اللاهوت الروحي

الفصل الثامن



الفصل الثامن
]]>

الفصل
الثامن

الأمانة

77-
أهمية الأمانة وحدودها

لست
أقصد مجرد الأمانة في المال والأمور المادية، أي أن الإنسان لا يكون سارقاً أو
ناهباً لغيره.. إنما أقصد الأمانة بوجه عام في كل تصرفات الشخص وحياته الروحية:

أمانة
في علاقته مع الله، ومع الناس، ومع نفسه.

وقد
دعانا السيد المسيح إلى هذه الأمانة فتحدث عن الأمانة في الخدمة، وعن ”
الوكيل الأمين الحكيم، الذي يقيمه سيده على عبيده ليعطيهم طعامهم في حينه”
(لو12: 42). بل أنه أكثر من هذا:

ذكر
أن الأمانة هي مقياس الدينونة، وعماد الدخول إلى الملكوت.

إذ
أنه سيقول لمن يستحق الدخول إلى ملكوته “نعماً أيها العبد الصالح والأمين كنت
أميناً في القليل، فأقيمك على الكثير. أدخل إلى فرح سيدك” (متى25: 21، 23).

ولكن
إلى أي حد تكون الأمانة؟ يقول الرب:


كن أميناً إلى الموت، فسأعطيك إكليل الحياة” (رؤ2: 10).

“إلى
الموت”، أي إلى الحد الذي تبذل فيه ذاتك وتضحي بحياتك، من أجل أن تكون أميناً..
ولعل هذا يذكرنا بتوبيخ القديس بولس الرسول للعبرانيين على عدم أمانتهم في مقاومة
الخطية. فيقول في ذلك:


لم تقاوموا بعد حتى الدم، مجاهدين ضد الخطية” (عب12: 4).


حتى الدم “، أي لو أدي الأمر أن يكون الإنسان مستعداً لسفك دمه، وهو يجاهد ضد
الخطية. وبذلك يكون أميناً في علاقته تجاه الله، ولا يخونه بالاستلام للخطية.

والأمانة
هي التي ساعدت الأبرار على الوصول.

كثيرون
بدءوا الطريق معاً. ولكن بعضهم وصل، والبعض لم يصل، والبعض تأخر. وما السبب في
ذلك؟ السبب هو أن البعض كانوا أمناء في كل واجباتهم الروحية، فاستطاعوا أن ينالوا
الأكاليل، بعكس غيرهم..

 

والأمانة
تشمل الأمور العالمية، كما تشمل الأمور الروحية:

 

فكما
يهتم كل إنسان بر وحياته، ينبغي أن يكون أميناً في كل عمل يعمله فالتلميذ ينبغي أن
يكون أميناً في كل عمل يعمله. فالتلميذ ينبغي أن يكون أميناً في حياته الدراسية،
في مذكراته ومراجعته ونجاحه وتفوقه. وكذلك العامل في إتقانه لعمله وحفظه لمواعيده،
وكذلك الموظف، وكل من هو في مسئولية..

 

يوسف
الصديق كان إنساناً روحياً، وأميناً في عمله.

 

كان
أميناً في خدمته لفوطفيار، حتى أزدهر عمل الرجل. وكان أميناً أيضاً في عمله كوزير
تموين لمصر، حتى أنقذها وأنقذ البلاد المحيطة من المجاعة. بل كان أميناً أيضاً في
عمله وهو سجين، لدرجة أن حافظ السجن ائتمنه على مسئوليات..

 

وهناك
في الحياة العملية، أمور لاختبار الأمانة:

 

مثال
ذلك من يحصل على شهادة مرضية زائفة، لمجرد الحصول على عطلة من العمل بدون وجه حق.
وهو لا يكتفي بأن لا يكون أميناً، بل يعثر في ذلك الطبيب بمكافأة على عمل زائد (over time) بينما يمكن القيام بالعمل في الوقت العادي بدون زيادة..

والأمثلة
كثيرة:

ومنها
أيضاً من ينتقل الأخبار بطريقة غير أمينة..

أو
من لا يكون أميناً على سر أؤتمن عليه..

ومن
لا يؤدي أية مهمة كلف بها بالأمانة المطلوبة:

ننتقل
إلى نقطة أخرى وهي:

 

78-
أمانتك تجاه الله

إذا
كان الله أميناً في علاقته بنا، للدرجة التي وصلت إلى التجسد والفداء، وإلى هذا
الحد وصلت محبته ووصل بذله، فكم بالأولي يجب علينا نحن أن نكون أمناء؟!

 

وأمانتك
تجاه الله، تعني أنك لا تخونه أبداً.

خذ
مثالاً لذلك: إنسان متزوج، إن كانت زوجته أمينة له، فمهما أعطاها من حرية دون
رقابه، تكون أمينة له، لا نخونه، ولا تكون لها علاقة مع غيره..

كذلك
نفسك، إنها عروس للمسيح، لا تخونه مع العالم، ولا تخونه مع الشيطان، ولا مع أي فكر
شرير.

قلبك
الذي هو ملك له، لا تفتحه لأعدائه.

والإنسان
الأمين، لا يتساهل مع أية خطية، لأنها عداوة لله. لا يتراخي مع أي فكر خاطئ، بل
بكل أمانة يطرده بسرعة. لا تقبل على الإطلاق أي أمر يفصله عن الالتصاق بالله،
معتبراً أن كل خطية هي خطية موجهة أساساً إلى الله، لأنها ضد أي أمر يفصله عن
الالتصاق بالله، معتبراً أن كل خطية موجهة أساساً إلى الله، لأنها ضد محبته وضد
مشيئته وضد وصاياه، وضد الثبات فيه، كما تسامي يوسف الصديق عن الخطية وهو يقول:

كيف
أصنع هذا الشر العظيم، وأخطئ إلى الله” (تك39: 9).

معتبراً
أن تلك الخطية ليست موجهة أصلاً إلى فوطيفار أو إمراته، إنما هو فيها ” يخطئ
إلى الله “.. وبنفس المعني قال داود النبي للرب في المزمور الخمسين ” لك
وحدك أخطأت والشر قدامك صنعت)..

 

والخطية
هي انفصال عن الله، بل هي تمرد عليه.

 

والإنسان
الأمين في علاقته مع الله، لا يقبل اطلاقاً ما يفصله عنه، كما قال القديس بولس
الرسول ” فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات،
ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق، ولا خليقة أخري، تقدر أن تفصلنا عن
محبة الله، التي في يسوع المسيح ربنا” (رو8: 38).

 

الذين
عرفوا الله بالحقيقة، لم يتركوه أبداً.

 

وتقدم
مثالاً لذلك، قديسي التوبة، الذين لما تابوا، وذاقوا محبة الله، لم يرجعوا مرة
أخري إلى الخطية، التي تفصلهم عن محبة الله. بل استمر نموهم في المحبة حتى وصلوا
إلى درجات من الكمال. ونذكر من بين هؤلاء: القديس أوغسطينوس والقديس موسى الأسود،
والقديسة مريم القبطية والقديسة بيلاجية πελαγία.

 

وعن
الحياة الخاطئة السابقة، قال القديس أوغسطينوس للرب:

 

لقد
تأخرت كثيراً في حبك، أيها الجمال الفائق الوصف.

 

معتبراً
ومعترفاً أنه كان في حالة الخطية بعيداً عن محبة الله. هذا من الناحية السلبية.
أما من الناحية الإيجابية فتقتضي الأمانة لله أن يكون الإنسان أميناً في كل أعماله
الروحية: في صلواته لأنها حديث مع الله، وفي قراءته للكتاب، لأنه في ذلك يستمتع
إلى الله. كما يكون أميناً في تأملاته وفي تسابيحه وفي اعترافه وفي تناوله وفي
صومه..

 

كما
يكون أيضاً أميناً في خدمته وروحانيتها.

 

أميناً
في التعليم، كما قال الرسول ” تكلم بما يليق بالتعليم الصحيح” (تى2: 1).
فلا يقدم أفكاره الخاصة كعقيدة. ولا يقدم تعليماً للناس إلا ما قد تسلمه من
الكنيسة عن طريق قديسيها. كما قال القديس بولس لتلميذه تيموثاوس ” وما سمعته
مني بشهود كثيرين، أودعه أناساً أمناء، يكونون أكفاء أن يعملوا آخرين أيضاً (2تي2:
2).

 

وكما
يكون أميناً في التعليم، يكون أميناً في الافتقاد، وفي السعي لرد الضال.

 

وقد
أعطانا السيد المسيح مثلاً لذلك في السعي وراء الخروف الواحد الضال (لو15)، وفي
عمله من أجل زكا والمرأة الخاطئة.. وفي أنه جاء ” ليخدم ويبذل نفسه فدية عن
كثيرين” (مر10: 45).

ولنذكر
من جهة الأمانه قول الكتاب:

“ملعون
من يعمل الرب برخاوة” (أر48: 10).

فالأمين
في عمل الرب، يعمله بكل حرارة، وبكل اجتهاد واخلاص، وبكل غيره مقدسة، وبكل عاطفة
وحب. ويتعب من أجل الرب، ولا يعطي لعينيه نوماً، ولا لأجفانه نعاساً، إلى أن يجد
موضعاً للرب في كل قلب. كما قيل في الدسقولية عن الأسقف إنه ” يهتم بكل أحد
ليخلصه “. وينطبق هذا القول على كل معاونيه..

 

وبهذه
الأمانة في الخدمة عاش الأباء الرسل.

شهدوا
للرب بكل أمان. كانوا أمناء، وأوصلوا الرسالة إلى كل أقطار المسكونة، كما قيل عنهم
في المزمور ” الذين ليس لهم صوت، بلغت أصواتهم إلى أقطار المسكونة”
(مز19). فعلوا ذلك بكل مجاهرة وبكل قوة، واحتملوا السجن والجلد والطرد والعذاب،
وهم يقولون عبارتهم المشهورة ” ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس” (أع5:
29 9. وكمثال لهذه الأمانة قال القديس بولس الرسول:

 


جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان” (2تي4: 7).

 

وقال
” وأنا أشكر المسيح يسوع ربنا قواني، إنه حسبني أميناً إذ جعلني للخدمة”
(1تي 1: 12). وهكذا كان القديس بولس يمتدح في مساعديه أمانتهم في الخدم. فيقول
” تيخكس الأخ الحبيب والخادم الأمين في الرب” (أف6: 21) و” أبفراس
العبد الحبيب معنا الذي هو خادم أمين للمسيح” (كو1: 7)، ” وأنسميس الأخ
الأمين الحبيب” (كو4: 6)، “تيموثاوس الذي هو ابني الحبيب والأمين في
الرب” (1كو4: 17).

 

لهذا
نسمي المسئول عن الخدمة: أمين الخدمة.

سواء
الأمين العام، أو أمين الفرع، أو أمين أسرة.. كل منهم قد وضعت الخدمة أمانة في يده،
لكي يقوم بعمله فيها بكل أمانة. لذلك يقال عن الخادم إنه أؤتمن على خدمة. أو استأمنه
الله عليها، وفي ذلك يقول القديس بولس الرسول ” الكرازة التي أؤتمنت أنا
عليها” (تى1: 3)، ” أؤتمنت على إنجيل الغرلة، كما بطرس على إنجيل
الختان” (غل2: 7). ويقول أيضاً ” قد استومنت على وكالة.. فويل لي إن كنت
لا أبشر” (1كو9: 17، 16). والخدمة إن أمانة أمام الله، ينبغي أن يكون فيها
الخادم أميناً، وليس هو مجرد لقب..

والأمين
في علاقته مع الله، يكون أيضاً أميناً في عهوده وفي نذوره..

من
أول عهد نطقته أمه في جحد الشيطان، نيابة عنه في يوم معموديته، إلى سائر المناسبات،
وتعهداته في سائر لمناسبات وبخاصة في أوقات الضيقات..

ويدخل
في هذا النطاق نذوره التي يقول عنها الكتاب:


أن لا ينذر، خير من أن تنذر ولا تفي” (جا5: 5).

لذلك
عليك أن تجلس إلى نفسك، وتتذكر كل عهودك ونذورك، لكي تفي بها ولو متأخراً، فهذا
خير من أن تهملها تماماً. ولا تحاول بعد أن تنذر، أن تعود فتناقش الأمر من جديد،
وتساوم، وتحاول أن تغير وتبدل، أو تتخلص من نذرك وعهودك. وقبل النذر والتعهد ينصحك
الكتاب قائلاً “لا تستعجل فمك. ولا يسرع قلبك إلى نطق كلام قدام الله”
(جا5: 2).

أمانتك
للرب تشمل أيضاً أمانتك في الشعور والبكور.

لأنها
ليست لك. إنها نصيب الرب. تدفعه لمستحقيه. للكنيسة والفقراء.. وإلا كانت هذه
الأموال هي ” مال ظلم ” عندك. قد ظلمت فيه من يستحقونه، واستبقيته عندك.
وعن هذا المال وأمثاله يقول الكتاب ” اصنعوا لكم أصدقاء من مال الظلم”
(لو16: 9). وهكذا يقول الرب في سفر ملاخي النبى ” أيسلب الإنسان الله؟! فإنكم
سلبتموني! فقلتم بما سلبناك؟ في الشعور والتقدمة” (ملا3: 8).

ننتقل
إلى نقطة أخري وهي: أمانتك نحو نفسك

 

79-
أمانتك نحو نفسك

وتشمل
أموراً عديدة منها: أمانتك لأبديتك، والاهتمام بروحك، وبنموك الروحي، وأمانتك في
مقاومة الخطية، وأمانتك من جهة وقتك، ومن جهة عقلك..

 

الأمين
لأبديته يبذل كل جهده لكي يؤهل لها.

 

هذا
ينظر إلى نفسه كغريب على الأرض، لا يشتهي شيئاً مما فيها، وكل رغباته مركزة في
الحياة الأبدية، كما قال الكتاب “غير ناظرين إلى الأشياء التي تري بل إلى
التي لا تري. لأن التي تري وقتيه. أما التي لا تري فأبدية” (2كو4: 18).

 

وهو
في ذلك يهتم بروحه بكل الاهتمام أكثر مما يهتم بجسده.

 

وهذا
عكس ما نراه في دنيانا. لأن كثيرين يهتمون بأجسادهم في أكلها وفي لبسها وفي صحتها
وفي علاجها وتقويتها وأيضاً في رياضتها.. بينما أرواحهم لا يهتمون بها على الإطلاق،
كما لو كانت أبديتهم لا تشغل بالهم أبداً..

 

الأمناء
لأبديتهم يهتمون بغذاء أرواحهم.

يقدمون
للروح كل ما تحتاجه من كلمة الله، ومن الصلوات والتراتيل والتأملات، ومن
الاجتماعات الروحية والصدقات الروحية. وما يغذيها من سر الأفخارستيا، بكل
استعدادته، وما يغذيها أيضاً من محبة الله ومن ثمار الروح، ومن التداريب الروحية
النافعة.. فهل أنت كذلك.

 

والأمناء
لأبديتهم يهتمون بعلاج أرواحهم.

 

إن
وجدوا أي مرض روحي يزحف إليهم، يلجأ ون إلى طبيب أرواحنا وأجسادنا، إلهنا الذي قوة
بروحه القدوس. كما يلجأ ون إلى الآباء والمرشدين الروحيين يطلبون علاجاً لأنفسهم
علاجاً من كل شهوة خاطئة ومن كل فكر شرير..

 

والأمناء
لأرواحهم دائماً بنموهم الروحي.

 

فهم
لا يكتفون أبداً بأي مستوي يصلون إليه، ذلك لأن الله يطلب منهم القداسة والكمال.
فيقول ” كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل” (متى5: 48)
ويقول الكتاب أيضاً ” نظير القدوس الذي دعاكم، كونوا أنتم أيضاً قديسين في كل
سيرة” (1بط 1: 15).

 

لذلك
فالأمناء لأرواحهم يعيشون جياعاً وعطاشاً إلى البر.

 

وذلك
لينالوا الطوبي التي وعد بها الرب (متى5: 6). عطشهم إلى الرب لا ينتهي، مهما
ارتووا منه يطلبون المزيد، قائلين مع داود رجل المزامير والصلوات ” عطشت نفسي
إليك ” ” كما يشتاق الأيل إلى جداول المياه، كذلك اشتاقت نفسي إليك يا
الله” (مز63). ومهما ارتفعوا في الفضيلة، يشعرون أنهم في حاجة إلى مزيد، كما
حدث للقديس بولس الذي صعد إلى السماء الثالثة (2كو12: 2، 4). وع ذلك كان يقول
“لست أحسب نفسي” لست أحسبت نفسي أني قد أدركت.. ولكني أسعي لعلي أدرك..
أنسي ما هو وراء وامتد إلى ما هو قدام. اسعي نحو الغرض..” (في 3: 12 14).

 

وهكذا
فالأمين لروحياته يعيش في نمو دائم.

 

كالشجرة
التي هي كل يوم في نمو، سواء شعرت أنت بذلك أم لم تشعر.. وقد قال المزمور في ذلك
” الصديق كالنخلة يزهو، كالأرز في لبنان ينمو” (مز92: 12). إنه ينمو في
صلواته طولاً وعمقاً، وينمو في إيمانه وفي اتضاعه وفي محبته، كما ينمو قي بذله
وعطائه، ولا يقف عند حد. ويوبخ ذاته كلما توقف نموه.

 

وفي
نموه لا يبحث عن أبديته فقط، أنما أيضاً عن مركزه فيها.

 

ومادام
كل إنسان سيأخذ أجرته بحسب تعبه (1كو3: 8)، فهو يتعب بكل جهده، لينال أجره أكثر.
ومادام ” نجم يفوق نجماً في المجد” (1كو15: 41). فهو أيضاً يعمل لكي
يستحق تلك الأمجاد الأبدية ويتفانى في محبة الله، وينمو فيها باستمرار، حتى يمكنه
أن يتمتع بذلك في الأبدية، شاعراً أن نموه في محبة الله، ليس يساعده فقط على أبدية
أسعد، إنما أيضاً يحرسه هنا من السقوط. والأمانة تدعوه أن ينمو..

 

فهل
أنت ذلك، وهل في كل يوم تنمو؟..

 

أم
تراك مازلت حيث أنت وقد توقف نموك. أم أنت ترجع إلى خلف، وقد بردت محبتك الأولي. أم
أنت لا تزال محتاجاً إلى توبة لكي تقوم..؟ اسأل نفسك. فإن كنت كذلك فإن الأمانة
تقتضي منك الجهاد بكل قوتك في مقاومة الخطية.

 

احترس
من أن تخجل أحد أبواب نفسك مفتوحاً للخطية.

 

بكل
أمانة سد جميع الأبواب التي يدخل منها الشيطان إلى نفسك. كن أميناً في ضبط فكرك
وفي ضبط حواسك. لأن الحواس أبواب للفكر. كما أن الفكر باب تدخل منه الشهوة إلى
القلب. أما أنت فرتل مع داود النبي قائلاً ” سبحي الرب يا أورشليم. سبحي إلهك
يا صهيون. لأن الرب قوي مغاليق أبوابك، وبارك بنيك فيك” (مز147). حقاً كما
قيل في النشيد:

 


أختي العروس جنة مغلقة.. ينبوع مختوم” (نش4: 11).

 

إنها
جنة حافلة بثمار الروح، ولكنها مغلقة أمام عدو الخير وكل أفكاره وكل حيلة، لا
يستطيع أن يدخل إليها، لأن الرب في داخلها. إنها هيكل لروحه القدوس (1كو3: 16).
لذلك هي محصنة تماماً ضد هجمات العدو.

 

هذه
النفس الأمينة تشبه سفينة بلا ثقوب.

 

لا
يوجد فيها ثقب واحد يدخل منه الماء. الماء يحيط بها من كل جانب، ولكنه في الخارج،
لا يجد منفذاً أمامه ينفذ منه إلى داخلها. هكذا الإنسان الأمين. وإن رأي الشيطان
يحاول أن يثقب ثقباً في نفسه، يسارع بعلاجه بلا إبطاء. وتبقي نفسه سليمة، يحاربها
الشيطان من الخارج، دون أن يدخلها

 

والإنسان
الأمين لروحياته لا يبرر نفسه إن سقطت.

 

ولا
يتعذر بضعفه، ولا بشدة الحروب التي تصادفه، بل هو يقاوم حتى الموت. إن يوسف الصديق
رفض الخطية، ولم يعتذر بالظروف الضاغطة عليه. ودانيال النبي والثلاثة فتية تمسكوا
بالرب ولم يعتذروا بأنهم أسري في السبي، وبأن التهديدات شديدة ومرعبة: جب الأسود
وأتون النار.. بل صمدوا. وكذلك كان الشهداء أمام كل ألوان التعذيب والتخويف..

 

فالإنسان
الأمين إنسان صامد، يحارب حروب الرب ببسالة.

 

لا
يقول ” حدث هذا الأمر غضباً عني، أو فوق إرادتي “. كلا بل إنه يقف أصعب
الحروب الروحية، كما وقف داود الصبي أمام جليات الجبار، بكل إيمان وبدون خوف،
واثقاً أن الله سينصره. والإنسان الأمين في حروبه يذكر ما يقال عن ضابط الجيش
الباسل:

 

إنه
يقاوم إلى آخر طلقة وأخر رجل.

 

أي
بكل ما عنده من جهد، وبكل ما أوتي من نعمة ومن معونة، ولا يستسلم مطلقاً للعدو،
ولا يخون الرب، ولا يعتمد على أعذار يقدمها.

 

وقصص
الكتاب وقصص التاريخ حافلة بأمثلة الأقوياء الأمناء الذين ثبتوا في محبة الرب مهما
كانت الظروف المحيطة بهم.

 

إذا
وجدت أمانة القلب، توجد أمانة الإرادة.

 

فالذي
يريد، يستطيع. وإن أعوزته القوة، يطلبها من فوق فتأتيه. ولذلك مع حديث القديس بطرس
الرسول عن قوة الشيطان، وكيف أنه مثل أسد يزأر ويجول ملتمساً من يبتلعه هو، نراه
يقول بعد ذلك:

 


فقاوموه راسخين في الإيمان” (1بط1: 8، 9).

 

نعم،
إن المقاومة هي دليل الأمانة، على أن تكون مقاومة جادة، من عمق القلب، وبكل
الإرادة. وماذا تكون نتيجة المقاومة؟ يقول القديس يعقوب الرسول:

 


قاوموا أبليس فيهرب منكم” (يع4: 7).

 

 المهم
إذن في القلب النقي الأمين الذي يريد أن يقاوم، ويدفع الإرادة لكي تقاوم. ولهذا
كان الرب يسأل عن حالة القلب أولاً، وقبل أن يشفي مريض بيت حسدا، يسأله أولاً
” أتريد أن تبرأ” (يو5: 6).

 

إن
الشيطان من عادته أن يجس نبضك أولاً.

 

يختبرك
هي تتساهل معه ولو في أمر بسيط جداً. فإن فعلت، يتجرأ إلى ما هو أكثر. إن فتحت
أمامه ولو فتحته كثقب إبرة، يهجم عليك بقوة أكثر، لأنه يدرك بذلك أن أمانتك ليست
كاملة أمام الله، وأ تساهلك في القليل يشجعه على أن يجد فيك موضعاً، أو نقطة ضعف
يستغلها!

إن
تساهلت في الحواس، يحاربك بالأفكار.

وإن
تساهلت مع الفكر، يحاربك بالشهوة.

وإن
تساهلت مع الشهوة، يحاربك بإتمام الفعل.

 

لذلك
لا تتساهل مطلقاً في أي شئ. وإن سقطت في خطوة، أسرع وقم ولا تتطور إلى غيرها.
فالأمانة تقتضي منك أن تلاحظ نفسك، ولا تهمل في نقاوتها ولا في أمر خلاصها. وإن
وجدت الشيطان قد ألقى في فكرك أي أمر رديء، تذكر بسرعة قول الكتاب:

 


مستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح” (2كو10: 5).

الإنسان
الأمين لأبديته وروحيا ته يراقب نفسه. لا ينتظر حتى تسقط سقطه مميتة، إنما إن وجدت
شيئاً من الفتور قد زحف إليها، يسرع إلى معالجته لئلا يتطور الأمر معه. إن يقاوم
الخطأ من بادئ الأمر، ولا تمهل حتى يصل إلى خطورة تتعبه. ذلك لأنه إن تراخي، لن
يتراخى الشيطان معه.

 

إن
الإنسان الأمين لا يعتذر بقله إمكانياته.

 

إنما
هو يحاول إمكانياته باستمرار. وهو لا يعتذر بعدم قدرته، لأن الله قادر أن يمنحه
القوة. والله أمين لا يسمح أن يجرب أحد بما هو فوق قدرته. وفي ذلك قال الرسول
” ولكن الله أمين، الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون. بل سيجعل مع
التجربة المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا” (1كو10: 13).

 

الإنسان
الروحي أمين من جهة وقته.

يستغله
فيما يفيده من كل ناحية، يفيده روحياً، ويفيده عقلياً، ويفيده من جهة خدمة الآخرين.
وهو يرى أن هذا الوقت جزء من حياته لا يجوز أن يبدده بلا فائدة. والوقت أيضاً
أمانة قد أؤتمن عليها ينبغي أن ينفقه في الخير فانظر كم من وقتك يضيع عبثاً. واسأل
نفسك: هل أنا أمين من جهة وقتي..

 

خذ
مثلاً لذلك أمانتك من جهة يوم الرب.

إنه
للرب، ملك له. إن كنت غير أمين في قضاء هذا اليوم بطريقة روحية كيوم الرب، يقال عن
مواسم الرب وأعياده. إنها له، أيام مقدسة. يقول الرب في سفر اللاويين “موسم
الرب التي تنادون فيها محافل مقدسة. هذه هي مواسمي” (لا23: 2). ويذكر الرب
تقديسها كالسبوت تماماً (لا23: 8: 25، 32، 39).

فهل
أنت أمين لأيام ومواسمه وأعياده؟ وهل تقدسها؟

 

80-
أمانتك نحو الآخرين

الإنسان
الأمين، كما هو أمين لملكوت الله داخله، هو أيضاً أمين لملكوت الله في الآخرين،
يحبهم كنفسه، ويحرص عليهم كحرصه على نفسه، ويهتم بخلاصهم ونموهم وسعادتهم كاهتمامه
بنفسه. فهكذا الوصية (متى22: 39).

إن
الله حينما خلق الشجر، لم يخلقه الشجر،، إنما وضع فيه خاصية هامة وهي أنه جعله:

شجراً
ذا ثمر، يعمل ثمراً كجنسه (تك1: 11).

والبقل
أيضاً خلقه ” يبذر بذراً كجنسه” (تك1: 12). فهل أنت كهذا الشجر تعمل
ثمراً كجنسك، وتبذر ينبت هو أيضاً؟ هل أنت تنشر ملكوت الله حيثما تحل؟ ما مدي
أمانتك لملكوت الله؟ سؤال أقدمه لك ن تجيب عنه فيما بينك وبين نفسك، وأيضاً تجيب
عليه أمام أب اعترافك..

 

هل
إن دخلت بيتاً، تدخله كلمة الله معك.

هل
إن هشت وسط الناس، أصدقاء أو معارف أو زملاء، يكون لك فيهم ثمر روحي، سواء بالكلام
أو بالقدرة أو بكليهما؟ هل إن زرت أناساً يقولون في قلوبهم ” اليوم زارنا
المسيح “؟ هل بركة الرب تحل بسببك؟

 

هل
في أمانتك تصير للأرض ونوراً للعالم؟

أليس
هكذا أوصانا الرب في عظته على الجبل (متى5: 13، 14). فهل نحن أمناء في تنفيذ هذه
الوصية؟ إن القديس بطرس الرسول يقول ” نائلين غاية إيمانكم خلاص النفوس”
(1بط1: 9) والقديس بطرس الرسول يقول “.. لكي أخلص على كل حال قوماً”
(1كو9: 22). بل يقول ” استعبدت نفسي للجميع، لأربح الأكثر ين” (1كو9: 19).

 

القديس
أغناطيوس الأنطاكي كانوا يلقبونه “ثيئوفورس” أي حامل الله.

 

فهل
أنت أيضاً ” ثيئوفورس” (حامل الله)؟

تحمله
للكل، ويراه الكل في حياتك، وتبني ملكوته في كل علاقاتك..

 

ألا
تري معي أن موضوع الأمانة يصلح ككتاب، ويعز علينا أن نختصره في مقال..! إذن ننتقل
إلى نقطة هامة منه وهي: الأمانة في القليل.

 

81-
الأمانة في القليل

لعل
إنساناً يقول: الطريق الروحي طريق طويل. كيف أصل إلى نهايته؟!

كيف
يمكنني أن أصل إلى القداسة التي بدونها لا يعاين أحد الرب؟

وكيف
أصل إلى الكمال المطلوب منى؟ والجواب على ذلك سهل وممكن وهو:

كن
أميناً في القليل، يقيمك الرب على الكثير.

فهذه
هي طريقة الله، وهذا وعده. وهكذا سيقول للناس في يوم الدينونة (متى25: 21، 23).
إذن هذا كل ما عليك. وليس عليك أن تفكر في نهاية المطاف مرة واحدة. بل أعرف تماماً
أن أطول مشوار أوله خطوة.

كن
أميناً في الخطوة الأولي، يقيمك الله على باقي الخطوات.

كن
أميناً في هدفك الروحي، يدبر لك الله الوسيلة.

كن
أميناً من جهة النية، يقيمك الله على العمل.

إن
الشيطان قد يصعب لك الطريق ويعقده، ويضع أمامك مخاوف تصور لك الكثير المطلوب منك
والذي لا تستطيعه، لكي يوقعك في اليأس. أما الرب فإنه يطلب منك مجرد الأمانة في
القليل. أما الكثير فإن الرب هو الذي سوف يقيمك عليه. ولذلك جميل أن المزمور
الكبير يبدأ بعبارة:

 

طوباهم
الذين بلا عيب في الطريق (مز119: 10).

 

يكفي
أن تكون سائراً في طريق الرب بلا عيب. هذا هو ما يريده منك. أما الوصول إلى نهاية
الطريق، فاتركه هو يدبره. يبدو هو: متى؟ وكيف؟

 

82-
الخدمة والتكريس

إنسان
يقول: كيف تكون حياتي كلها للرب؟ هل من المعقول أن يهبني الله تكريس الحياة له؟ هل
يمكن أن تكون كل الحياة في خدمته؟ وكيف؟ نقول لك:

ابدأ
بالقليل الذي تستطيعه، بإعطاء وقت الفراغ للرب.

ابدأ
بتقديس يوم الرب للرب، فإن كنت أميناً في هذا يمكن أن يقيمك على الأكثر. كن أميناً
في خدمة مدارس الأحد وفصول التربية الكنسية، حينئذ إن سر الرب بأمانتك، يقيمك على
خدمة أكبر.

 

كن
أميناً في كل خدمة تعهد إليك، يقيمك الله على التكريس.

هناك
قوم يظنون أنهم لا يستطيعون أن يخدموا الكنيسة إلا إذا تولوا قيادتهم العليا. يقول
الواحد منهم: لو كنت مطراناً أو اسقفاً، لفعلت وفعلت. لو كنت كاهناً، لأصلحت هذا
الحي كله، أو هذه المدينة أو القرية كلها. بينما قد يكون بعيداً عن الخدمة، أو
خدمته ليست ناجحة. أما أنت فلا تقل هكذا، إنما:

 

كن
أميناً على بيتك، يقيمك الروح على بيت الله.

افعل
القليل الذي تستطيعه، وكن أميناً في تربية أولادك، حينئذ يقدم لك الله أولاده
لتربيهم. ولعله من أجل هذا، ذكر الكتاب في شروط الكاهن أنه ” له أولاد مؤمنون
ليسوا في شكاية الخلاعة ولا متمردين” (تى1: 6). وأيضاً ” يدبر بيته
حسناً. له أولاد في الخضوع بكل وقار. وإنما إن كان أحد لا يعرف أن يدبر بيته فكيف
يعتني بكنيسة الله؟!” (1تي3: 4، 5).

 

فالذي
لا يمكنه القليل، كيف يمكنه الكثير؟

الذي
لم يستطيع أن يدبر بيتاً واحداً، كيف يمكن أن يؤتمن على تدبير جميع المؤمنين؟ إن
الأمانة تختبر أولاً في القليل. ليس فقط من جهة بيت أو فصل في التربية الكنسية،
إنما هناك ما هو قبل هذا أيضاً. هناك الأمانة من جهة جياة الخادم الخاصة وحدها،
وكيف يدبرها. لذلك نقول:

 

لذلك
نقول كن أميناً من جهة نفسك، يقيمك الله على نفوس الآخرين.

أختبر
أمانتك أولاً في تدبير نفسك، هذه التي هي معك كل حين، وتعرف كل أسرارها، وتعرف نقط
ضعفها، ويمكنك أن توبخها، ويمكنها أن تعطيك.. فإن كنت غير أمين في تدبير نفسك، كيف
تؤمن إذن على تدبير غيرك؟! إن لم تقدر على قيادة نفس واحدة هي داخلك، فكيف تقدر
نفوس كثيرة؟!

 

قال
أحد القديسين: الذي لا يكون أميناً على درهم، كاذب هو إن ظن أنه يكون أميناً على
ألف دينار.

 

المهم
هو الأمانة، وليست الدرجة التي تتولاها.

 

القديس
اسطفانوس لم يكن واحداً من الأثني عشر رسولاً، ولا كان أسقفاً في الكنيسة، إنما
كان مجرد شماس. ولكنه كان أميناً لهذه الدرجة، حتى آمن الكثيرون على يديه، وافحم
مجامع الفلاسفة. وصار في قمة قادة الكنيسة وهو شماس. وبالمثل كان الشماس أثناسيوس
القديس، وكان أيضاً الأغنسطس مارافرام السرياني، والقديس سمعان الخراز.

 

والقديس
الأنبا رويس، كان أميناً بلا رتبة.

لم
يكن شماساً ولا أغنسطساً ولا راهباً، ولا من الاكليروس جملة، ولا من خدام الكنيسة.
ولكنه كان أميناً في حياته الروحية وفي علاقته مع الله، فصار من قديسى جيله، وموضع
محبة وتقدير البابا البطريرك في جيله. المسألة إذن هي الأمانة في الحياة وليست
الدرجة.

 

ما
هي إذن أمانتك في مسئوليتك، مهما كانت قليلة؟

إن
بطل أية رواية لا يشترط أن يكون ملكاً أو رئيساً أو قائداً.. بل قد يكون الخادم هو
البطل في الرواية. والناس يقدرونه ويعجبون به من أجل أمانته في إتقان دوره، بغض
النظر عن ما هو هذا الدور..

 

إذن
كن أميناً في القليل الذي في يدك. واعرف إن صاحب الوزنتين نال نفس الطوبي التي
نالها صاحب الخمس الوزنات، لأنه كان أميناً مثله. وكان تطويب الرب مركزاً على
الأمانة، وليس على الوزنتين أو الخمس (متى25: 21، 23).

 

داود
كان أميناً في رعي الغنم، فأقامه الله على رعاية شعبه.

كان
داود أميناً على القليل، وهو الغنيمات القليلات في البرية (1صم17: 28) ولما هجم
أسد ودب على شاة من القطيع، تصدي لهما داود أنقذ الشاة منهما. وإذ رأى الرب أمانته
هذه أقامه على إنقاذ الجيش كله من جليات الجبار. وإذ كان أميناً في التصدي لجليات،
أقامه الله على المملكة كلها..

 

وهكذا
أنت، ادخل في مثل هذه السلسة من الأمانة.

كن
أميناً في بيت فوطيفار، يقيمك الله على قصر فرعون وأرض مصر..

كن
أميناً في الإمكانيات القليلة التي معك، يقيمك الله على إمكانيات أكثر وأكثر. كن
أميناً في تقديم حفنة الدقيق التي معك وقليل الزيت الذي في الكوز، كما فعلت أرملة
صرفة صيدا، يقيمك الله على كوار الدقيق الذي لا يفرغ وعلى الزيت الذي لا ينقص، طول
فترة المجاعة (1مل17: 12، 16).

 

83-
الإرادة والفكر

لعلك
تقف يائساً أمام أخطاء مسيطرة عليك،، كأنها عادة متمكنة، أو طبع ثابت، وأنت تصرخ
مع الرسول “.. أما أن أفعل الحسنى، فلست أجد. لأني لست أفعل الصالح الذي
أريده، بل الشر الذي أريده، إياه أفعل” (رو7: 18، 19).

 

فماذا
أقول لك؟

كن
أميناً فيما هو في مقدور إرادتك، يقيمك الله على ما هو فوق إرادتك.

 

كن
أميناً في مقاومة الخطايا الإرادية، يقيمك الله على مقاومة الخطايا غير الإرادية..
تقول وماذا أفعل من جهة الأحلام الخاطئة التي تأتيني وأنا نائم، لا أملك ردها عنى،
وهي أشياء مترسبة وراسخة في عقلي الباطن؟ أقول لك:

 

كن
أميناً في ضبط عقلك الواعي، يقيمك الله على ضبط العقل الباطن.

كن
أميناً في مقاومة أخطاء الصحو، يقيمك الله على مقاومة أخطاء النوم. كن أميناً في
حراسة فكرك أثناء النهار، يقيمك الله على نقاوة الفكر في الليل. فإن حرصت على
نقاوة فكرك وأنت نائم لتكن لك أفكاراً مقدسة بالنهار، حينئذ تصحبك قدسيتها بالليل..

 

وإن
كنت أميناً في محاربات الحواس، ينصرك الله في حروب الفكر.

 

ذلك
لأن الحواس هي أبواب الفكر ومسبباته. فإن كنت أميناً في الابتعاد عن مسببات الفكر
الخاطئ، سيحرسك الله من الأفكار الخاطئة.

 

وإن
كنت أميناً في محاربة الأفكار، يقيمك الله على نقاوة القلب، وهي أفضل وإن كنت
أميناً في محاربة الأفكار، يقيمك الله على نقاوة القلب، وهي أفضل. وإن كنت أميناً
في الحفاظ على هذه النقاوة، يقيمك في اليوم الأخير على إكليل البر (2تى4: 8)، في
العالم الآخر، حيث لا تعرف خطية..

 

84-
الأمانة في المحبة

تقول:
أريد أن أصل إلى المحبة الكاملة، فأحب الله من كل قلبي ومن كل فكري (تث6: 5) وأحب
الناس كلهم حتى أعدائي. وأحب الخير. فهل من الممكن أن أصل إلى ذه الفضيلة التي
تبدو صعبة؟ أقول لك: ابدأ بالقليل، تصل إلى الكثير..

 

إن
كنت أميناً في حفظ فضيلة (مخافة الله)، حينئذ يقيمك الله على فضيلة المحبة.

 

وذلك
لأن ” بدء الحكمة مخافة الرب” (أم9: 10). فإن كنت أميناً في مخافة الله،
وبذلك تحفظ وصاياه، يقيمك الله بعدئذ على ” المحبة التي تطرح الخوف
خارج” (1يو4: 18). لأن الأمانة في درجة توصل إلى درجة أخري أعلى منها..

 

تقول:
وكيف أحفظ الوصايا، وأنا أحب العالم؟! وهناك وصايا، قلبي يحب ما هو ضدها!! أقول لك:
ابدأ بالتغصب نفسك على عمل الخير.

 

وإن
كنت أميناً في التغصب، ستصل حتماً إلى محبة الخير.

 

لأن
المحبة، محبة الله ومحبة الخير، قد لا تكون نقطة البدء، وإنما نتيجة لعمل روحي
طويل. فأغصب نفسك على عمل الخير. وإذ تمارسه، ستجد فيه لذة، وحينئذ تحبه وتعمله
حباً بدون تغصب. وهكذا يكون الله قد أقامك على الكثير.

 

كذلك
إن كنت أميناً في محبة أخيك الذي تراه، ستصل إلى محبة الله الذي لا تراه (1يو4: 20).

 

ابدأ
إذن بهذا القليل وهو محبة الناس، تصل إلى الكثير الذي هو محبة الله. ولكن لعلك
تقول: كيف أصل إلى محبة الناس، وفيهم أعداء ومقاومون؟! كيف يمكنني أن أصل إلى محبة
الأعداء؟ أنك تصل بنفس القاعدة: وهي كن أميناً في القليل.

 

كن
أميناً في محبة أقربائك، تصل إلى محبة معارفك.

 

لأن
القلب الذي تعوده على المحبة، سيأتي وقت تنزع منه الكراهية تماماً. فتصبح العداوة
من جانب واحد فقط. هي في أعدائك وحدهم، وليست فيك..

الأمانة
في فضائل الجسد للسمو بالروح

 

85-
الأمانة في فضائل الجسد للسمو بالروح

الذي
هو أمين للفضيلة التي تمارس بالجسد، يرتقي إلى فضيلة الروح.

فالأمين
في صوم الجسد عن الطعام، يقيمه الله على صوم الروح عن الخطيئة.

فيصوم
لسانه عن الكلام الباطل، ويصوم ذهنه عن الفكر الشرير، ويصوم قلبه عن الشهوات
الخاطئة. أما الذي لا يكون أميناً في صوم الجسد عن الأكل وهذا شئ قليل لا يحتاج
إلى مجهود كيف إذن يمكنه أن يصل إلى صوم الروح؟! كذلك قال أحد الآباء:

 

بسكون
الجسد نقتنى سكون النفس.

 

سكون
النفس شئ كبير لا نصل إليه إلا إذا كنا أمناء في سكون الجسد. أي عدم انشغاله
بالجولان من موضع إلى موضع، مع ضبط الحواس من الطياشة فيما لا يفيدها سمعاً ونظراً
ولمساً وشماً..

كذلك
بخشوع الجسد نقتني خشوع الروح.

وبالأمانة
في أتضاع الجسد نقتني أتضاع النفس.

لاشك
أن الذي يكون خاشعاً بجسده أثناء الصلاة، واقفاً باحترام، رافعاً نظره إلى فوق،
حافظاً لحواسه وحركاته، يركع وقت الركوع، ويسجد وقت السجود. إن فعل هذا بكل أمانة،
ينعم الله عليه السجود الروح والحق. والذي يقول كلمة أجيوس (قدوس) وهو ينحني بكل
إيمان، لاشك أن هذا الانحناء يولد الخشوع في قلبه..

 

وبهذا
نستفيد من خلع الحذاء حينما ندخل إلى الهيكل ونسجد أمامه.

 

إنها
أعمال جسدية، ولكنها إذا عملت بأمانة وإيمان، تنقل خشوع الجسد إلى الروح، فتخشع هي
أيضاً. وذلك لارتباط الجسد والروح معاً.

 

وهكذا
إذا كنا أمناء في هيكلنا الجسدي، يتحول إلى هيكل لله.

 

وإذا
كنا أمناء في هذا الجسد المادئ، يقيمنا الله على الجسد النوارنى الروحاني في يوم
القيامة (1كو15: 44).

وإن
كنا أمناء في الأمور المادية عموماً، يقيمنا الله على الأمور الروحية.. ولنأخذ
الصلاة كمثال..

 

86-
الأمانة في الصلاة

لعل
إنساناً يقول لأي أحد أن ” يصلي كل حين ولا يمل” (لو18: 1) وكيف يمكن
تنفيذ الوصية القائلة ” صلوا بلا انقطاع” (1تس5: 17)؟! أليس هذا كثيراً
علينا جداً؟! نعم إنه كثير، إن اعتبرته نقطة البدء. لكن ابدأ بالقليل يقيمك الله
على الكثير.

 

كن
أميناً في تعود الصلاة، يقيمك الله على طول الصلاة.

إن
كنت أميناً في صلاة ” أبانا الذي “، وقلتها في عمق، وأنت تعني كل عبارة
فيها، لاشك أنها ستفتح لك أبواباً من التأملات، وتقودك إلى صلوات أخري كثيرة..

 

وإن
كنت أميناً في الصلوات المحفوظة، يقيمك الله على صلاة القلب.

 

وتبقي
أمامنا مشكلة الوقت، يثيرها البعض. نقول فيها: إن كان الإنسان أميناً على الصلاة
في الوقت المتاح له، سيتيح له الله أوقاتا أخري كثيرة يصلي فيها. إنما المشكلة هي
أنه أمامنا وقت طويل يمكننا الصلاة فيه، ولكننا نضيعه عبثاً، ولا نكون أمناء من
حيث رغبتنا في الصلاة..

 

يثير
البعض سؤالاً آخر عن درجات الصلاة، وحالات الدهش والثيئوريا، والصلاة بدموع،
وكيفية الوصول إلى كل هذا؟ نجيب بنفس المبدأ: الأمين في القليل يقيمة الله على
الكثير.

 

كن
أميناً من جهة الصلاة بفهم وحرارة، يقيمك الله على الصلاة بدموع..

 

كن
أميناً في المداومة على الصلاة، وبحب لله، يقيمك الله على باقي الدرجات. تأتى
وحدها، دون أن تشتهيها كدرجة.. لأن موضوع الدرجات، قد تدخل فيه الذات.. الحياة
الروحية هي سلم روحاني، لا تستطيع أن تصل إلى أعلى درجات، إلا إذا اجتزت كل درجة سابقة
بسلام.

 

87-
أمثلة على الأمانة

كن
أميناً على الذي في يدك، يقيمك الله على الذي في يده هو.

كن
أميناً في استخدام إمكانياتك الحاضرة، يقيمك الله على الإمكانيات التي ليست لك. إن
أتقنت المشي مع المشاة دون أن تتعب، يقيمك الله على مباراة الخيل (أر12: 5).

إن
كنت أميناً في محاربة الخطايا الظاهرة، يقيمك وينصرك على الخطايا الخفية والشهوات.

إن
كنت أميناً لله في فترة الطفولة والفتوة، يجعلك الله أميناً في محاربات الشباب.

إن
كنت أميناً في قبول ليئة، يقيمك الله على الزواج براحيل (تك29: 27) وإن كنت أميناً
في غربة برية سيناء، يقيمك الله على أرض الموعد في كنعان.

 

إن
كنت أميناً في هذا العمر القصير المحدود، يقيمك على الأبدية غير المحدودة.

 

المهم
أن تكون أميناً في كل ما تمتد إليه يدك مهما كان صغيراً وقليلاً. لذلك كن أميناً
في الوزنة الواحدة التي معك، يقيمك على الخمس وزنات. وكن أميناً في الأمور التي
تري يقيمك على التي ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على بال إنسان (1كو2: 9).

 

كن
أميناً على ثمار الروح، يقيمك على مواهب الروح.

 

لا
تسرع في طلب المواهب (1كو12)، دون أن تقتني الثمار أولاً (غل5: 22، 23) فثمار
الروح في معالم الطريق الروحي، لابد أن تسبق المواهب. لو كان أبونا آدم أميناً في
القليل (مجرد أنه لا يأكل من إحدى الأشجار)، ما كان قد حدث له كل ما حدث. ولأمكنه
لو نجح في الاختبار، أن يأكل من شجرة الحياة.

من
قوانين الرهبنة، أن الذي يكون أميناً في فترة المجمع وفي اقتناء فضائلها، يمكنه أن
يدخل في حياة الوحدة إن أراد.

 

قال
أحد الرهبان للأب الروحي في الدير ” اسمح لي أن أسكن في الوحدة، لأني لا أطيق
مضايقات الأخوة “. فأجابه الأب المختبر:

 

إن
كنت لا تحتمل مضايقات الأخوة في المجمع، فكيف تحتمل حروب الشياطين في الوحدة؟!

 

اللص
اليمين كان أميناً خلال ساعات خمس قضاها على الصليب، فأقامه الله على الدخول معه
إلى الفردوس

أحد
الآباء طلب من إبنة أن ينظف الحقل من الشوك. فلما ذهب ووجد الحقل مملوءاً شوكاً،
يئس ونام دون أن يفعل شيئاً. فلما علم أبوه بما حدث، قال له ” يا ابني. نظف
كل يوم على قدر مفرشك فقط. وسيأتيك الوقت الذي يصبح فيه كل الحقل نظيفا من الشوك.

القديس
الأنبا إبرام أسقف الفيوم كان أميناً في فضيلة الرحمة، يعطي كل من يسأله، ولا
يستبقى شيئاً من ماله له، بل الكل للمحتاجين. فلما رآه الله أميناً هكذا، ائتمنه،
ولا يستبقي على عمل الرحمة أكبر وأعظم، إذ منحه شفاء المرضى.. وهكذا كان الأنبا
إبرام في أميناً في القليل.


الفصل الثامن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار