17-22)
Mercy Seat

أمر الله
موسى أن يصنع الغطاء من ذهب خالص بدون خشب باتساع التابوت تماماً.

ذراعان ونصف
طولاً، وذراع ونصف عرضاً ومنه على طرفيه كروبان (ملاكان)، من ذهب صنعة الخراطة –
كروب واحد على طرف الغطاء من جهة وكروب آخر على طرف الغطاء من الجهة المقابلة.
ويُصنعان من الغطاء، أي أنهما مع الغطاء من كتلة ذهب مخروطة قطعة واحدة. والكروبان
باسطان أجنحتها إلى فوق، مظللان بأجنحتهما على الغطاء ووجهاهما كل واحد إلى الآخر،
ومتجهاً نحو الغطاء. والغطاء موضوع على التابوت من فوق.

ولأول وهلة
يبدو كأن الغطاء جزء لا ينفصل عن التابوت، وهو كذلك بدرجة ما، لأنه غطاء للتابوت.
ولكنه يُذكر عادة في سائر أسفار العهد القديم منفصلاً عن التابوت، إلا أن مكانه
الطبيعي هو فوق التابوت، وله نفس مقاييس التابوت ومنطبق عليه تماماً، حتى إنهما
يبدوان معاً كأنهما واحد، لأن إكليل الذهب المحيط بالتابوت من أعلى يخفى عن
الأنظار مكان اتصال التابوت بالغطاء.

والكلمة
العبرية تعنى أكثر من غطاء، فهي “كابوريت
= Kapporeth”، وهي مشتقة من
الفعل “كِبر = Kipper” ومعناها الأصلي “يغطى” إلا أن الصيغة المشتق منها ذلك الاسم
تعني دائماً “يكفّر”.
ولذلك فالكلمة اليونانية “هيلاستريون
= Hilasterion” المستعملة في
الترجمة السبعينية اليونانية، وكذلك أيضاً في الترجمة القبطية البحيرية، والمترجمة
في القبطية الصعيدية (خروج 25: 17) بمعنى “موضع الغفران” تُفهم
أيضاً بمعنى “كرسي الرحمة”
(seat
mercy) كما في الترجمة الرسمية
الإنجليزية (KJV)، وتعطيان كلتاهما المعنى الأصلي. لذلك كان قدس الأقداس مع القدس
في الخيمة والهيكل يُسميان أحياناً “بيت
الغطاء” (أخبار الأيام الأول 28: 11).

والكاروبيم
هو الذي ننطقه الآن الشاروبيم. وهذه الكلمة هي بالجمع لذلك فالمثنى منها “كاروبان”. ويصفهما القديس بولس
إنهما كاروبا المجد وليس كاروبين ممجدين. وذلك بقصد تحديد وظيفتهما وهي، أنهما
يخدمان مجد الله المستعلن فوق الغطاء من بينهما. فالمعروف أن صوت الرب كان يُسمع
متكلما من بينهما (خروج 25: 22، عدد 7: 89)، ويُوصف الرب دائماً أنه الجالس
فوق الشاروبيم
(صموئيل الأول 4: 4).

والمجد في
العبرية يعني باختصار “مكان حضرة
الرب” = “شاكيناه Shekhinah”، وتعنى الحضرة البهية للرب الساكن وسط شعبه بالمجد:
“الذين هم إسرائيليون ولهم التبني والمجد.. (رومية 9: 4).

ويبدو أن
الكاروب بصورته وأجنحته كان يُمثل الريح التي يتراءى الرب فوقها. ولكن يُعتقد أنه
يُمثل قوات الخليقة. وبحسب فيلو الفيلسوف والعلاّمة المتصوف اليهودي ([1])
الإسكندري في القرن الأول الميلادي، فإن الكاروبين يُمثلان قوة الله المزدوجة:
الملك في ذاته، والخالق للكون.

والكروبان
يُعبران – والله في وسطهما – عن الله الراكب على السموات: “ركب على الشاروبيم
وطار، طار على أجنحة الرياح ([2])
(أجنحة الشاروبيم).” (مزمور 18: 10، تثنية 33: 26، صموئيل الثانى 22: 11).

ويصف النبي
حزقيال الكاروبين بأنهما يحملان المركبة الحاملة لعرش الله غير المربوطة بالهيكل
الأرضي، ولكنها حّرة تطير وتتحرك أينما يشاء (ابن سيراخ 49: 10) أما لماذا
لم يُحسبا من ضمن الصور والتماثيل المحرّم صنعها، فهو أنهما يصوران كخادمين وليس
كإلهين. فالوصية الثانية لا تُحرم صنع الصور والتماثيل بصفة مطلقة، وإنما تُحرم
صنعهما بهدف عبادتها “لا تسجد
لهن ولا تعبدهن”. وكون أن الله أمر بصنع الكروبين وتصوير الكروبيم على الحجاب
والشقق أى ستائر السقف الداخلية دليل على ذلك. كذلك أيضاً الكروبان اللذان وضعهما
سليمان في محراب الهيكل، ونقوش الكروبيم والنخيل في جدرانه، والثيران التي تحمل
البحر في الهيكل براهين أخرى على هذا المفهوم السليم للوصية. فوجود الكاروبين هنا
كحارسين وحاملين لعرش الله يشير إشارة قوية إلى حضرة الله الذي كان يحل بينهما
ويتكلم مع موسى وهارون وخلفائه الكهنة الذين كانوا يأتون لمقابلة الرب وسؤاله
وتقبل تعليماته، حسب وعد الرب لموسى أن يجتمع به هناك ويتكلم معه من فوق الغطاء
بين الكروبين، فهو لكون الغطاء يشير إلى الكفارة.

ففي يوم
الكفارة العظيم كان رئيس الكهنة يدخل إلى قدس الأقداس وينضح بدم الكفارة فوق
الغطاء (لاويين 16: 15و 16)، ولا يحدث ذلك سوى مرة واحدة في السنة. وهكذا
من فوق الغطاء المرشوش بالدم يلتقى الله مع وسطاء الشعب ويصفح عن خطاياهم ولا
يُحاسبهم بموجب الناموس الموضوع في التابوت، الذي يدينهم ويحكم عليهم بالموت. فهو
غطاء يستر عنهم دينونة الله، لكونه كفارة عن خطاياهم.

وهنا يحضرنا
تفسير القديس بولس الرسول لدم الكفارة الذي يدخل به رئيس الكهنة مرة واحدة في
السنة ومطابقته لكفارة المسيح في العهد الجديد قائلاً: “وأما المسيح وهو قد
جاء رئيس كهنة للخيرات العتيدة، فبالمسكن الأعظم والأكمل غير المصنوع بيد أي الذي
ليس من هذه الخليقة، وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس
فوجد فداءً أبدياً” (عبرانيين 9: 11و12).

ويلاحظ أن
الكاروبين الاثنين منحنيان فوق الغطاء (= كرسى الرحمة)، وكأنهما ينظران إلى
الناموس الموجود داخل التابوت الذى فشل الإنسان فى حفظه، ولا ينظران إلى الشرق نحو
الشعب فجميعهم خطاة. لكن عيونهم مثبتة فى دم الكفارة، الذى هو رمز لدم المسيح ابن
الله الذى يطهرنا من كل خطية (يوحنا الأولى 1: 7).

 

(ب) لوحا
الشهادة:
Two tablets of the Testimony

هما اللوحان
اللذان سطر الله عليهما بإصبعه الكريم الوصايا العشر ودُعيا لوحا الشهادة، ويقال
لهم لوحا العهد أيضاً لأنهما تضمنا الوصايا التى كانت بمنزلة شرط للعهد الذى أُبرم
بين الله جل شأنه والإسرائيليين.. ووجود لوحى الشهادة داخل التابوت إنما يشير إلى
أن الرب يسوع حفظ الناموس كاملاً “هانذا جئت بدرج الكتاب. مكتوب عنى أن أفعل
مشيئتك ياإلهى سررت. وشريعتك فى وسط أحشائى” (مزمور 40: 7 و8)

 

(ج) قسط
المن:
Pot of manna

هو الوعاء
الذهب الذى ذُخر فيه المن بأمر الله (خروج 16: 33 و34)، ليكون مذكِّراً
لبنى إسرائيل بتلك المعجزة العظيمة وهى إطعامهم بلا زرع أو حصاد مدة أربعين سنة
متوالية أى مدة إقامتهم فى برية سيناء وقد كان المن صورة ومثال لجسد ربنا (انظر
يوحنا 6: 32)
، أما القسط فهو يرمز إلى العذراء التى حل فى أحشائها المن
السماوى ربنا يسوع. وكونه من ذهب فذلك يشير إلى كرامتها ونقاوتها وطهارتها.

 

(د) عصا
هارون:
Aaron’s Rod

بعد تمرد
قورح وجماعته، حين دافع الله عن مركز موسى وهارون بأن
“أفرخت
عصا هارون وأخرجت فروخاً وأزهرت زهراً وأنضجت لوزاً” (عدد 17: 8).
كانت هذه المعجزة هى الدليل القاطع على قانونية كهنوت هارون، لذلك أمر الرب أن
تُحفظ هذه العصا فى تابوت الشهادة شهادة أبدية أمام هذا الشعب – الشعب الغليظ
الرقبة الذى يتأرجح بين الطاعة والتمرد وبين التسليم والاحتجاج الصارخ.

وهى مثال
للعذراء مريم التى ولدت المسيح وهى بتول على غير عادة البشر جميعاً.

إن ما حدث
مع قورح وأتباعه تحذير لمن يتطاول على مقام العذراء.. كانت العصا مجرد عصا جافة
ومع ذلك أفرخت وأزهرت وأثمرت. لقد كانت معجزة. ومن ناحية أخرى كانت إشارة إلى
الحياة من الموت
، وأن المسيحية تأسست على القيامة.. ومن ناحية أخرى كانت العصا
موجودة بالتابوت كشهادة للشعب أن الله اختار هارون رئيس كهنة. إن الرب يسوع يدعى
فى الكتاب “غصن بر” وما
أحلى أن نتذكر أن الله اختارنا فيه. هكذا يقول بولس الرسول عن الله أنه
“اختارنا فيه (المسيح) قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه فى
المحبة” (أفسس 1: 4).

 

V
تعليمات بخصوص نقل التابوت فى البرية:

نجد هذه
التعليمات فى الأصحاح الرابع من سفر العدد ومؤداها أن يأتى هارون وبنوه عند ارتحال
المحلة ويُنزلون الحجاب ويغطون به تابوت الشهادة ثم يجعلون عليه غطاء من جلد تخس،
ويبسطون من فوق ثوباً كله أسمانجونى، فالتابوت السائر فى البرية يشير إلى حياة
المسيح فى هذا العالم – تلك الحياة النقية فى الداخل وفى الخارج، والحجاب هو رمز
إلى جسد ربنا يسوع المسيح “بالحجاب أى جسده” (عبرانيين 10: 20)
فهنا نرى التابوت مُغطى بالحجاب أى شخص ابن الله فى حجاب ناسوته ثم نرى جلد التخس،
إشارة إلى الوقاية الكاملة التى نزهت إنسانيته عن كل شر.

وفوق جلد
التخس نجد الثوب الأسمانجونى كله رمزاً إلى الصفة السماوية التى كانت ظاهرة دائماً
فى حياة الرب يسوع.

 

V
تاريخ التابوت:

E فى البرية: جاء بنو إسرائيل إلى موسى “بتابوت الشهادة
وعصويه والغطاء” (خروج 39: 33 و35).

E تدشينه: بعد أن أقام موسى خيمة الاجتماع وضع
“الشهادة فى التابوت من فوق وأدخله إلى المسكن” (خروج 40: 20 و21)
“ثم غطت السحابة (سحابة مجد الله) خيمة الاجتماع وملأ بهاء الرب المسكن”
(خروج 40 34). وعّين موسى “بنى
قهات اللاويين” تحت رئاسة “ألعازار
بن هارون الكاهن” “لوكالة حُرَّاس حراسة القدس” (عدد 3: 31 و32).

E رحلاته: وبعد سبعة أسابيع ارتفعت سحابة
الرب (عدد 10: 11)، ورحل بنو إسرائيل من سيناء.

وعندما حل
بنو إسرائيل فى “قادش” لم
يبرح تابوت عهد الرب وموسى من وسط المحلة عندما انهزم المعاندون فى “حرمة” (عدد 14: 44 و 45)،
وكان موسى قد حذرهم قائلاً: “لا تصعدوا لأن الرب ليس فى وسطكم لئلا تنهزموا
أمام أعدائكم” (عدد 14: 42).

E فى بعض المناسبات الهامة، مثل عند دخولهم إلى كنعان، كان الكهنة
يحملون التابوت: “والكهنة حاملوا التابوت وقفوا فى وسط الأردن” (يشوع
3: 3 و4 و10، تثنية 31: 9، ملوك الأول 8: 3).

E حمله الكهنة على أكتافهم ليدوروا حول أسوار أريحا (يشوع 6: 12
– 16)

E استقر التابوت داخل خيمة الاجتماع عندما حل بنو إسرائيل أولاً
فترة فى “الجلجال” (يشوع 4: 19 و9: 6 و14: 6). إلا أنه استقر بعد
ذلك مع الخيمة فى مكان متوسط فى “شيلوه” (يشوع 18: 1). كما كان
موجوداً من قبل عند ارتحالهم فى جبل عيبال وفى جبل جرزيم وذلك عند تجديد يشوع لعهد
طاعة إسرائيل للرب: “حينئذ بنى يشوع مذبحاً للرب إله إسرائيل فى جبل عيبال..
وجميع إسرائيل.. وقفوا جانب التابوت من هنا ومن هناك” (يشوع 8: 3 – 33).

E وفى شيلوه: استمر التابوت فى الخيمة
“بيت الله” (قضاة 18: 31) التى يطلق عليها أيضاً اسم “هيكل
الرب” (صموئيل الأول 1: 9 و3: 3) خلال زمن القضاة، وكان الشعب يحجون
إلى شيلوه للاحتفال بأعياد الرب من سنة إلى سنة قدام خيمة الاجتماع المنصوبة هناك.
(قضاة 21: 19، صموئيل الأول 1: 3) وفى وقت سابق لهذا، وكإجراء طارىء، نُقل
التابوت جنوباً من “شيلوه”
إلى “بيت إيل” على حدود
بنيامين، وذلك فى أثناء الحرب ضد جبعة (قضاة 20: 18 و26 و27).

E ولما استخدمه إسرائيل كتعويذة، أسلمه الرب للفلسطينيين (صموئيل
الأول 4: 3)
فى المعركة الأولى عند حجر المعونة (صموئيل الأول 4: 10 و11)،
ولكن رغم التعبير عن خسارة إسرائيل بصورة مأساوية من خلال الاسم “إيخابود”
ومعناه “قد زال المجد” (صموئيل
الأول 4: 21)
، إلا أن الفلسطينيين قد علموا – من خلال التجربة الأليمة – أن يد
الله الثقيلة قد ارتبطت “بالتابوت”
فقدامه سقط داجون (صموئيل الأول 5)، وضرب الشعب ضربة عظيمة فى المدن
الفلسطينية التى نُقل إليها التابوت، وبذلك أثبت الرب جلاله بين الأوثان.

E بعد سبعة أشهر كان فيها “التابوت”
فى أشدود ثم فى جتّ ثم فى عقرون فى بلاد الفلسطينيين (صموئيل الأول 5: 1 – 12
و6: 1)
، أُعيد التابوت إلى إسرائيل ومعه عطايا رمزية من الذهب، “قربان
إثم” (صموئيل الأول 6: 11)، وظهر حضور الله الفعّال مرتين: الأولى
عندما ساق البقرتين المرضعتين المربوطتين إلى العجلة التى عليها التابوت،
فاستقامتا فى الطريق إلى “بيتشمس” على التخم الشمالى الغربى ليهوذا دون أن تلتفتا
إلى الوراء إلى ولديهما المحبوسين فى البيت خلفهما (صموئيل الأول 6: 12).

والمرة الثانية عندما ضرب خمسين ألف رجل وسبعين رجلاً من أهل بيتشمس لأنهم
نظروا باستهانة إلى “تابوت الرب” (صموئيل الأول 6: 19).

E نُقل التابوت بعد ذلك مسافة عشرة أميال إلى الداخل إلى “قرية يعاريم” إلى بيت أبيناداب
فى الأكمة “وقدسوا ألعازار ابنه لأجل حراسة تابوت الرب” (صموئيل
الأول 7: 1)
“وكان من يوم جلوس التابوت فى قرية يعاريم أن المدة طالت
وكانت عشرين سنة” وهى المدة التى قضى فيها صموئيل للشعب، لم تُبذل خلالها أى
محاولة لإعادة التابوت إلى خيمة الاجتماع (صموئيل الأول 7: 2)، لأن صموئيل
النبى كان يؤكد على التوبة المباشرة لله أكثر من مجرد الاتكال على وجود التابوت
المقدس الذى أساء بنو إسرائيل استخدام وجوده بينهم.

E أهمل شاول التابوت – بوجه عام – كما قال داود فيما بعد
“فنرجّع تابوت إلهنا إلينا لأننا لم نسأل به فى أيام شاول” (أخبار
الأيام الأول 13: 3)
رغم أن التابوت ربما كان معه وقد طلبه قبل معركة مخماس.
“فقال شاول لأخيّا قّدم تابوت الله لأن تابوت الله كان في ذلك اليوم مع بني
إسرائيل” (صموئيل الأول 14: 18). ومع ذلك فإن كلمة “تابوت الله” المذكورة مرتين في
هذه الآية وردت مترجمة إلى “أفود”
في الترجمة السبعينية اليونانية.

E بعد أن أخذ داود مدينة أورشليم وجعلها عاصمته الجديدة نقل إليها
تابوت العهد (صموئيل الثانى 6:، أخبار الأيام الأول 13و15). وبينما نجد
العذر للفلسطينيين في استخدامهم للعربة المربوطة إلى بقرتين لنقل التابوت، وذلك
بسبب جهلهم، فإنه لا عذر مطلقاً للإسرائيليين في أن يتجاهلوا التعاليم الدقيقة
بخصوص نقله وحمله. وقد أوقع الرب القصاص على “عزة”
بن “أبيناداب” إذ حمى غضب
الرب عليه وضربه من أجل أنه مدّ يده إلى التابوت ودنس الأقداس – ولو عن حُسن نية –
فمات هناك (صموئيل الثانى 6: 6، ملوك الأول 13: 9و10). وخاف داود من الرب
في ذلك اليوم. ولم يشأ داود أن ينقل تابوت الرب إليه إلى مدينة داود. فمال به داود
إلى بيت عوبيد آدوم الجتى.

E بقى تابوت الرب في بيت عوبيد أدوم الجتى اللاوى، ثلاثة أشهر (صموئيل
الثانى 6: 11).
ثم “ذهب داود وأصعد تابوت الله من بيت عوبيد أدوم إلى
مدينة داود بفرح” (صموئيل الثانى 6: 12) محمولا بالعصى على أكتاف
اللاويين طبقًا للشريعة (أخبار الأيام الأول 15: 2-15، انظر خروج 25: 14، عدد
4: 15 و7: 9)
. “فأدخلوا تابوت الرب وأوقفوه فى مكانه في وسط الخيمة..
وأصعد داود محرقات أمام الرب وذبائح سلامة” (صموئيل الثانى 6: 17، أخبار
الأيام الأول 16: 1)
وسكن تابوت الله “داخل الشقق” (صموئيل
الثانى 7: 2)
أى في الخيمة التى كان داود قد أقامها مؤقتاً على جبل صهيون (مزمور
3: 4 و9: 11).

E جاء “صادوق”
و”أبياثار” بالتابوت لداود
عند هربه من أورشليم من وجه أبشالوم (صموئيل الثانى 15: 24). “فقال
الملك لصادوق ارجع تابوت الله إلى المدينة، فإن وجدت نعمة في عيني الرب فإنه
يُرجعنى ويُريني إياه ومسكنه” (صموئيل الثانى 15: 25).

E وفي الهيكل الذي بناه سليمان على جبل “المريّا” إلى الشمال من صهيون (أخبار الأيام الثانى 3:
1)
، وضع التابوت في القدس الداخلي أى المحراب (ملوك الأول 6: 19).

E مع أن التابوت ربما قد نُقل من مكانه في الهيكل مؤقتاً في عهد
الملك المرتد منسى (أخبار الأيام الثانى 35: 3 و33: 7)، إلا أنه ظل بعد ذلك
في مكانه بالهيكل حتى غزا نبوخذ نصر أورشليم وأحرق الهيكل في 586 ق.م.

E عند خراب أورشليم على يد نبوخذ نصر لم يُذكر التابوت بالذات، ضمن
ما أخذه نبوخذ نصر وإنما قيل فقط “وأخرج من هناك جميع خزائن بيت الرب” (ملوك
الثانى 24: 13).

E لم يكن في الهيكل الثاني الذي أُقيم بعد السبي (كما يذكر يوسيفوس)
وهذا ما حققه بومبي عندما اقتحم الهيكل بدافع رغبته في اكتشاف ما بداخله، فلم يجد
شيئاً، وذلك سنة 63 ق.م.

ويقّرر
يوسيفوس المؤرخ أنهم وضعوا عوض التابوت قطعة حجر ودعوا اسمها “حجر الأساس” ([3])

E قبل سقوط أورشليم فى يد نبوخذ نصر في 586 ق.م. كان إرميا قد تنبأ
بأنه ستأتى أيام فيها لا يبحثون عن تابوت الرب: “في تلك الأيام يقول الرب
إنهم لا يقولون بعد تابوت عهد الرب ولا يخطر على بال، ولا يذكرونه ولا يتعهدونه
ولا يُصنع بعد. في ذلك الزمان يسمّون أورشليم كرسي الرب” (إرميا 3: 16و
17)
حيث تُستبدل رمزية التابوت بالإيمان المباشر بالله في ظل العهد الجديد (إرميا
31: 31-34).

E في سفر المكابيين الثاني، إشارة إلى مكان التابوت، فقد جاء في
السجلات أن إرميا النبي “بمقتضى وحي صار إليه أمر أن يذهب معه بالمسكن
والتابوت حتى يصل إلى الجبل الذى صعد إليه موسى ورأى ميراث الله، ولما وصل إرميا
وجد كهفاً فأدخل إليه المسكن والتابوت ومذبح البخور ثم سدّ الباب، فأقبل بعض من
كانوا معه ليسمُوا الطريق فلم يستطيعوا أن يجدوه، فلما أُعلم بذلك إرميا لامهم
وقال إن هذا الموضع سيبقى مجهولاً إلى أن يجمع الله شمل الشعب ويرحمهم” (مكابيين
الثانى 2: 4-7).

وهذا يؤكد
التقليد الموجود عند اليهود بأن إرميا النبي نقل التابوت عند غزو أورشليم بواسطة
نبوخذ نصر إلى مغارة في جبل الفسجة.

E ومن الاعلانات في سفر الرؤيا بعد تبويق الملاك السابع “انفتح
هيكل الله في السماء وظهر تابوت عهده في هيكله.. ” (رؤيا يوحنا 11: 18و19)
إشارة إلى الإتمام الكامل لعهد الله بالفداء الذي كان التابوت يرمز إليه دائماً.


 Philo, Life of
Moses
ii,99 (Questions and answers on Exod. no. 62) (1)

([2]) “الجاعل
السحاب مركبته. الماشي على أجنحة الريح. الصانع ملائكته رياحاً وخدامه ناراً
ملتهبة”
( مزمور 104 : 3-4 ، انظر عبرانيين 1: 7 ).

Josephus, Wars, I, 152f,
Antiquities, XIV , 7if. (1)


الفصل الخامس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار