علم الاخرويات

الفصل الثامن


الفصل الثامن
]]>
الفصل الثامن
32- القيامة تتبعها الدينونة وساعة الحساب
والثواب والعقاب
أهنئكم يا أخوتى وأبنائى جميعاً بعيد القيامة،
راجيا من الله أن يعيده عليكم بالخير والبركة، وأن يعيده على بلادنا المحبوبة وهى
في سلام ورخاء.
وأتابع معكم في هذه المناسبة السعيدة أحاديثنا عن
القيامة العامة..
 فأقول
إن القيامة تتبعها الدينونة العامة. فلإنسان لا ينال جزاءه بعد الموت مباشرة، لن
الجسد يكون وقتذاك في القبر، ويتحول بالوقت إلى تراب.
 
ولكن في القيامة، حينما يقوم الجسد وتتحد به
الروح، يمكن حينئذ أن يبدأ الحساب للإنسان بكامل تكوينه جسداً وروحاً. وذلك لأن ما
فعله الإنسان من خير وشر، اشترك فيه الجسد والروح معاً. فيلزم إذن محاسبة الإثنين
معاً: ينالان المكافأة معاً، أو يتحملان العقوبة معاً.

وهكذا شاء الله أن يكون الحساب أو الدينونة بعد
القيامة العامة، حينما تتحد الأرواح بالأجساد، ويكون الحساب أيضاً لكل البشر معاً.

 
كل شئ مسجل امام الله، وسوف يعلن في يوم الحساب،
وسف يعرف من الكل.. كل أفعال الناس، وكل أفكارهم وأقوالهم ونياتهم وأحاسيسهم،
الخفيات والظاهرات. ولذلك صدق ذلك الأديب الروحى الذي قال “فكر كما لو كانت
أفكارك مكتوبة على سحاب السماء بحروف من نور، وإنها كذلك..”
 
الناس حينما يموتون، يتركون أموالهم وأملاكهم،
وأقاربهم ومعارفهم. ويفارقون الكل. ولكن الشئ الذي لا يفارقهم هو أعملهم. لأن
أعمالهم تتبعهم.
 
تلصق بهم كل أخطائهم، بكل صورها، وكل تفاصيلها،
وكل بشاعتها، فتقلق قلوبهم، وتتعب أفكارهم.. وفى يوم الدينونة العامة يجدون كل ذلك
أمامهم. فيكونون مدانين أمام أنفسهم، لا ينفعهم عذر ولا تبرير.
 
لا يمحو هذه الخطايا والآثام سوى التوبة الصادقة
الحقيقية.
 
فالخطأ الذي تاب عنه الإنسان توبة قلبية بغير
رجعة، هذا تدركه مراحم الله الواسعة ومغفرته للتائبين.
 
والتوبة الحقيقية ليست مجرد ترك الخطية. فقط
يتركها الإنسان من حيث الفعل والممارسة، ولكن يستمر يشتهيها في قلبه، ويقبلها في
فكره. أما التوبة الحقيقية فهى كراهية الخطية قلباً وفعلاً..
 
بكراهية الخطية وعدم اقترافها، يستحق الإنسان
المغفرة، ولا تحسب عليه خطاياه في يوم الدين.
 
ويبقى للتوبة شرط آخر، وهو معالجة نتائج الخطايا.

 
فمثلاً لا يقل الظالم “لقد تبت، وما عدت
أظلم أحداً، بل صرت أكره الظلم “هذا لا يكفى، لأنه خاص فقط بالحاضر والمستقبل.
ولكن ماذا عن الماضى، وعن حال المظلومين الذين لا يزالون يقاسون من نتائج ظلمه؟!
عليه أن يعالج هذه النتائج بكل ما يستطيع من قدرة وإن كان قد سرق من أحد شيئاً،
عليه أن يرده إلى صاحبه. وإن كان قد أساء إلى سمعة إنسان، عليه أن يصلح ذلك ويرد
إليه إعتباره.
 
هنا يقف أمامنا سؤال قد يكون محيراً، وهو: ماذا
عن القاتل، وهو لا يستطيع أن يصلح ما فعله؟
 
والجواب هو أنه إذا أخذ عقوبة على الأرض، وقبلها
برضى وبشعور أنه مستحق للعقوبة.. فإنه يستريح من عقوبة في يوم الدينونة الرهيب..
 
الإنسان في يوم الدينونة ينال عقوبة على الخطايا
التي لم يتب عنها، والخطايا التي لم ينل عنها عقوبة على الأرض.
 
إما لأنها كانت خطايا في الخفاء لم يعرفها أحد
عنه، أو لم تثبت أدلة عليه، أو أمسك فيها أحد غيره ظلماً. وفى هذه الحالة يعاقبه
الله على خطيئتين: الخطيئة التي ارتكبها، يضاف إليها تركه لغيره يعاقب ظلم على ما
اقترفه هو من إثم، دون أن ينقذه باعترافه. ومن الخطايا الخفية أيضاً: النيات
والأفكار والمشاعر. وهذه كلها ينبغى أن تدركها التوبة لتمحوها، مع الجهاد الروحى
لتنقية القلب والفكر.
 
ومن الخطايا التي تتعب الإنسان أيضاً في يوم
الحساب، وهنا أيضاً على الأرض، أن يوقع غيره في خطية، ويتسبب في إفساده. ثم يتوب
هو، ويبقى هذا الغير في الخطيئة والفساد، دون أن يقدر على إرجاعه!!
 
وفى يوم الحساب، لا يعاقب الإنسان فقط على ما
فعله من شر، وإنما أيضاً على ما كان بإمكانه أن يفعله من الخير ولم يفعله..
 
والكتاب المقدس يقول في ذلك “من عرف أن
يعمل حسناً ولا يفعل، فتلك خطية له” (يع 4: 17) بل من الخطايا أيضاً: تأخير
عمل الخير، أو تأخير أعطاء الحقوق لأصحابها. ومن وصايا الكتاب في هذا الشأن:
 
” لا تمنع الخير عن أهله، حين يكون في طاقة
يدك أن تفعله. لا تقل لصاحبك اذهب وعد فأعطيك غداً، وموجود عندك” (ام 3: 27،
28).
 
33- حاسب نفسك، فالله رحيم وعادلٌ أيضاً
لذلك كله ولغيره، على الإنسان أن يحاسب نفسه بكل
دقة، قبل أن يدركه يوم الحساب وهو غافل عن نفسه..
وصدق ذلك القديس الذي قال لأحد الخطاة: “احكم
يا أخى على نفسك، قبل أن يُحْكَم عليك”
ينبغى إن أن يتدرب كل إنسان على محاسبة النفس،
وأن يدين نفسه، على أخطائها، ويحاول أن يصلح ذاته. فالفرصة لا تزال قائمة، والتوبة
بإمكانه، قبل أن يغلق باب التوبة بالموت، ويقف في ذلك اليوم الرهيب مداناً أمام
الله. وصدق ذلك الشاعر الذي قال:
 قبورنا
تبنى ونحن ما تبنا
وفى محاسبة الإنسان لنفسه، عليه أن يلتفت إلى
الخطايا المركبة والخطايا الأصلية.
وأعنى بالخطايا المركبة، تلك التي تحوى مجموعة
كبيرة من الخطايا، بينما نلقى عليها إسماً واحداً.. كما توجد أيضاً خطايا أمهات،
تلد كل منها عدداً كبيراً من الخطايا.
 
فلا نستهن بالمرة، ونظن أننا قد ارتكبنا شيئاً
بسيطاً!!
 
كذلك لا ننسى الخطايا الأصلية. فغالبية خطايا
اللسان وخطايا الحواس، يكون سببها خطية أصلية موجودة في القلب..
 
فالذى ينظر نظرة حسد، أو نظرة شهوة، أو نظرة حقد،
وما أشبه، ليست كل هذه مجرد خطية نظر، وإنما الحسد والشهوة والحقد وغير ذلك، موجود
كله في القلب قبل أن يظهر في العين. فخطية القلب هي الخطيئة الأصلية. وخطيئة النظر
هي الخطية اللاحقة، أو الثانية في الترتيب. وهكذا عليه أن يطهر قلبه أولاً، فتتطهر
حواسه تلقائياً..
 
كذلك الذي يوجه إلى غيره كلمة قاسية، القسوة
موجودة في قلبه أصلاً، قبل أن تكون خطية لسان، عليه أن يتوب عن كلتيهما..
 
الإنسان الدقيق في محاسبة نفسه، يمكنه التخلص من
نقائصه وخطاياه. وهكذا يقف أمام الله طاهراً في يوم القيامة، لا يبكته ضميره على
شئ.. والإنسان الروحى لا يتساهل مع نفسه، ولا يغطى خطاياه بالتبريرات والأعذار.
لأن الذي يبرر نفسه على الأرض، سيكون مكشوفاً تماماً أمام الله في يوم الحساب، حيث
يستند كل فم، ولا تنفع الأعذار..
 
تقول عن الله رحيم، فأقول لك وهو أيضاً عادل.
رحمة الله سوف تدرك التائبين فيغفر لهم. وعدل
الله لابد أن يلاحق المستهترين، الذي يستغلون رحمة الله ومغفرته، للتمادى في
خطاياهم وشرورهم، وعصيانهم لله أولئك الذين لم يجعلوا الله أمامهم!
 
يوم الحساب إذن هو يوم العدل الإلهى، الذي فيه
سيجازى كل واحد بحسب اعماله مكافأتهم على برهم وحرصهم وطاعتهم.
 
هؤلاء الأبرار سيكافئهم الله على كل شئ، ليس فقط
عن الأعمال العظيمة التي عملوها، بل حتى لى خير مهما بدا أمامهم ضئيلاً..

 
يكافئهم ليس فقط على أعمال الرحمة الكبيرة،
وأنقاذ غيرهم من المشاكل والورطات، إنما ينالون ثواباً حتى على كلمة التشجيع ليائس،
وبسمة الحنان الصغار النفوس، وزيارة لمريض، ونظرة حب لطفل.
 
وسوف يعوضهم الله عن كل خير عملوه، ولم ينالوا
عنه جزاء على الأرض.
إما بسبب ظلم أو جاهل أو إهمال، أو بسبب أنهم
أخفوا فضائلهم عن الناس، حتى لا يستوفوا خيراتهم على الأرض، بل نالوا جزاءهم
كاملاً من يد الله يعرف الخفيات..
 
بل إنهم ينالون مكافأة عن الخير الذين أرادوا أن
يفعلوه، ولم يستطيعوا لأسباب خارجة عن إرادتهم.
 
وكل تعب احتملوه على الأرض، من أجل محبتهم لله
ومحبتهم للناس، سيكون سبب راحة أبدية لهم
 
ستتبعهم في يوم الحساب أعمال برهم، وتكون شاهدة
لهم أمام الله فطوبى لمن يتعب الآن في عمل الخير، وفى خدمة الغير، لكى يستريح في
ذلك اليوم، وينال أجره بحسب تعبه (1كو 3: 8) في النعيم الأبدى..
 
ليتنا نضع يوم القيامة والحساب أمام أعيننا
باستمرار، حتى نسلك بحرص أمام الله، وحتى نقف أمامه في يوم الدين، دون أن تبكتنا
ضمائرنا.
 
وليتنا نبذل كل جهد وتعب من أجل راحة الآخرين،
سواء في محيط الأسرة أو المجتمع أو الوطن أو البشرية جمعاء، حباً للكل، وليس لمجرد
الجزاء. وهذا الحب سيقف إلى جوارنا في اليوم الأخير.
 
ولن يدخل ملكوت الله في ذلك اليوم، إلا القلوب
العامرة بالحب، لن يدخله إلا الذين أحبوا الله، وأحبوا الخير، وأحبوا الغير..
 
بهذا الحب نصلى جميعاً من أجل بلادنا، ومن أجل
أمنها وسلامتها، ومن أجل البلاد التي تسودها الحروب أو النزاعات الداخلية، لكى
يمنح الرب سلاماً للعالم. ولكى يعطى الرب الغذاء للبلاد التي تسودها المجاعات،
ويمنح النقاوة والتوبة للمجتمعات التي يسودها الفساد. ونطلب أن يبارك الرب كل من
يعمل خيراً فيعم الخير كل مكان. وكل عام وجميعكم بخير.


الفصل الثامن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار