اللاهوت العقيدي

الفصل الثاني



الفصل الثاني
]]>

الفصل الثاني

بقية التسجيلات الإنجيلية لنصوص الإفخارستيا

مقارنة بين هذه النصوص
كما وردت
في الأناجيل والرسالة إلى كورنثوس

عندنا خمسة نصوص
إفخارستية مسجَّلة كالآتي:

1 – الرسالة
الأُولى إلى أهل كورنثوس 11: 23-26 كُتبت في ربيع سنة 57م.

2 – إنجيل
مرقس 14: 22-25 كُتب قبل 67م. ولكن الأبحاث الحديثة تضعه مبكِّراً
جدًّا ([1]).

3 – إنجيل
متى 26: 26-29 كُتب بعد سنة 67م.

4 – إنجيل
لوقا 22: 15-20 كُتب بعد سنة 61م.

5 – إنجيل
يوحنا 6: 51- 71 كُتب سنة 100م.

 

أولاً: مقارنة بين
النصوص ذات الاتجاه الأُخروي (الإسخاتولوجي)

أي تكميل الإفخارستيا
في الملكوت

لقد اهتم بهذا الاتجاه
كل من القديس مرقس والقديس متى والقديس لوقا والقديس بولس:

 

إنجيل مرقس
25: 14

إنجيل متى
29: 26

إنجيل لوقا
22: 16و18

رسالة بولس
1كو 26: 11

الحق أقول لكم إني لا
أشرب بعد من نتاج الكرمة إلى ذلك اليوم حينما أشربه جديداً في ملكوت
الله.

وأقول لكم إني من الآن
لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديداً في ملكوت
أبي

أ . لأني أقول
لكم إني لا آكل منه بعد حتى يُكمَل في ملكوت الله.
ب . لأني أقول
لكم إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى يأتي ملكوت الله.

فإنكم كلما أكلتم هذا
الخبز وشربتم هذه الكأس تُخبرون بموت الرب إلى أن يجيء.

 

وهنا نجد أن تسجيل
إنجيل لوقا يتميز عن تسجيل كل من إنجيل مرقس وإنجيل متى في نقطتين:

الأولى: في الترتيب، إذ يُظهِر
إنجيل لوقا الصورة الأُخروية في بداية التقديس قبل أن يبارك الرب على الخبز أو
الكأس، في حين أن القديسَيْن مرقس ومتى يؤخران هذه الصورة الأُخروية إلى ما بعد
التقديس في نهاية الوليمة قبل الختام مباشرةً.

الثانية: في التكرار، فإنجيل
لوقا يقدِّم لنا الرب وهو يكرر الصورة الأُخروية للوليمة الآتية مرة عند الأكل
ومرة عند الشرب.

وهنا علامة واضحة جداً
أن القديس لوقا إنما يتبع منهجاً خاصاً قائماً بذاته يقوم في الحقيقة على كثير من
الدقة أو التدقيق لا يختلف قط عن تقليد كل من القديسَيْن مرقس ومتى، ولكن يستقصي
ظروفه وكلماته بأكثر تدقيق.

ففي الحقيقة يتبيَّن
لنا أنه يوجد من جهة الصورة الأُخروية (لتكميل الإفخارستيا في الملكوت الآتي)
تقليد واحد يسير في اتجاهين: اتجاه مختصر يتبعه كل من الرسولين مرقس ومتى، واتجاه
مطوَّل أي مستقصى بتدقيق يربط المواقف ويوضِّح الأصول والأسباب، ويتبعه لوقا
الإنجيلي([2]).

والعجيب أن هناك
اتفاقاً كاملاً بين علماء اللغة على أن كل التسجيل سواء اللغوي الحرفي أو التعبيري
العام في كل من الأناجيل الثلاثة فيما يختص بالصورة الأُخروية (تكميل الإفخارستيا
في الملكوت) إنما يستمد أصوله من اللغة العبرية والأرامية وعادات فلسطينية خالصة.
فألفاظ «نتاج الكرمة» للتعبير عن الخمر، و«الملكوت الآتي» و«يُكمَّل»
كمبني للمجهول، باعتبار أن الفاعل هنا هو الله الآب بدون أن يُذكر اسمه، هو في
الحقيقة أسلوب تقليدي للتعبير عن عمل الله السري! وكذلك » حتى يأتي
ملكوت الله «هو تعبير سري عن مجيء الله نفسه، لأن إعطاء صفة الحركة
لملكوت الله هو كناية وإضمار خشوعي عن تحرُّك الله! وهو بالتالي إشارة إلى مجيء
الرب الذي سيأتي في » مجده ومجد الآب «(لو 26: 9)! كل ذلك مع ترتيب الحركة في الأخذ والعطاء والكلام،
إنما يتبع أصولاً عبرية وأرامية وعادات فلسطينية([3]).

 

ثانياً: من جهة الكلمات
الواردة في الأناجيل

التي قالها الرب بعد
البركة على الخبز والكأس

 

والمقارنة هنا ستضم
إنجيل يوحنا باعتباره يقدِّم شرحاً وافياً ومستفيضاً عن معنى الخبز ومعنى الخمر في
الإفخارستيا، إنما في صورة تفسيرية خاصة متقدِّمة على ميعاد الممارسة في العشاء.

ومن
هذا الجدول الذي سنقدِّمه يتبيَّن للقارىء مدى الإنسجام والتوافق العام بين
التسجيلات الخمسة:

(أ) الشرح على الخبز:

 

1كو 24: 11

لو 19: 22

يو 51: 6

مر 22: 14

مت 26: 26

هذا هو
جسدي المكسور
لأجلكم =طpšr
اصنعوا هذا
لذكري

هذا هو
جسدي الذي
يُبذل
عنكم =
طpšr
اصنعوا هذا
لذكري

الخبز الذي أنا
أُعطي هو
جسدي الذي
أبذله
من
أجل
طpšr حياة العالم.
 

خذوا كلوا، هذا هو
جسدي.

خذوا كلوا،هذا هو
جسدي.

 

واضح
من الجدول أعلاه أن الجميع يشهدون أن الرب قدَّم الخبز ومعه تفسيره قائلاً: «هذا
هو جسدي»!

أمَّا الإضافات فتنحصر
في الآتي:

1 – القديس
مرقس يضيف «خذوا» (لا يوجد في النص اليوناني كلمة » كُلوا «وهي مضافة
في التراجم).

2 – القديس
متى يضيف «خذوا كلوا».

والإضافتان أصيلتان،
لأنهما من واقع الحال، فوجودهما أمر طبيعي، وحذفهما لا يفيد غيابهما، إذ يُعتبر
النص بدونهما كاملاً لأنهما مُضمَران فعلاً.

3 – كلٌّ من
القديسين بولس ولوقا ويوحنا يضيف «عن»، جاءت في الترجمة العربية «لأجل» و«عن» و«من
أجل».

 

فبولس الرسول يسجلها » لأجلكم « Øpr
Ømn

ولوقا الإنجيلي يسجلها » لأجلكم « Øpr
Ømn

ويوحنا الرسول يسجلها «لأجل حياة
العالم»:
Øpr
tÁj toà kÒsmou zwÁj

وقد يبدو لأول وهلة
أنها غير موجودة في إنجيل كلٍّ من مرقس ومتى، ولكن الحقيقة أنها ذُكرت فيهما
أخيراً على الكأس، باعتبار أن الجسد كُسِرَ والدم سُفِكَ، كليهما معاً » من أجل «أو » من أجل كثيرين « إلاَّ أن لوقا الإنجيلي ذكر التقليد مكرراً كعادته في الوضعين: وضع
الخبز ووضع الكأس.

ويمكننا أن نقول إن
التكرار في تقليد لوقا الإنجيلي هو دائماً بقصد الحفاظ على قداسة حدود السر جداً
جداً وارتباطه معاً قولاً وفعلاً، خبزاً وخمراً، جسداً ودماً معاً، وذلك تجاه
المحاولات الجاهدة التي ظهرت في أيامه لتجزئة السر أو التخريج منه، كالتقديس على
الخبز فقط بدون الخمر، الذي حدث بعد ذلك لدى كثير من الهراطقة.

ولكن الذي يلزم التنبيه
إليه هو أن لوقا الإنجيلي لا يوسع التقليد من ذاته، وإنما التزم بتقليد قائم ومسلَّم،
فكل إضافة إنما هي سَعْي منه أكثر في استقصاء حقائق موجودة أكثر.

كما يلزم التفريق بين
ما أورده القديسان مرقس ومتى (وموطنهما فلسطين) من قول الرب على الكأس «لأجل
كثيرين»،

وما أورده كلٌّ من القديسَيْن لوقا وبولس (وموطنهما الأمم) على الخبز «لأجلكم». فالبحث اللغوي
في أصول الكلمة([4]) أثبت أن «لأجل
كثيرين»
ذات
أصل عبري واضح، وهي مفهوم يهودي يفيد اليهود والأمم، أمَّا «لأجلكم» فهي ليست
ذات أصل عبري على الإطلاق([5])، وهي تركيب
يوناني صرف، مما ينبهنا أنها تقليد ليتورجي مترجم يناسب الأمم كمخاطب مباشر أخذ به
القديس لوقا مباشرةً.

ولذلك نجد أن في تقليد
كنيستنا القبطية في ليتورجيا الإفخارستيا يقول الكاهن الجملتين الاثنتين معاً «عنكم، وعن
كثيرين»،
وهذه
إحدى المحاولات الكثيرة والعجيبة للحفاظ على أصل التقليد وقداسته بكل أوضاعه وفي
كل مواطنه.

4 – القديس
بولس الرسول يضيف «اصنعوا هذا لذكري» مكررة على الخبز والخمر،
ويقتصرها القديس لوقا الإنجيلي على الخبز فقط، ولكن يتركها كلٌّ من القديس مرقس
والقديس متى، فما هو السبب أو السر في ذلك؟

وبالرغم من أننا سنعود
ونفرد فصلاً خاصاً بهذه الجملة الهامة جداً، ولكن يلزم أن نقول هنا باختصار إنها
جملة قالها الرب على الإفخارستيا باعتبار أنها ذبيحة مقدَّمة لله في شخصه باعتباره
«حمل الله الذي يرفع خطية العالم».
ومعروف في الطقس اليهودي الليتورجي لجميع
الذبائح والتقدمات أن كل ذبيحة أو تقدمة إنما تُقدَّم تذكاراً أمام الله! فالجملة
في حد ذاتها تسجيل إفخارستي لما قاله الرب، ولكنها ليست لازمة ليتورجية أساسية أو
مقولة تابعة بالضرورة للطقس يلتزم الكاهن بأن ينطقها، فهي كعنوان أو أمر أو نظام
أو وصية لعمل. فطالما العمل قائم فهي قائمة بالتالي وبالضرورة.

ولأن كلاًّ من القديس
مرقس والقديس متى يسجل منطوقاً ليتورجيا (خدمة عملية) لإفخارستيا قائمة وقتئذٍ،
دون أن تحوي الليتورجيا القائمة وقتئذٍ هذه الإشارة التفسيرية، فلذلك لم يذكراها باعتبار
أن تكميل الطقس بحد ذاته هو بالتالي تكميل لأمر هذه الوصية
([6]).

كذلك فإن كلاًّ من
القديسَيْن مرقس ومتى يدرك تماماً أنه يكتب عن طقس مفهوم وقائم، لذلك كانا يكتفيان
بتقديم النص بدون الأمر أو الوصية الخاصة به لتوضيحه.

فنصوص الإفخارستيا
المذكورة الآن في الأناجيل كلها وفي رسالة بولس الرسول تنقسم في الحقيقة إلى ثلاثة
أقسام:

(أ) نص إفخارستي،

(ب) أمر إفخارستي،

(ج) شرح إفخارستي.

القديسان مرقس ومتى يكتفيان
دائماً بالنص: » خذوا كُلُوا هذا هو
جسدي «

القديس لوقا لا يكتفي
بالنص، إنما يضيف عليه الأمر: » اصنعوا هذا لذكري « لأنه يكتب للأمم الذين لا يعرفون هذا الأمر.

القديس بولس يقدِّم النص
والأمر
ثم يشرح لأهل كورنثوس معنى هذا الأمر: » فإنكم كلما
أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تُخبرون بموت الرب إلى أن يجيء «(1كو 26: 11)، فلأنه هو الذي سلَّمهم الخدمة الليتورجية
للإفخارستيا عملياً، أصبح مسئولاً عن شرح كل التقليد وأصوله ومفهومه القديم
والحديث.

كذلك ينبغي أن ندرك أن
ما قدَّمه كلٌّ من القديس مرقس والقديس متى كافٍ جداً لإقامة الليتورجية وتكميل
السر! ولكن ما قدَّمه كلٌّ من القديس لوقا والقديس بولس مهم جداً لتكميل التعليم
والعقيدة والحفاظ على أصولها وهيبتها وقداستها، لأن ما قدَّمه كلٌّ من القديس لوقا
والقديس بولس يفتح أعيننا على حقيقة قيام الإفخارستيا كذبيحة إلهية تُقدَّم باسم
يسوع أمام الله (حسب وصية المسيح: » كل ما طلبتم من الآب
باسمي يعطيكم … «يو 23: 16) – كما
يفتح أعيننا على حضور المسيح الحقيقي في الإفخارستيا.

لذلك فنحن مدينون جداً
لهذا الوضع المتمايز في الأناجيل، لأن القديس مرقس والقديس متى يحدِّدان لنا النص
في حدوده القانونية الكافية جداً لإقامة السر. القديس لوقا
يفتح أعيننا لمفهوم النص في أصله التقليدي الذبائحي القديم، فيرفع الإفخارستيا في
إدراكنا وعقيدتنا إلى مستواها السري كذبيحة إلهية مقدَّمة باستمرار أمام الله،
ويأتي القديس بولس الرسول بشرحه فيربط هذه الذبيحة الإلهية في وضعها الحاضر
المستمر الكفاري بوضعها المستقبلي كذبيحة رجاء حي بالرب نعيش فيه إلى أن يأتي!!

(ب) كلمات الشرح التي
قالها الرب على الكأس:

وهنا الوضع يختلف عن
حالة الخبز من جهة الوضع الليتورجي للإفخارستيا، لأن هنا ختام الوليمة، وختام
الوليمة يحمل معنى الشكر الكلي والنهائي على الوليمة، وهذا يعبِّر عنه كلٌّ من
القديسين بولس الرسول ولوقا الإنجيلي بكلمة » بعد العشاء « حيث يمسك الرب كأس البركة بيده اليمنى
ويرفعه مقدار شبر واحد فوق المائدة حسب الطقس وعيناه على الكأس، بعكس حالة
الخبز
إذ تكون عيناه مرفوعتين
نحو السماء،
وهذا واضح أيضاً في
القداس الآن عند الكهنة ذوي الاستلام المتقن.

وبحسب الطقس التقليدي
في زمن المسيح فإن رئيس المتكأ يقول البركة على الكأس بثلاث صلوات قصيرة!

الأُولى: بركة الله
من أجل إطعامه الخليقة بالنعمة والرحمة.

الثانية: شكر الله من
أجل ميراث أرض الموعد.

الثالثة: طلبة من أجل
الرحمة للشعب ولأورشليم وصهيون وبيت الرب والمذبح.

ولا ندري ماذا قال الرب
في هذه الصلوات الثلاث، ولا بد أنه غيَّرها تماماً وقال ما يتناسب مع ذبيحة نفسه
وما يتناسب مع الخلاص ونعمة العهد الجديد وملكوت الله، كما سلَّمها للرسل وكما
سلَّموها لنا.

وكل ما ورثته ليتورجيا
الإفخارستيا في الكنيسة الآن من هذه البركات الثلاث أنها اعتبرتها ثلاثة أفعال
متتالية تمت على كل من الخبز والخمر: الشكر، ثم البركة، ثم التقديس: » وشكر، وبارك،
وقدَّس «(حسب الجدول
التالي). وسيأتي الكلام عنها في موضعها من القداس. والحاضرون حينما يقولون » آمين « يكونون بدورهم قد اشتركوا في البركة!

 

1كو 25: 11

لو 20: 22

مر 14: 23و24

مت 26: 27و28

 
هذه الكأس
هي العهد الجديد
بدمي
 
 
اصنعوا هذا
كلما شربتم
لذكري.

 
هذه الكأس
هي العهد الجديد
بدمي
الذي يُسفك
عنكم
 
 
 

فشربوا منها كلهم، وقال لهم،
هذا هو
الذي للعهد (الجديد)
دمي
الذي يُسفك
من أجل كثيرين.
 
 
 

قائلاً: اشربوا
منها كلكم،
لأن هذا هو
الذي للعهد (الجديد)
دمي
الذي يُسفك
من أجل كثيرين
 
 
لمغفرة الخطايا([7]).

 

التوافق كامل في النص
الأساسي للإفخارستيا بخصوص أن الكأس أو الخمر الذي في الكأس هو بعد البركة، وفي
وضعه الجديد في يد المسيح، هو دم المسيح الذي للعهد الجديد.

1 – غير أنه
في حين أن كلاًّ من القديسَيْن مرقس ومتى يشير مباشرةً إلى الكأس باعتبار أن ما
فيها هو » دم «المسيح الذي للعهد
الجديد (» الجديد «غير موجودة في الأصل
اليوناني في كل من إنجيل مرقس وإنجيل متى)، نجد أن كلاًّ من القديسَيْن بولس ولوقا
يشير إلى الكأس أنها هي كأس العهد الجديد بالدم،
دم المسيح الذي يُسفك من أجل كثيرين. وكلاهما يربط الإفخارستيا بالصليب ربطاً
مباشراً بقوله: » يُسفك «

والحقيقة التي ينبغي أن
نوجِّه النظر إليها، أن الواضح هو أن ما كان يدور في ذهن هؤلاء الإنجيليين وهم
يسجِّلون هذه النصوص، هو أن دم المسيح في كأس الإفخارستيا هو هو دم المسيح المسفوك
على الصليب، كما أحسوا ذلك من قول المسيح. فالعامل الزمني والإحساس التاريخي
مرفوعان هنا من هذا الفعل الإلهي السري. فالمسيح يقدِّم في الكأس دمه الذي يسفكه
على الصليب. فكلمة » يُسفك عنكم «بالفعل
المضارع وهو لا يزال بعيداً عن الصليب بمقدار يوم كامل تكشف عن هذا الإحساس الفائق
للزمن الذي كان في فكر المسيح وفكر الإنجيليين على السواء.

ولكن النص الذي أورده
كلٌّ من القديسَيْن بولس ولوقا فيه محاولة واضحة لإخفاء عملية «شرب الدم»
التي تتوارد إلى الذهن عند سماع النص لأول وهلة، والواضحة في قراءة كلٍّ من
القديسَيْن مرقس ومتى: » اشربوا منها كلكم لأن
هذا هو دمي الذي للعهد الجديد «

وهنا نجد كلاًّ من
القديس بولس والقديس لوقا ينقل لنا، بكل دقة وكل أمانة وعناية، نفس النص
الإفخارستي ولكن في وضع لا يُفهم منه بوضوح أنه يوجد فيه عملية » شرب دم « «هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي»، وقد تجنَّبا في
البداية لفظة » اشربوا منها « حيث رحَّلا كلمة الشرب إلى آخر النص » اصنعوا هذا
كلما شربتم لذكري «

أمَّا
النص الذي أورده كلٌّ من القديسَيْن مرقس ومتى فبقدر ما تحمَّلا عبء العثرة
الشكلية وقتياً
من ذكر شرب الدم علناً وبوضوح، بقدر ما حفظا
للنص الأصيل إلى الأبد رهبته وجماله وقدسيته الفائقة!!

2 – كذلك
نوجِّه نظر القارىء إلى أن هناك فرقاً آخر بين النص الذي أورده القديس مرقس والذي
أورده القديس متى فيما يختص بالشرب. فبينما نجد القديس مرقس الرسول يقول: » ثم أخذ
الكأس وشكر وأعطاهم “فشربوا” منها كلهم وقال لهم: هذا هو دمي… « نجد القديس متى الرسول يقول: » وأخذ الكأس
وشكر وأعطاهم قائلاً: “اشربوا” منها كلكم… «هذه
المفارقة بينهما تظهر أنها طفيفة جداً، إذ أن متى الرسول ينقل الكلام إلى صيغة
المخاطب مباشرة قبل كلمة » شرب «فصارت » اشربوا «بدل » شربوا «- لأن الملاحَظ أن هذا هو أسلوب القديس متى في
مواضع كثيرة من إنجيله([8]
ولكن بشيء من التدقيق نواجه حقيقة هامة: إذ نجد أن القديس مرقس يستخدم نفس أسلوب
المخاطَب في حالة الخبز!! » خذوا كلوا… «

هنا في الواقع نعثر
بواسطة تكرار الأمر للأكل والشرب في نص إنجيل متى الرسول، على أساس قاعدة في طقس
ليتورجيا الإفخارستيا، هي قاعدة «أسلوب التوزيع» الذي يكون بمثابة أمر.
والأمر هنا له صفة البركة، فهو أمر بركة أو أمر حياة: » اختر الحياة
لكي تحيا «(تث 19: 30).

إنها صفة هامة سرية من
صفات ليتورجيا الإفخارستيا هي أن نقبل الحياة في الجسد والغفران في الدم كأمر. الكلمة
الإلهية هنا فعَّالة كأمر يسري مفعوله «مع» السر جنباً إلى جنب.
فالخلاص نأخذه
هنا بالإيمان بطاعة الكلمة الواهبة الحياة الأبدية مع الجسد المحيي والدم الغافر.

نحن هنا مدينون للقديس
متى الرسول الذي فتح أعيننا على «سر التوزيع» في ليتورجيا الإفخارستيا،
الذي يدعِّم السر بسلطان الكلمة كأمر إلهي.

الكنيسة القبطية
الأرثوذكسية منتبهة إلى هذا السر، فهي تكرر الأمر على الخبز وعلى الكأس «خذوا
كلوا»، «خذوا اشربوا»…

3 العهد
(الجديد) لمغفرة الخطايا:

يشترك الإنجيليون
الثلاثة مع بولس الرسول في ربط الدم ب» العهد «أي أن الدم
الذي يُسفك عن كثيرين هو دم عهد.

ولكن يمتاز تقليد كلٍّ
من القديسَيْن بولس ولوقا في تسجيل كلمة «الجديد» على » العهد «فيصير «العهد
الجديد».

وهذه الكلمة بدورها
تفتح أعيننا على أن تقليد كلٍّ من بولس الرسول ولوقا الإنجيلي يشير في الحال إلى
حديث لابد قد أجراه الرب عند توزيع كأس البركة بخصوص هذا العهد. إذ أنه واضح جداً
من تسجيل القديسَيْن بولس ولوقا لكلمة «الجديد»، ثم من امتياز تقليد متى
الرسول في تسجيل «لمغفرة الخطايا»، هاتان الإضافتان توضِّحان أن الحديث
الذي دار كان عن تحقيق نبوة إرميا، وهي النبوة الوحيدة التي يمكن أن تكون موضوع
حديث هذه الساعة، لأنها نبوة هذه الساعة لفظاً ومعنىً وروحاً. فهي تقارن بين العهد
الذي أبرمه الله مع شعب إسرائيل، على دم خروف الفصح في مصر، وبين عهد جديد
آخر يكون على أساس غفران الخطايا!!!

+ » ها أيام
تأتي يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا “عهداً جديداً” ليس
كالعهد الذي قطعْتُه مع آبائهم يوم أمسكتهُم بيدهم لأُخرجهم من أرض مصر،
حين نقضوا عهدي، فرفضتهم يقول الرب. بل هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل
بعد تلك الأيام، يقول الرب، أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم
إلهاً وهم يكونون لي شعباً، ولا يعلِّمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد أخاه قائلين
اعرفوا الرب لأنهم كلهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، يقول الرب، لأني أصفح
عن إثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد.
«(إر 31: 31-34)

وهكذا يشترك كلٌّ من
تقليد القديسَيْن لوقا وبولس مع تقليد القديس متى في جمع شتات التقليد الأول في
نصٍّ إفخارستي متكامل، هو في الحقيقة نفس الحديث ونفس الشرح الذي قدَّمه المسيح
وقت العشاء في نهاية الوليمة وقت توزيع الكأس الأخير الذي به فكَّ رموز نبوَّة
إرميا العجيبة، فكان بالفعل بداية العهد الجديد لمغفرة الخطايا!!

إن الإنسان ليتعجَّب
ويمجِّد الله جداً من أجل عمل الروح القدس في إلهام هؤلاء الإنجيليين، لكي يستقصوا
ويجمعوا هذا التقليد كلاًّ بمفرده، حتى ينقلوه إلينا متكاملاً!!!

4 – القديس
بولس الرسول يعود فيكرر «اصنعوا هذا لذكري» على الكأس بعد أن ذكرها على
الخبز. التقليد الذي ينقله بولس الرسول من جهة هذا التكرار يحمي التركيب الليتورجي
من العبث، إذ يجعل الجسد والدم على توازٍ متكامل من جهة الذبيحة الواحدة المرفوعة
خبزاً وخمراً، جسداً ودماً، كلاًّ منهما مساوٍ للآخر ومكمِّل له. وقد عبَّرت عن
ذلك إحدى القسم السريانية في قولها: [أؤمن أن هذا الجسد لهذا الدم، وهذا الدم لهذا
الجسد].

فالتقليد التكراري الذي
يقدِّمه بولس الرسول ليس من صنعه هو، بل إنه تقليد ليتورجي تسلَّمه، له قيمته
التاريخية العظمى في حفظ التقليد الإفخارستي، ثم إنه يحمل صورة التدقيق في الطقس
الذبائحي الذي يشير إلى قيمة كل حركة وكل كلمة، وهو لا يستثقل التكرار، وذلك
لتوضيح المعنى والقوة السرية المختفية في الذبيحة: الجسد والدم كلٌّ بدوره، وكلٌّ
بقوته، وكلٌّ بمعناه وسره!!

 

ثالثاً: الخصائص
العبرانية في النص الإفخارستي

بحسب إنجيل القديس مرقس

 

لقد استرعى إنجيل
القديس مرقس انتباه العلماء جميعاً في الأزمنة الأخيرة، وبالأخص علماء الإفخارستيا،
إذ اعتُبر بعد فحوص علمية ولغوية في غاية الدقة شملت الجُمَل والكلمات والحروف، أن
إنجيل مرقس يقدِّم أقرب صورة للتقليد الإفخارستي الأَول، أي لعشاء الرب.

ومن ضمن المميزات
المدهشة لإنجيل مرقس تمسُّكه الشديد بترجمة النصوص والكلمات والحروف والاصطلاحات
العبرانية والآرامية إلى اللغة اليونانية ترجمة حرفية في غاية الدقة، بحيث أن مجرد
قراءة النص اليوناني في تركيبه الذي يقدِّمه القديس مرقس الرسول يجعل القارىء
المتعلِّم أن يدرك في الحال أنه نصٌّ عبراني أو أرامي مترجَم بدقة.

وقد جمع العلماء
المدققون ثلاثة وعشرين اصطلاحاً عبرانياً وأرامياً في النص الإفخارستي الذي سجَّله
القديس مرقس في إنجيله.

وهذا الكشف العلمي
البالغ الدقة والأهمية يوصِّلنا إلى حقيقة وهي: أن مرقس الرسول يسلِّمنا في إنجيله
تقليداً بلغته العبرانية، أي بصورته الأُولى الحرفية كما تسلَّمه الرسل من الرب.

ونحن
هنا سنحاول – على قدر الإمكان وبكل الجهد – أن نوضِّح
للقارىء هذه الاصطلاحات العبرانية:

 

أ فيما يختص
بالكلام على الخبز

1 مرقس 22: 14:

مرقس الرسول يبدأ
تسجيله بحرف “واو” العطف ka…، مع أن التسجيل الإفخارستي مقالة قائمة بذاتها لا صلة لها بحديث
سابق: «وفيما
هم يأكلون أخذ خبزاً وبارك».

ولكن لا يقتصر استخدام
مرقس الرسول للحرف ka…
في بداية الكلام بل وفي كل مقطع من المقاطع وكل جملة من الجمل. وهذا في الواقع صفة
من صميم صفات الإنشاء اللغوي العبري الفلسطيني على مدى التاريخ، فمن سفر التكوين
حتى سفر المكابيين تبدأ كل بادئة كلام بحرف ka…، أمَّا الإنشاء في اللغة اليونانية فمعروف أن البادئة تكون دائماً
dš.

أمَّا القديس لوقا
الإنجيلي فإننا نجده يحتفظ أحياناً بشكل الإنشاء العبري فيحتفظ بحرف “الواو” في
البداية ka…،
بينما القديس متى الرسول يحوِّل الإنشاء العبري دائماً إلى إنشاء يوناني فيستخدم dš في البداية بدل ka…([9]).

2- كذلك نجد
أن القديس مرقس الرسول يستخدم تركيباً عبرياً خاصاً في كل فعل من أفعال النصوص
الإفخارستية، فإذا جمعناها معاً تظهر كالآتي:

kaˆ
epen

kaˆ œdwken

kaˆ œklasen

 

22:
14

 

kaˆ œpion

kaˆ œdwken

 

23:
14

 

 

kaˆ
epen

 

24:
14

 

وترجمتها كالآتي:

وكسر … وأعطى وقال

وأعطى … وشربوا

وقال

هذا
التركيب الفعلي في الماضي البسيط، بإضافة حرف العطف، هو تركيب إنشائي عبري صميمي([10]).

3 – (مر 22: 14)
«وأخذ
الخبز وبارك»
([11]): هذا اصطلاح
عبراني يشير إلى حركة معينة يقوم بها رئيس المتكأ عند البركة، فالأخذ هنا عندما
يكون للبركة له حركة تقليدية معينة، إذ يحمل الخبز على يده اليسرى ويردِّده ثم
يبارك عليه باليمنى. الترديد هنا في حركة الرفع، أي أن كلمة » أخذ «هي عبارة عن
رفع وترديد معاً للتكريس أو التقديس([12]).

أي
أن الأخذ هنا كلمة اصطلاحية تفيد عملية طقسية تدخل في صميم الليتورجيا (الخدمة
العملية).

+ » تأخذه …
وتردِّده ترديداً أمام الرب فيكون لك نصيباً.
«(خر 26: 29)

+ » ويأخذ
الكاهن … ويردِّدها الكاهن ترديداً أمام الرب.
«(عد 6: 19و20)

ويلاحَظ أن » الترديد «هو رفع
الشيء وتقديمه لله، وهو يجوز على الأشخاص أيضاً، فيمكن ترديد الشخص أمام الله عند
تقديمه للخدمة:

+ » ويردِّد
هارون اللاويين ترديداً أمام الرب… فيكونون ليخدموا خدمة الرب. «(عد 11: 8)

لذلك، فإن ما قدَّمه
لنا مرقس الرسول بواسطة هذا الاصطلاح الليتورجي كما هو في وضعه الطقسي العبري
الذبائحي والكهنوتي «أخذ، وبارك» إنما يؤكِّد لنا مقدار
ما احتفظه لنا من الشكل الطقسي للتقليد الذي تسلَّمه.

والعجيب أن كنيستنا
القبطية لا تزال تحتفظ بهذه الحركة الطقسية في تقليدها الليتورجي للإفخارستيا،
فالكاهن قبل أن ينطق البركة المثلثة على القربانة يرفعها بيده اليمنى ويضعها على
يده اليسرى، أي » يردِّدها «أمام الله.

4 – «وبارك»
eÙlog»saj هذا الفعل
في العبري Berak وبالأرامية Barek لا يأخذ مفعولاً به، ويستعمله مرقس الرسول بحسب الأصول العبرية
بدون مفعول به. في حين أن القديس لوقا لم يستطع أن يسجِّله في إنجيله بدون مفعول
به لأن ذلك كان يبدو غريباً جداً على مسامع اليونانيين.

لذلك قال في معجزة
الخبزات الخمس والسمكتين » وباركهنَّ « ومعروف في العبرية أو الأرامية أنه إذا وقع الفعل Barek على مفعول به غير الله فإن هذا الشيء لا يكون فقط للبركة بل
للتقديس إذ يصير الشيء مقدَّساً لله!

أمَّا في النصوص
الإفخارستية فنجد أن كلاًّ من القديسَيْن بولس ولوقا يتخلَّصان من الصيغة العبرية
للفعل «وبارك» eÙlog»saj ويترجمانها بترجمة جانبية «وشكر» eÙcarist»saj وهي يونانية خالصة.

5 – (مر 22: 14)
«وكسر
وأعطى»
œklasen kaˆ œdwken:

هنا أيضاً كلمة «كسر» لغرض غير
الأكل، » كسر «هنا للتوزيع، فهي مع كلمة » أعطى «(كسر وأعطى) تشكِّل اصطلاحاً طقسياً، حيث هنا التكسير له أصول
دقيقة.

فالخبزة في وضعها
الإفخارستي لا ينبغي أن تزيد استدارتها عن حجم راحة اليد، ولا يزيد سُمكها عن سُمك
راحة اليد، يمسكها الرب باليد اليسرى ويكسر منها كل مرة قطعة لا تزيد عن حجم
الزيتونة ويعطيها لكل واحد بدوره([13])، وأخيراً
يأخذ هو لنفسه! والطقس القديم يحتِّم على كل واحد أن يظل محتفظاً بكسرته في يده
إلى أن ينتهي الرب من التوزيع ويبدأ يأكل نصيبه، وحينئذ تكون هذه إشارة للجميع
ليبدأوا يأكلون جميعاً معاً([14]).

والمعروف في الطقس
القديم في الكنيسة الأُولى أن طقس وليمة الأغابي كان يتبع فعلاً هذا النظام، أي
يسلَّم لكل متناول في يده([15]).

6 – كلمة «كسر» œklasen التي يقدِّمها لنا
القديس مرقس الرسول من الأصل العبري basa والأصل الأرامي kasa (قصع)، هو اصطلاح طقسي خاص فقط بكسر الخبز للبركة قبل الأكل([16]).
أمَّا في وضعه اليوناني المترجم ب» كسر الخبز «فهو يُعتبر
اصطلاحاً غريباً عن الحياة اليونانية عامةً([17]).

وقد استخدم
الآباء
الكنسيون الأوائل كلمة » كلزما kl£sma «أي » مكسور «أو » مُكسَّر «للتعبير عن
الخبز.

وينبغي على القارىء أن
ينتبه إلى أهمية » كسر «الخبز التي يركِّز
عليها النص، لأنها بحد ذاتها ركيزة هامة من ركائز التقديس، وسوف يرى في شرحنا
للقداس كيف أن » كسر «الخبز يأخذ جزءاً هاماً
في الليتورجيا ويسمَّى ب» القسمة «الذي له
أيضاً أصوله.

كما
يُلاحَظ أن بولس الرسول حينما تكلَّم عن الخبز في الإفخارستيا شرح كيف » كَسَره «يعطي معنى الشركة أو سر الشركة: » الخبز الذي نكسره أَليس هو شركة جسد المسيح؟ «(1كو 16: 10)

7 – (مر 22:
14) «وأعطاهم» kaˆ œdwken aÙto‹j:

يلاحَظ هنا أن الفعل » بارك «ليس له
مفعول به (بارك الله على الخبز)، أي أن الخبز ليس مفعولاً به ل » بارك « ثم هنا الفعل » أعطاهم « وهو تابع ل » بارك «بالعطف عليه،
ليس له مفعول به مباشر بحسب التحليل اللغوي، لذلك هنا » أعطى œdwken «بمعنى » مرَّر عليهم «أو » وزَّع «بدون مفعول
به مباشر، وهو تركيب عبري (انظر تك 6: 3، قضاة 9: 14).

 

ب – فيما
يختص بالكلام على الكأس

 

8 – (مر 23:
14) «وأخذ الكأس وشكر» labën pot»rion eÙcarist»saj:

هذه هي أيضاً كلها جملة
اصطلاحية طقسية. فهنا «أخذ» labèn بالنسبة للكأس لها ترتيب خاص كما وجدنا عند
دراستنا لكلمة «أخذ» بالنسبة للخبز. هنا «أخذ» تستلزم » رفع «الكأس
بمقدار شبر عن المائدة، حيث هنا » الرفع «هو بمثابة
ترديد الكأس أمام الله، وبذلك يتضح أن فعل «أخذ» يفيد عملية
تكريس وتقديس بحد ذاته!! ويعدّ الكأس لمقولة البركة.

والعجيب أن هذه الحركة
الطقسية تحتفظ بها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية حتى الآن في التقليد الليتورجي
للإفخارستيا، فالكاهن عند وقت تلاوة البركة المثلثة على الكأس يرفعه فعلاً بمقدار
شبر فوق الكرسي (أو الصندوق الموضوع على المذبح)، ثم يردِّده الكاهن أمام الله على
شكل صليب في اتجاه النواحي الأربع شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً.

9 – وشكر eÙcarist»saj:

لا تعرف اللغة العبرية
ولا الأرامية إلاَّ صلاة واحدة باسم واحد تُقال قبل الوليمة وبعد الوليمة، وهي » بارك « وتُنطق بالعبرية Berak بِراكْ، وبالأرامية Barek بارِكْ، وتُترجم بكلمة واحدة يونانية eÙloge‹n. ولكن استخدام كلمة eÙcarist»saj محتملة، وقد جازت
كترجمة معنى أكثر منها ترجمة لفظ، باعتبار أن البركة الثانية التي تُقال على الكأس
هي عبارة عن شكر الله.

ولكن الذي يسترعي
انتباهنا هنا هو أن القديس مرقس يستخدم هذه الكلمة بدون مفعول به، وهذا أيضاً
تركيب عبراني([18]).

10 – «وشكر
وأعطاهم»:

هنا جملة ذات اصطلاح
عبري كما سبق، ولكن الملاحَظ أن لا » شَكَر «ولا » أعطاهم «لها مفعول
به مباشر، وهذا وضع عبراني أيضاً.

 

ج – كلمات
الشرح على الخبز والكأس

 

11 – (مر 22:
14) «جسدي» tÕ sîm£ mou:

هنا كلمة sîma، هي الترجمة الأصلية
للكلمة
العبرية التي تفيد معنى » الجسد « أمَّا ما هي الكلمة العبرية التي تفيد تماماً معنى الجسد التي كان
يقصدها المسيح، فقد اتفق العلماء على أنها bašar
(العبرية) وهي بالأرامية bišra (بِشْرة)([19]).

ولكن الذي يوضِّح
بالأكثر أن الاصطلاح الذي يقدِّمه مرقس الرسول عبري كليةً، هو وضع الضمير بعد
الاسم، لأن وضع الضمير قبل الاسم كما جاء في رسالة كورنثوس (24: 11)، لا يُعرف
إلاَّ في اليونانية فقط.

12 – (مر 24:
14) «دمي» tÕ aŒm£ mou:

هنا
يجيء الدم بمفرده منفصلاً عن الجسد. هنا إشارة طقسية إلى عمل الدم الخصوصي، كما هو في التقليد القديم، وهذا وضع عبري صميم. كذلك أيضاً
وجود الضمير بعد الاسم يؤكِّد أن الأصل عبري.

13 – (مر 24: 14)
«الذي
يُسفك»
™kcunnÒmenon:

الفعل » يُسفك «هنا أصله
العبري heerah (هعراه – إهراق؟؟) وهي كلمة لا تُستخدم إلاَّ في
التعبير عن سفك دم الذبيحة: لا تُستخدم في القتل أو الذبح العادي. وموضعها الرمزي
الوحيد الذي يشير إشارة مطلقة لهرق دم المسيح هو إشعياء (12: 53): » أنه سكب
للموت نفسه « والمسيح قالها وهو
يشير إشارة خفية بإصبعه إلى نبوة إشعياء النبي. ثم ينظر بعين الرِضا إلى الصليب،
لأن كلمة » يُسفك «تعني تماماً عند المسيح
ما هو نوع الموت الذي سيجوزه والذي سيجعل الجسد وحده والدم وحده!

أمَّا التركيب اللفظي
للكلمة: » الذي يُسفك «كما جاء في اليونانية،
فهو بحسب المعنى الحرفي في اللغة العبرية يُترجَم كالآتي: » دمي الذي
سيُسفك سريعاً «[20])، حيث
الإشارة هنا للصليب واضحة كل الوضوح. فالربط بين
الإفخارستيا والصليب يتخلل الكلمات والاصطلاحات والمعاني القريبة والبعيدة على
السواء!

والذي
يؤكده العلماء أن الاصطلاح » الذي يُسفك « في وضعه اليوناني يشير إلى أصل عبري واضح.

14 – «يُسفك» «عن
= من أجل» Øpšr:

اصطلاح » من أجل Øpšr «بوضعه الذي جاء به في إنجيل مرقس كاصطلاح
إفخارستي مسلَّم هو ترجمة حرفية غير معروفة في القواعد اليونانية، فهو يشير إلى
أصل عبري مسلَّم كما هو في هذا الوضع الخاص، في حين أن مرقس الرسول في مواضع أخرى
غير تقليدية استخدم غير هذا الاصطلاح (انظر 45: 10 – » فدية عن
كثيرين «.

15 – «كثيرين» pollo…، بالعبرية rabbim:

بينما
كلمة » كثيرين «تشير في العربية كما في اليونانية إلى » الكثرة «ولكن ليس » الكل «
نجد أن أصلها العبراني rabbim
يحتمل معنى » المجموع «(الكل)
الذي يحوي الكثيرين!! هذا الوضع الاحتوائي أو الشمولي للكلمة يعود إلى أن في كل من
اللغة العبرية واللغة الأرامية كلمة » كل «لا
تفيد معنى الكل الكلي الشامل الذي نعرفه في اللغة العربية أو اليونانية أو اللغات
الأخرى. ف» الكل «بالعبرية تُنطق kol وبالآرامية
تُنطق kolla تفيد معنى » المجموع « ولكن ليس » الكل « لذلك فالكلمة توجد دائماً مفردة وليس
لها جمع. فهي تعني » كل
الجماعة «مثلاً
و » جمهورٌ من الأمم «

لهذا
فإن كلمة » كثيرين «pollîn مع Øpšr في معناها العبري الأصلي ينصبُّ على شمول كل الأفراد.

ولعل أوضح استخدام لهذه
الكلمة هو ما جاء في رسالة رومية (15: 5): » لأنه إن كان
بخطية واحدٍ مات الكثيرون oƒ pollo… «
هنا » الكثيرون «كلمة عاجزة في الترجمة بسبب أصلها العاجز
في العبري، إذ أنه كان من الواجب من جهة المقارنة – أن تكون » الكل «وليس » الكثيرين « » فالواحد
«يُقارَن دائماً » بالكل « ومن جهة الواقع أيضاً لأن ليس الكثيرون ماتوا بخطية آدم بل الكل!
وهذا ما تعنيه الكلمة فعلاً.

كذلك يظهر عجزها بعد
ذلك في وضع آخر: » لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد (آدم) جُعِل
الكثيرون خطاةً… «(رو
19: 5)، هنا معروف أنه بسبب خطية آدم شملت الخطية كل الناس وليس أكثرهم، لذلك كان
من الواجب أن يكون الكلام » جُعل الكل خطاة « هنا عجزت الكلمة الأصلية pollîn – rabbim عن إفادة معنى الكل، وتُرجمت كما هي في العبرية » الكثيرين « غير أنها في المفهوم العبري تشمل في نفس الوقت معنى » كل واحد «من داخل
منطوق » الكثرة «

لذلك فاستخدام مرقس
الرسول لهذه الكلمة كما هي في العبرية، يشير إلى أنه ينقل إلينا اصطلاحاً تقليدياً
عبرياً أصيلاً، أي يفيد الشمول » كل واحد من داخل منطوق
الكثرة «

أمَّا مَنْ هم هؤلاء ال» كثيرين «الذين يشير
إليهم مرقس الرسول؟ فقد سبق الكلام عنه في فصل «المعاني العميقة في كلمات الرب
وقت العشاء».

16 – «يُسفك من
أجل كثيرين»
tÕ ™kcunnÒmenon Øpr
pollîn:

هنا وضع شبه الجملة من
حرف الجر والمجرور في نهاية التركيب للجملة لا يتبع الأصول اليونانية، فهو ترجمة
حرفية من النص العبري الأصلي. وهذا الوضع لا يستخدمه إلاَّ مرقس الرسول، أمَّا
الباقون كما جاء في إنجيل متى وإنجيل لوقا فإنهم متحررون من الوضع العبري.

 

د – كلمات
الرب يسوع عن امتناعه عن الأكل والشرب

«الحق (آمين) أقول لكم:
إني لا أشرب بعد من نتاج الكرمة

إلى ذلك اليوم حينما
أشربه جديداً في ملكوت الله.»
(مر 25: 14)

 

17 – «آمين» ¢m»n – متى الرسول
(29: 26) قلبها إلى ما يقابلها في اليونانية d، لوقا الرسول استغنى عنها نهائياً وأتى بكلمة أخرى محلها (18: 22)
=g£r.

وعلى العموم فإنه لا
يبقى من الإنجيليين جميعاً مَنْ أبقى على كلمة » آمين «في كل
مواضعها بعنادٍ وإصرار إلاَّ مرقس الرسول، فهو هنا وفي كل موضع ينقلها كما وجدها
وكما سمعها في نطقها الأصلي الذي استلمه، وقد استخدمها 13 مرة، وهنا هي المرة
الثانية عشرة([21]). وهذا يفيد
مقدار انطباق النص الإفخارستي على أصوله الأُولى العبرية حرفياً.

18 – (مر 25:
14) إني «لا» أشرب «بعد»

no more, by no means.
oÙkšti oÙ m¾ p…w:

هذا التركيب الذي
تتزاحم فيه أدوات النفي لا يوجد ولا يُستخدم في اللغة اليونانية الأصلية، فهو
يُعتبر لدى القارىء اليوناني المتعلِّم » لغة بربرية «[22])، أي أنها
عبارة عن ترجمة حرفية لاصطلاح عبري. وهذا ما فعله مرقس الرسول لينقل نفس اللهجة
ونفس النبرة والتعبير والحروف التي نطقها المسيح في هذا الموقف، لأنه كان ذا وقع
خاص كعهدٍ قطعه على نفسه. وهذا يزيد من يقيننا أن مرقس الرسول كان ينقل لنا
تقليداً حيًّا يتناقل كما هو حرفياً في أفواه الناس.

19 – (مر 25:
14) «من نتاج الكرمة» ™k toà
gen»matoj tÁj ¢mpšlou:

هذا الاصطلاح كله
يعبِّر عن أصل عبري، فالحرف » من « ™k لا يُستخدم في اللغة اليونانية
إلاَّ للشرب من الأواني. هنا يستخدمه مرقس الرسول في غير أصوله اليونانية ليعبِّر
عن المفهوم العبري كما هو، فالحرف العبري تقريباً كما هو في العربي mn » من «

كذلك استخدام مرقس
الرسول لكلمة » نتاج الكرمة «بدل كلمة » الخمر «هو تعبير
ليتورجي عبراني محدد، يُستخدم وقت الصلاة على كأس الوليمة سواء قبل أو بعد العشاء!

20 –حتى
«ذلك» اليوم
›wj
tÁj ¹mšraj ™ke…nhj:

اسم الإشارة: » ذلك «™ke‹noj لا يقع هنا موقعاً لازماً في الجملة اليونانية، فهو مترجم حرفياً
من موضعه الأصلي العبري، وهو يُعتبر من الألفاظ العبرية المألوفة جداً، والتي كان
المسيح يحب استخدامها (راجع مر 21: 14).

21 –في
ملكوت الله
™n tÍ basile…v toà Qeoà:

هنا كلمة » ملكوت الله «ليست في
معناها اليوناني المعروف، فالملكوت تعبير مكاني محدد، ولكن جاءت في معناها العبري =
استعلان حكم الله، كوضع روحي وكقوة عاملة.

وبالرغم من كل هذه
الاصطلاحات العبرية التي التزم بها القديس مرقس في إنجيله والمتزاحمة في النص
الإفخارستي أكثر من باقي إنجيله، نجده يستهلها بجملة يونانية صرف، وهي الجملة التي
أضافها من عنده، بلهجته
اليونانية الخالصة، لكي يبدأ بها تسجيل التقليد. هذه الجملة هي: » وفيما هم
يأكلون «
ولذلك جاءت في تركيبها غير منسجمة – لغوياً – مع التركيب
العبري أو الأرامي السابق. وهذه المفارقة تزيد من يقيننا أنه التزم فيما يختص
بالنص الإفخارستي بالتقليد الحرفي المسلَّم إليه، أمَّا فيما عدا ذلك فكان حرًّا
في انتخاب الاصطلاحات اليونانية اللغوية، لأن مرقس الرسول كان متعلماً ومتضلعاً في
اللغة اليونانية.

 

رابعاً: خلاصة المقارنة
بين النصوص الإفخارستية

في الأناجيل وعند بولس
الرسول

 

أولاً: لقد وجدنا
مما سبق أن المصدر الذي يستقي منه مرقس الرسول، بالرغم من أنه ليس هو المصدر الذي
يستقي منه كل من بولس الرسول ولوقا الإنجيلي، إلاَّ أن التقليد الذي يظهر في
الاثنين ليس فقط متشابهاً بل ومتطابقاً إلى حد يمكن اعتبارهما واحداً!! لدرجة
أدهشت العلماء المدقِّقين. وإليك تصريح للعالِم الألماني الإفخارستي الذائع الصيت
“هانس ليتزمان”:

[إنه نتيجةً للبحوث
التي قمنا بها، نحن نؤكد أن بولس يستخدم نفس التقليد الذي اتبعه مرقس من جهة
العشاء الأخير للرب يسوع.]([23])

وكذلك وبنفس التصريح
يؤكِّد ذلك العالمان “ديبليوس”([24])
و “فاينجان”([25]).

إذاً، يتحقق لدينا أنه
يوجد تقليد واحد للإفخارستيا استقى منه الإنجيليون جميعاً، وبولس الرسول، كل ما
سجَّلوه في الأناجيل والرسائل. والذي يؤكِّد حقيقة وأصالة هذا التقليد الواحد أن
كلاًّ من النصَّين، النص المرقسي في إنجيله المنفرد والنص الذي يشترك فيه كلٌّ من
القديسَيْن بولس ولوقا المنفرد بذاته أيضاً، كلٌّ منهما حرٌّ من الآخر لم يأخذ منه
ولا اطَّلع عليه([26]).

أمَّا هذا التقليد
الواحد الذي أخذ منه الجميع فهو (كما تحقَّقنا من خصائص النصوص الإفخارستية في
إنجيل مرقس) – نصٌّ أصيل تُسُلِّم بالآرامية وبالعبرية.

ثانياً: أمَّا النص
الذي قدَّمه بولس الرسول فقدَّمه بتعبيرات وتركيبات يونانية تتناسب مع الذين كانوا
يستمعون إليه ويمارسون الإفخارستيا على يديه، فكل ما كان يلتبس على الأمم فهمه من
الاصطلاحات العبرانية والآرامية كان القديس يقرِّبه إلى أذهان سامعيه في كلمات
يونانية مفهومة. مثلاً » يُسفك عن (من أجل)
كثيرين «صارت » لأجلكم « و » بارك «صارت و » شكر « » هذا دمي «صارت » هذه الكأس «

ولكن من الأمور المؤكدة
والمتيقنة لدى العلماء أن بولس الرسول لم يغيِّر ولم يُضِفْ شيئاً من عنده، بل
الذي تحقَّق لدى العلماء بالفحص العلمي الدقيق أنه يتبع تقليداً جاهزاً استلمه كما
هو من الرسل الذين سبقوه وسلَّمه كما هو([27])، كما يقول في
رسالته: » لأنني تسلَّمت من الرب ما سلَّمتكم أيضاً «(1كو 23: 11). ولكن الذي يجعل التقليد الذي استلمه بولس الرسول
وسجَّله في الرسالة إلى كورنثوس ذا اعتبار هام وخاص، أنه أول ما تسجَّل عن » عشاء الرب « إذ أن بولس الرسول كتبه في ربيع عام 54م([28]).
غير أن بولس الرسول كان قد سلَّمهم عملياً هذا التقليد الليتورجي في بداية رحلته
التبشيرية إلى كورنثوس، وذلك كان في خريف عام 49م، ثم إشارته إلى أنه تسلَّمه من
الرب، تفيد أنه استلمه في وقت سابق على هذا، ربما يكون أثناء وجوده في أنطاكية عام
45م([29]).

ثالثاً: أمَّا النص
الذي يقدِّمه القديس لوقا الإنجيلي، فهو يستقصي الدقائق التي وراء التقليد الذي
استلمه بولس الرسول، فكل ما قاله وكتبه بولس الرسول كان في يديْ لوقا الإنجيلي،
حينما كان يبحث وينقِّب ويستقصي من كل الأشخاص الذين كانوا معاينين للرب. فكان
يضيف على ما قاله بولس الرسول ما يتأكَّد من صحته.

في حين أن مرقس الرسول
يذهب إلى أبعد من لوقا الإنجيلي بسبب حصوله على نصٍّ يحمل نفس الألفاظ التي قيلت
وقت العشاء.

لذلك يُعتبر نصُّ مرقس
الرسول صورة لفظية وتعبيرية طبق الأصل للتقليد الأَول.

ويُعتبر نص لوقا
الإنجيلي مكمِّلاً لتقليد بولس الرسول.

ويعتبر نصُّ بولس
الرسول أمانة تسليم وتسلُّم من الرب عَبْر الرسل.

أمَّا نصُّ متى الرسول
فهو صورة يونانية للنص الذي سجَّله مرقس الرسول.

أمَّا نصُّ يوحنا
الرسول فيقف منفرداً بذاته إنما قريباً من بولس الرسول.

 

خامساً: ما هي اللغة
التي قدَّس بها الرب

على سرِّ العشاء
الأخير؟

آرامية كانت أم عبرية؟

إن الكلمات التي وردت
في الأناجيل تسمح لنا حتى في ترجمتها اليونانية أن نقرر، بحسب أبحاث العلماء
المتخصصين، أن الرب كان يتكلَّم بالآرامية والعبرية.

فمثلاً: » أبانا الذي
في السموات «التي علَّمها الرب للتلاميذ ترجع في أصولها إلى الآرامية
وليست العبرية، لأن فيها يعبِّر عن الخطية بمفهوم » الدَّيْن «= حوبا Hoba في » اغفر لنا ما
علينا« التي تُرجمت إلى
اليونانية çfe…lhma
وهو معنى آرامي وليس عبرياً (وهذا المعنى هو الذي أخذت به اللغة القبطية أيضاً في
ترجمة » أبانا الذي «.

وقد قام العلاَّمة
دالمان بترجمة كل النصوص الإفخارستية التي وردت في إنجيل مرقس وإنجيل لوقا ورسالة
بولس الرسول إلى أهل كورنثوس، إلى اللغة الآرامية. أي أعاد النصَّ الإفخارستي إلى
أصله الآرامي، فبدت النصوص واضحة ومنسجمة([30])، ثم ألَّف
كتاباً قيِّماً في الأجرومية الآرامية بحسب زمن المسيح شرح فيها كثيراً من هذه
النصوص([31]).

ولكن يعتقد دالمان نفسه
أن البركة التي قالها الرب على الخبز والكأس يُحتمل أنها كانت بالعبرية باعتبارها
أنها كانت » لغة الأسرار «أو اللغة المقدَّسة([32])Lingua Sacra. وتوجد اصطلاحات كثيرة لا يُشك أيضاً في أنها كانت عبرية، مثل:

1 -» شهوةً
اشتهيت « هنا إضافة المصدر
للفعل للتأكيد هو أسلوب عبري محض لا تعرفه اللغة الآرامية([33]).

2 -» حتى “يُكمل”
في ملكوت الله « هنا اصطلاح » يُكمل «هو عبراني
محض وغير معروف في الآرامية، لأن الاصطلاح العبراني في هذا المعنى هو » ملء «mille، أي التكميل، أو يُكمل حتى الملء (كما يُقال في الكتاب المقدَّس: » ملء الزمان «.

أمَّا الاصطلاح الآرامي
في هذا المعنى فهو: » إتقيام «it kayyam أي (قيام الساعة) مِنْ » يقوم «على رجليه.

وهكذا فالمعتقد أن
الأحاديث أو الألفاظ العادية قالها الرب بالآرامية، أي اللغة الدارجة، أمَّا
التقديس – أي البركة، وشرح السرِّ، وكلمات العهد – فقد
قالها بالعبرانية باعتبارها اللغة المقدَّسة.

أمَّا كلمتا » جسدي ودمي «فهما
متقاربان في النطق في كل من العبرانية والآرامية على السواء:

فباللغة العبرانية
تُنطق » هذا جسدي. وهذا دمي «هكذا:

زِه بيصاري زِه دامي Zeh bsari, Zeh idmi.

وباللغة الآرامية تُنطق
هكذا:

دن بيصري دن إدمي Den bisri, Den dami

والنطق في الاثنين قريب
من الكلمة العربية » البشرة «أي » الجسد «ومماثل في » الدم «

ويقدِّم لنا العالم يواكيم
إرميا شهادة بعد أبحاثه الطويلة المضنية على كلمات الإفخارستيا في أصولها
اليونانية والعبرانية والآرامية هكذا:

[نحن عندنا كل الأسباب
لكي نقرر أن صميم التقليد الإفخارستي كما جاء في عشاء الرب بكل ما قاله الرب يسوع
على العشاء الأخير، قد حُفظ كاملاً ووصل إلينا بشكل يُعتمد عليه اعتماداً
جوهرياً!!]([34])


([1]) انظر
للمؤلِّف: “كتاب: شرح إنجيل القديس مرقس” صفحة 30.

([2]) a- Joachim Jeremias, The Eucharistic Words of Jesus,
p. 161.

                                 b- W.
Goossens, Les origines de l’Eucharistie (Gembloux, Paris 1931), pp. 105,
194.

                                            c-  Bultmann, Tradition,
pp. 266, 276, 279.

                                             d- C. H. Dodd,
The Parables of the Kingdom, London, 1936.

 ([3])J. Jeremias, The Eucharistic Words of Jesus, p.
162; Dalman, Jesus-Jeshua, p. 182.

 ([4])Dalman, Jesus-Jeshua, p. 144 f.

 ([5])Schrmann, Einsetzungsbericht, pp. 24-26.

([6]) Max
Thurian, The Eucharistic Memorial, I, p. 17; Benoit, Revue Biblique, 48, 1939,
p. 386.

([7]) يُلاحَظ
أن القديس متى الرسول هو الوحيد الذي ينبِّه على أن الدم لمغفرة الخطايا، ولم يقل
ذلك على الجسد لأن الذبيحة في الماضي (ذبيحة الفصح) كان دمها للتكفير عن الخطايا،
وأكل لحمها للشركة.

([8]) انظر مت
2:3؛ 10:12؛ 10:13؛ 15: 15و25؛ 22:16؛ 9:17؛ 1:18؛ 33:21؛ 26: 1و15و66.

 ([9])J. Wellhausen, cited by J. Jeremias, Euch. Words, p.
174.

 ([10])M. Black, An Aramaic Approach to the Gospels and
Acts,
Oxford, 1954, p. 51.

([11])
يُلاحَظ أن مرقس الرسول لم يذكر اسم يسوع (كما جاء في الأصل اليوناني بخلاف
الإنجيل المترجم إلى اللغة العربية). ويُعتبر هذا دقة منه في نقل
التركيب التقليدي كما هو، بدون أن يحسِّن فيه، وأن التركيب الذي نقله كان الفاعل
فيه معروفاً ضمناً.

 ([12])Goetz cited by J. Jeremias, Euch. Words, p.
174.

([13]) يُلاحَظ
في هذه الأيام أن بعض الكهنة يكسرون الخبزة (الجسد) إلى كومة من الفتافيت قبل
التوزيع، ثم يبدأون يوزعون منها، وهذا وضع شائن جداً بالنسبة للجسد، وغير طقسي
بالمرة، ولا يتبع أي تسليم، وخطر أيضاً، إذ يمكن بحركة خاطئة أن تتناثر هذه القطع
خارج الصينية. والوضع الطقسي حسب التسليم التقليدي أنه بعد تجميع القربانة (الجسد)
بعد التقسيم لا يصح تفريقها مرة أخرى وإنما يؤخذ منها وهي في مكانها ويُعطَى منها
للمتناولين جزءاً جزءاً.

([14]) Dalman, Jesus-Jeshua,
139.

([15]) قوانين
الرسل الباب 35:

[إذا قسَّم
الأسقف الخبز يذوقه أو يأكل مع الإخوة المؤمنين الذين معه، فيتناولون من يد الأسقف
جزءاً جزءاً من الخبز، قبل أن يكسر كل واحد الخبز الذي أمامه. لأن هذا هو بركة
(أولوجية) وليس هو قرباناً مثل جسد الرب].

([16]) Dalman, Jesus-Jeshua,
p. 136.

([17]) T.
Schermann, cited by J. Jeremias, Euch. Words, p. 176.

([18]) Schürmann, Paschamahlbericht,
p. 55; Schlatter, Lukas, p. 137.

([19]) A. Wünsche,
J. Bonsirven, cited by J. Jeremias, The Eucharistic Words, p. 199

 ([20])C. F. Burney, The Aramaic Origin of The Fourth Gospel, Oxford
1922, p.94; H. Odeberg, Short Grammar of Galilaean Aramaic, Lund-Leipzig, 1939, p. 101.

 ([21])J. Jeremias, The Eucharistic Words of Jesus,
pp. 163,182.

 ([22])P. Benoit, cited by J. Jeremias in The Eucharistic
Words of Jesus,
p. 182.

([23]) Lietzmann, Mass
and Lord’s Supper,
p. 185.

 ([24])Dibelius, From Tradition to Gospel, pp. 206,
211.

 ([25])Finegan, ـberlieferung, p. 66 f.

 ([26])Lietzmann, op. cit.,  Goossens, Les
Origines,
pp. 345-352.

 ([27])Otto, Kingdom of God & Son of Man p. 326.

 ([28])F.J. Foakes & K. Lake, The
Beginnings of Christianity, I,
vol. 5, London, 1933, pp. 445-447.

([29])            Schlatter,
«Lukas», p. 421; Héring, Le Royaume de Dieu et sa venue, p. 227.    

([30])G. Dalmann, Jesus-Jeshua, pp. 126, 129, 158, 182,
140 f., 145, 159, 160 f., 171, 181.

 ([31])G. Dalmann, Grammatik des
jüdisch-palästinischen
Aramisch, Leipzig, 1905,
reprint Darmstadt, 1960

([32]) M. Black, Aramaic
Approach,
p. 268 f.

 ([33])Ibid, p.
269.

 ([34])J. Jeremias, Euch. W. of Jes., p. 203.


الفصل الثاني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار