علم الله

الفصل الثامن عشر



الفصل الثامن عشر

الفصل
الثامن عشر

عناية
الله

 

1 – ما هي عناية الله؟

* الله العظيم خالق كل شيء
هو حافظ كل الخلائق ومدبّرها ومرتّبها وحاكم عليها وعلى كل الأفعال وكل الأشياء من
الأكبر إلى الأصغر بعنايته الكلية الحكمة والقداسة، حسب معرفته السابقة المعصومة
ورأي مشيئته الحرة التي لا تتغيَّر لحمد مجد حكمته وقدرته وعدله وصلاحه ورحمته..
وعناية الله هي حفظه كل خلائقه وسياسته إياها وكل أفعالها بغاية القداسة والحكمة
والقدرة.

فالمقصود
بعناية الله أنه يُجري قضاءه الأزلي في زماننا باستخدام الأسباب الثانوية التي
يقيمها لذلك، وأنه بهذه العناية يحفظ كل خلائقه، ويدبّرها وكل أفعالها حتى يتمم
فيها كل مقاصده الأزلية.

2 –
ما معنى حفظ الله لخلائقه؟

* معناه أنه بقوته الفائقة
يحفظ كل خلائقه ويعتني بها على الدوام، فتستمر في الوجود، محفوظة الصفات والقُوى
الخلْقيَّة والاكتسابية، التي منحها لها بإرادته الصالحة وعنايته الكريمة. ولو ترك
الله تلك الكائنات لذاتها لاعتراها الانحلال.

3 –
كيف تبرهن حفظ الله لخلائقه من الكتاب المقدس؟

* من الآيات “الله
حامل كل الأشياء بكلمة قدرته” (عب 1: 3) و”فيه يقوم الكل” (كو 1:
17) و”به نحيا ونتحرك ونوجد” (أع 17: 28). وفي الكتاب آيات كثيرة تنسب
القوات الطبيعية لقدرة الله، وتُثبت حفظه لجميع الأجناس الحية، وتعلّم أن
المخلوقات الحية وغير الحية لا تدوم في الوجود من ذاتها بل من مشيئة الله وقدرته،
وأنها عاجزة عن استمرار الوجود بدون إرادته وعنايته، كما كانت عاجزة عن إيجاد
نفسها في أول الأمر.

4 –
ما هي المذاهب الثلاثة المشهورة في كيفية حفظ الله خلائقه؟

* (1) مذهب العقليين، وهو
أن ذلك الحفظ من فعل القوانين الطبيعية المطلقة الدائمة بدون تدخُّل الله.
فالطبيعة تحفظ نفسها بما سنَّ الله لها من القوانين حين خلقها، فلم يبقَ داعٍ (حسب
زعمهم) لعنايته وحفظه، وتركها تجري مجراها الطبيعي بحسب القوانين المذكورة. فليس
للعلة الأصلية أدنى علاقة بالعلل الثانوية. وهو مذهب مرفوض لأنه يناقض تعاليم
الكتاب المقدس التي تقول إن الله قريب من خلائقه ويعتني بهم، وإنه على الدوام
يُجري في الكون مقاصده بقدرته العظيمة.

ويخالف
مذهب العقليين بديهيات طبيعتنا الدينية، مثل شعورنا بأننا دائماً محتاجون لله
ومستندون عليه، وأنه لا يهمل أحداً. وهذا المذهب يقتل في تابعيه التأثيرات
الدينية، لأنه ينكر عمل الله، وينادي بإهمال جميع الواجبات من نحوه.

(2) مذهب “الخلق
المستمر” بدون انقطاع، وهو عكس مذهب العقليين، فالله على مذهب العقليين بعيد
عن مخلوقاته ولا يبالي بهم. ولكن مذهب “الخلق المستمر” يقول إنه قريب
منهم، يعمل مباشرة بقوته كل لحظة، ليس في حفظ ما خلقه سابقاً، بل في إجراء الخلق
على الدوام، بمعنى ينفي عمل كل الأسباب الثانوية، ويثبت أن الله هو العلة الوحيدة
لكل شيء في كل حين. وعلى ذلك يكون الحفظ هو الخَلق، لأن الخَلق (في زعمهم) هو
إيجاد ما لم يوجد سابقاً، والحفظ هو إبقاء الموجود. والخلق يتم بقوة الله، إما
بإيجاد شيء من لا شيء أو بإبداع شيء على مثالٍ جديد من شيء موجود. ويتم الحفظ بأن
يستخدم الله أسباباً ثانوية ليُبقي الموجود. وقالوا إن الله أشار إليهما بقوله “الله
خلق كل الأشياء وبه يقوم الكل”. وهذا المذهب مرفوض لأنه يؤدي إلى الاعتقاد
بألوهية الكون (وحدة الوجود)، كما أنه يناقض حقائق المسيحية الجوهرية، ويناقض
بديهيات العقل البشري التي بها يتحقق الإنسان وجوده ودوامه ووجود كل المواد
ودوامها، ويناقض المشاعر الأخلاقية في الإنسان التي تشهد أنه فاعلٌ أخلاقي ذو
مشيئة واختيار حر مسؤول. ويلزم عن صحة مذهب الخلق المستمر أن يضيع منا الدليل على
حقيقة الأشياء، لأن جميع الموجودات (بحسبه) تكون مجرد تصورات عقلية تتلاشى وتتجدد
كل دقيقة، وأننا غير مسؤولين عن أفكارنا وأعمالنا لأن ليس لنا إرادة حرة مستقلة،
وأننا لسنا فعَلة أخلاقيين، بل الله هو الذي يعمل فينا إجباراً على الدوام، وأن
ليس لنا علاقة حقيقية بشريعة الله، بل نحن مجرد آلات نفعل مشيئته بمعنى ينفي كل
استقلال.

(3) مذهب قوة الله الفاعلة
في إبقاء كل الأشياء على حالها، وإدامتها بجميع خصائصها لإتمام غايته بكيفية تفوق
إدراكنا، وهو المذهب الصحيح ومبادئه هي: (أ) للمخلوقات الروحية والمادية وجود
حقيقي. (ب) جعل الله لها خواص وقُوى تُمكّنها من أن تكون عللاً ثانوية. (ج) دوامها
في الوجود ليس من نفسها، بل من الله الذي بقدرته يحفظها ويُديم لها ما خصَّها به
أصلاً من القوى والصفات. (د) كيفية حفظ الله إياها من الأسرار المكتومة عنا، فليس
في طاقة المحدود إدراك مقاصد غير المحدود وأعماله. ولولا عناية الله بتلك
المخلوقات وحفظه إياها بهذه الكيفية السرية لاختلَّ نظامها وأتت بغير المقصود من
وجودها.

5 –
ما معنى أن الله يعتني بخلائقه وبكل أفعالهم؟

* معناه أنه يتصرف معهم
بطريقة تحوّل كل أعمالهم وكل ما يحدث في الكون إلى وسائط تتمّم مقاصده، بدون
معارضة لحريتهم ولخواص طبيعتهم، فيبقى كلٌّ منهم فاعلاً مختاراً حراً. وهذه
العناية ضرورية لإتمام عمل عناية الله، التي تشمل حفظ الخلائق وغير ذلك. وهذا
يقتضي حكمة فائقة وقدرة على كل شيء وسلطاناً مطلقاً على كل الأسباب الثانوية حتى
يجعلها تكمل كل ما قصده منذ الأزل في الوقت المعيَّن بدون أدنى خلل، بواسطة عنايته
الإلهية الفعالة.

6 –
ماذا نتعلم من الكتاب المقدس عن صفات عناية الله؟

* (1) إنها عامة تشمل كل
الخلائق وكل أفعالهم، فلا مكان للقدَر الوثني الجهلي الذي هو الاضطرار الأعمى
الناتج عن فواعل القوات الطبيعية بدون تسلط حكيم، ولا للصدفة، لأن جميع حوادث
الكون ناشئة عن عناية إلهٍ حكيم، غير محدود، حاضر في كل مكان.

(2) إنها فعالة لا يمكن
مقاومتها، وذلك يؤكد حدوث كل مقاصد الله.

(3) إنها حكيمة، مناسبة
لطبيعة الخلائق، لأن الله يدبّر عالم الجماد بقوانين ثابتة سنَّها لهذا الهدف،
ويدبر الحيوانات غير العاقلة بغرائزها، ويدبر الخلائق العاقلة بطريقة توافق
طبيعتهم.

(4) إنها مقدسة، فالأهداف
التي يقصدها الله والوسائط التي يستخدمها لإتمام تلك الأهداف توافق قداسته
الكاملة.

وكثيراً
ما يسأل الناس كيف يدبر الله العالم، وما هي العلاقة بين فعله وفعل أسباب أخرى،
وما هو التوافق بين تعليم عناية الله المطلقة وتعليم اختيار الإنسان؟ ولما لم يكن
لهذه المسائل إجابة قاطعة في الكتاب المقدس كان الأوْلى عدم التعرُّض للبحث عنها.
ولكن لأن بعض الفلاسفة أكثروا الجدل فيها وقدموا من عندهم إجابات عليها، فيجب أن
ندرس ما يقولون لنُظهر ما يناقض منها كتاب الله واختبار الإنسان.

7 –
ما هي الأدلة على تدبير الله للكون؟

* (1) كمال شخصه، فهو غير
محدود بزمان أو مكان، وغير محدود في القدرة، ويمكنه أن يدبر الكون. ولأنه غير
محدود في الحكمة يؤكد لنا أنه لم يخلق الموجودات بدون أهداف، وأنه يختار لإتمام
أهدافه أفضل الوسائط. ولأنه غير محدود في المحبة والصلاح يؤكد لنا أنه لا يترك
خلائقه العاقلة تحت سلطان الطبيعة أو القدر الوثني الأعمى، بل يعتني بكل أمورهم.
ولأنه غير محدود في العدل يؤكد لنا أنه يميّز بين أعمال الفعلة المختارين
المخلوقين تحت حكمٍ أخلاقي، ويعاقب الأشرار منهم ويُثيب الأخيار.

(2) ما في الكون من
الدلائل الظاهرة الكثيرة على ذلك: (أ) مجرى الأمور الطبيعية، فإن كل ما يدل على
الهدف والترتيب كالقوات المادية والحياة على أنواعها وحركات الأجرام السماوية يدل
أيضاً على أن الله يدبرها، لأن الطبيعة التي هي نفسها خالية من القصد تجري بعناية
الله على ما يوافق احتياجات البشر وما يؤول لخيرهم. (ب) تاريخ الجنس البشري الذي
نرى فيه ما يدل على أهداف سامية تتم بالتعليم والتربية والارتقاء والتقدم بوسائط
متنوعة وعناية فائقة، ليس للبشر قدرة من تلقاء أنفسهم أن يتمموها. فهذه الأهداف
وتمامها يدلان على عقل فائق وقصد شامل وقدرة أعظم من قدرة البشر المحدودة، وكلها
تدل على عناية الله بأمور البشر. (ج) اختباراتنا الشخصية أن يد الله في كل أمورنا،
وما نراه من ذلك في حياة الشخصيات الكتابية هو مثال لحياة كل إنسان، خاصةً
المتكلين على الله الذين يرشدهم إلى الخير والصلاح.

(3) شهادة الشعور، فإننا
نشعر بضعفنا واحتياجنا لمعونة الله، وأننا مسؤولون أمامه عن أخلاقنا وأعمالنا.
فلولا وجوده معنا وقربه منا لما قدرنا أن نعرفه ولا أن نستمد منه الإرشاد
والحماية، ولا كان في الصلاة له فائدة، ولهُدمت كل أركان الدين الحق، ولتُركنا بدون
آمال ولا رجاء في شيء.

(4) النبوات والمواعيد
والتهديدات الكثيرة العدد التي تحققت، ويستلزم تحقيقها عناية الله بخلائقه
وبأعمالهم في منحهم الصحة وطول العمر وتوالي الفصول وإرسال البركات والحروب
والبلايا، وجعله كل الأمور تعمل لإتمام أقواله التي سبق ونطق بها قبل الوقت المعين
لوقوعها بوقت طويل (قارن خر 12: 46 مع يو 19: 36 ومز 22: 18 مع يو 19: 24 و1مل 20:
13 مع 20: 34-38 ومي 5: 2 مع مت 2: 5 وإش 14: 23 وإر 49: 17 وحز 26: 4، 5).

(5) يعلّمنا الكتاب أن
عناية الله: (أ) تشمل عالم الجماد، فإن دوران الكواكب وتعاقب الفصول ونمو النبات
ونزول المطر نُسبت لمشيئة الله وعنايته، لا إلى الصدفة. فقيل إنه هو الذي يُخرج
النجوم في أوقاتها ويجعل الشمس تشرق والعشب ينمو. قال بولس “مع أنه لم يترك
نفسه بلا شاهد، وهو يفعل خيراً، يعطينا من السماء أمطاراً وأزمنة مثمرة، ويملأ
قلوبنا طعاماً وسروراً” (أع 14: 17). وقال المسيح “لكي تكونوا أبناء
أبيكم الذي في السماوات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار
والظالمين” (مت 5: 45). “فإن كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويُطرح غداً
في التنور يلبسه الله هكذا، أفليس بالحري جداً يلبسكم أنتم يا قليلي الإيمان؟”
(مت 6: 30). وقيل إنه يجعل الرياح رسله والبروق خدامه، ونُسبت إليه الحوادث غير
العادية كالزلازل والأنواء والأوبئة ونحوها، وما يظهر أنه يحدث صدفةً، كالقُرعة
وطريق السهام في طيرانها. حتى شعور رؤوسنا جميعها محصاة عنده (مت 10: 30 انظر
أيضاً مز 104: 14 و135: 5-7 و147: 8-18 و148: 7، 8 وأي 9: 5، 6 و21: 9-11 و37:
6-13 وأصحاحات 38-41). (ب) تشمل عناية الله العالم الحيواني، فالله هو الذي كوَّن
أجساد الحيوانات، ويحفظ حياتها ويقدم لها احتياجاتها، وبيده نَفَس كل حي وروح كل
البشر (أي 12: 10). “الأشبال تزمجر لتخطف ولتلتمس من الله طعامها. كلها إياك
تترجى لترزقها قوتها في حينه. تعطيها فتلتقط. تفتح يدك فتشبع خيراً” (مز 104:
21، 27، 28). وقال المسيح “انظروا طيور السماء: إنها لا تزرع ولا تحصد ولا
تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماوي يقوتها! ألستم أنتم بالحري أفضل منها؟” (مت
6: 26). وقال الرسول “إذ يعطي الجميع حياة ونفساً وكل شيء” (أع 17: 25).
وعلّم المسيح تلاميذه أن يصلوا “خبزنا كفافنا أعطنا اليوم” وهذا يعني
أننا مفتقرون إليه لسد حاجاتنا اليومية (انظر مز 147: 9 ومت 10: 29). (ج) تشمل
عناية الله كل أمم الأرض. والكتاب يقول “متسلط بقوته إلى الدهر. عيناه
تراقبان الأمم” (مز 66: 7). و”حُسبت جميع سكان الأرض كلا شيء، وهو يفعل
كما يشاء في جند السماء وسكان الأرض، ولا يوجد من يمنع يده أو يقول له ماذا تفعل؟”
(دا 4: 35). وهو “يغيّر الأوقات والأزمنة. يعزل ملوكاً وينصّب ملوكاً. يعطي الحكماء
حكمة ويعلّم العارفين فهماً” (دا 2: 21). “العليّ متسلط في مملكة الناس
ويعطيها من يشاء” (دا 4: 25).”ويل لأشور قضيب غضبي، والعصا في يدهم هي
سخطي. على أمةٍ منافقة أرسله، وعلى شعب سخطي أوصيه ليغتنم غنيمة.. أما هو فلا
يفتكر هكذا ولا يحسب قلبه هكذا، بل في قلبه أن يبيد ويقرض أمماً ليست بقليلة”
(إش 10: 5-7). والكتاب المقدس مملوء من الآيات التي تقول إن الأمم هم في يد الله،
وإنه يستخدمهم كما يستعمل الإنسان العصا، وبواسطتهم يكمل مقاصده، وإنه يحطمهم
كإناء الخزاف ويرفعهم إلى أعلى حسب مسرته (1أي 16: 31 ومز 147: 7 وأم 21: 1 وأي
12: 23 وإش 10: 12-15). (د) تشمل عناية الله أحوال كل إنسان، من وقت ولادته ومكان
سكنه، ويعيّن وجوده بين المسيحيين أو الوثنيين، وكونه من الضعفاء أو من الأقوياء،
ويخصه بالمواهب والنجاح أو عدمهما، ونحو ذلك. فقيل “الرب يميت ويحيي. يُهبِط
إلى الهاوية ويصعِد. الرب يفقِر ويغني. يضع ويرفع” (1صم 2: 6، 7). “أنا
الرب وليس آخر. لا إله سواي. نطَّقتك وأنت لم تعرفني” (إش 45: 5). “قلب
الإنسان يفكر في طريقه، والرب يهدي خطوته” (أم 16: 9). “لأنه لا من
المشرق ولا من المغرب ولا من برية الجبال، ولكن الله القاضي. هذا يضعه وهذا يرفعه”
(مز 75: 6، 7). “في يدك آجالي. نجِّني من يد أعدائي ومن الذين يطردونني”
(مز 31: 15). “وصنع من دم واحدٍ كل أمةٍ من الناس يسكنون على كل وجه الأرض،
وحتم بالأوقات المعيَّنة وبحدود مسكنهم” (أع 17: 26 وأيضاً مز 18: 50 ولو 1:
53 ويع 4: 13-15). (ه) تشمل عناية الله أعمال الناس الاختيارية الصالحة والشريرة.
فجاء فيه ” للإنسان تدابير القلب، ومن الرب جواب اللسان” (أم 16: 1). “قلب
الملك في يد الرب كجداول مياه، حيثما شاء يُميله” (أم 21: 1). “مبارك
الرب إله آبائنا الذي جعل مثل هذا في قلب الملك” (عز 7: 27). “وأُعطي
نعمةً لهذا الشعب في عيون المصريين، فيكون حينما تمضون أنكم لا تمضون فارغين”
(خر 3: 21). “أمِلْ قلبي إلى شهاداتك لا إلى المكسب” (مز 119: 36). ولا
يخفى أن نبوات كتاب الله ومواعيده وتهديداته مبنية على أن السلطان المطلق على
الخلائق العاقلة اللازم للعناية بالعالم هو في يده. وكذلك صلوات شعب الله مبنية
على ثقتهم بأنه يدبّر العالم، وأنه يعمل في الناس أن يريدوا وأن يعملوا حسب مسرة
الله (في 2: 13). ومن الآيات التي تبرهن سياسة الله لأعمال الناس الشريرة ما يأتي “هذا
أخذتموه مسلّماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق، وبأيدي أثمةٍ صلبتموه
وقتلتموه” (أع 2: 23). “لأن غضب الإنسان يحمدك. بقية الغضب تتمنطق بها”
(مز 76: 10). “حوَّل قلوبهم ليُبغضوا شعبه، ليحتالوا على عبيده” (مز
105: 25 وأيضاً أم 16: 9 و20: 24 وإر 10: 23 ومز 33: 14، 15 وخر 12: 36 ومز 25:
9-15 و2صم 16: 10 و24: 1 و12: 11 و1مل 22: 23 وأع 4: 28 ورو 9: 18 و11: 32).

فعناية
الله بكل خلائقه وكل أعمالهم تحفظ الإنسان مدة غربته على الأرض من اليأس والاضطراب
والخوف، كما أن رجاء الخلاص يحفظ الإنسان من اليأس من الحياة الآتية. واقتصر الله
على تأكيد هذه العناية دون شرح طريقة عملها، ودون تعليل فعلها، مع الاحتفاظ بحرية
البشر، ومع أسباب ثانوية تعمل على الدوام في الطبيعة.

8 –
ما هي العلاقة بين أعمال الناس الصالحة وعناية الله؟

* هي علاقة السبب
بالنتيجة، مع حفظ حريتنا. فالأعمال الصالحة نتيجة تأثير النعمة الإلهية فينا،
والكتاب ينسبها على الدوام إلى فعل نعمة الله فينا (إش 40: 29-31 ويو 15: 5 و2كو
12: 9، 10 وغل 5: 22-25 وأف 1: 4 و2: 10 وفي 2: 13 و4: 13 وتي 2: 14 وعب 13: 20،
21 و1بط 5: 10). غير أن الله لا يجبرنا على عمل الصلاح بل يعمل فينا بنعمته
ويدرّبنا بعنايته وبواسطة أحوالنا الشخصية إلى عمل ما هو لائق وواجب بكمال إرادتنا
واختيارنا، وذلك بأن:

(1) يجددنا بروحه القدوس،
ويحثنا على إتمام كل ما يُطلب منا.

(2) يدبّر بعنايته القادرة
على كل شيء الأسباب الخارجية لتؤثر فينا وتقودنا لمحبة الخير وكراهية الشر، دون أن
يعطل حريتنا.

9 –
ما هي العلاقة بين أعمال الناس الشريرة وعناية الله؟

* أعمال البشر الشريرة هي
أعمالهم بسماحٍ من الله، ولكنها مع ذلك ضمن دائرة سلطانه. إنه لا يسبّبها، ولكنه
يحكم عليها ويعيّن حدودها. ولو شاء لقدر أن يمنع حدوثها (انظر 2صم 16: 10 و24: 1
ومز 76: 10 وأع 4: 27، 28 ورو 11: 23). ومن تعليم الكتاب في هذا الشأن:

(1) أعمال الناس الشريرة
تحت سلطان الله، فلا يمكن أن تحدث إلا بسماحه لإتمام مقاصده. فقيل إن شاول قتل
نفسه، ثم قيل إن الله قتله وأعطى المملكة لداود (1أي 10: 4-14). وقيل أيضاً إن
الرب قسَّى قلب فرعون وروح سيحون ملك حشبون وإنه حوَّل قلوب الأمم ليبغضوا شعبه،
وإنه يعمي بصائر الناس، ويرسل عليهم روح الضلال ليصدّقوا الكذب، ويهيج الشعوب
للحرب. وجاء في سفر الرؤيا “لأن الله وضع في قلوبهم أن يصنعوا رأيه، وأن
يصنعوا رأياً واحداً، ويعطوا الوحش ملكهم حتى تكمل أقوال الله” (رؤ 17: 17).
ومعنى كل ذلك أن الله ليس سبب تلك الحوادث بالذات، بل إنها ضمن دائرة عنايته، وإن
كان فاعلوها أحراراً في كل ما عملوه.

(2) لا يمكن أن تتجاوز
شرور الناس الحدود التي وضعها لها الله. ومن ذلك قوله “غضب الإنسان يحمدك.
بقية الغضب تتمنطق بها” (مز 76: 10). “لأن هيجانك عليَّ وعجرفتك قد صعدا
إلى أذنيَّ. أضع خزامتي في أنفك ولجامي في شفتيك وأردُّك في الطريق الذي جئت فيه”
(2مل 19: 28).

(3) كثيراً ما ينشئ الله
عن أعمال الناس الشريرة نتائج صالحة، ومن أمثلة ذلك ما أحدثه من الخير من تصرُّف
إخوة يوسف الرديء مع أخيهم البار، ومن عناد فرعون وعصيانه، ومن صلب اليهود للمسيح،
ومن اضطهاد الكنيسة، ومن الحروب، وغير ذلك. فتلك كلها جعلها الجالس على كرسي
السماء تؤدي لإتمام مقاصده الحكيمة الرحيمة.

(4) تعمُّ عناية الله
أعمال الناس الشريرة، حتى أنها تصدر من مرتكبها لا من الله، فليس الله سبب الخطية،
وهو لا يُسرُّ بها “لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظُّم
المعيشة، ليس من الآب بل من العالم” (1يو 2: 16). و”لا يقُلْ أحدٌ إذا
جرّب إني أُجرَّب من قِبَل الله، لأن الله غير مجرَّب بالشرور، وهو لا يجرب أحداً
(بالشرور)” (يع 1: 13). و”أتسرقون وتقتلون وتزنون وتحلفون كذباً وتبخرون
للبعل وتسيرون وراء آلهة أخرى لم تعرفوها؟” (إر 7: 9).

10 –
ما هما الاعتقادان الخاطئان في علاقة عناية الله بالكون؟

* (1) اعتقاد “ترك
الله الأسباب الثانوية” تجري دون أن يكون لها علاقة بعنايته. ويتضح خطأ هذا
الاعتقاد من أنه يصف الكون كأنه آلة ميكانيكية مستقلة عن الله، وأن المعجزات
مستحيلة ولا داعي لها، وهذا يخالف جوهر الدين المسيحي وتعليم الكتاب المقدس، فالله
يعمل في الكون على الدوام بحكمته الفائقة وحسب رأي مشيئته ليربي خلائقه ويدربهم
ليتمموا مقاصده. ويلزم عن هذا المذهب أيضاً أن الصلاة بلا فائدة، وأن الإعلانات
الإلهية غير صحيحة، وأن الاعتقاد بمسؤوليتنا أمام الله وهمٌ، وأن الدين خرافة. وكل
ذلك لا يقبله العقل السليم.

(2) الاعتقاد أن “الله
هو العامل الوحيد في الكون” وأن كل ما قيل في عمل الأسباب الثانوية غير صحيح.
وهو يشبه مذهب ألوهية الكون (وحدة الوجود). على أن الكتاب المقدس والعقل والاختبار
يقولون إن الله يعمل في الكون وكذلك البشر، وإن الله لا يبطل قدرة البشر على العمل
بمقتضى طبيعتهم، ولا يمنع فعل الأسباب الطبيعية.

11 –
ما هو المذهب الصحيح في عناية الله بالكون، وعلاقتها بأعمال البشر؟

* هو مذهب الكتاب المقدس،
الذي من مبادئه أن الله هو العامل في الكون، سواء فعل بقوته مباشرةً أو بواسطة
أسباب ثانوية، وهو المسيطر عليه الذي قضى بكل ما يحدث، وهو يعتني بجميع خلائقه
بحسب مشيئته الفائقة، وأنه توجد أسباب ثانوية يستخدمها الله ليتمم مقاصده، لكنها غير
مستقلة عن سلطانه.

ويعلّمنا
الكتاب المقدس في عناية الله:

(1) أنها عامة لا تختص
بأمر دون آخر، بل تشمل كل شيء (مز 22: 28، 29 و103: 17-19 ودا 4: 34، 35 ومت 10:
29-31).

(2) أنها تشمل أفكار البشر
ومقاصدهم والأمور التي تظهر لنا أنها عرضية (2أي 16: 9 وأم 21: 1 و16: 9، 33 و19:
21).

(3) أنها فعالة (أي 23: 13
ومز 33: 11 ومرا 2: 17).

(4) أنها مرتبطة بقضائه،
وأنها جزء منه (مز 104: 24 وإش 28: 29 أع 15: 18 وأف 1: 11).

(5) أن هدفها مجد الله
وخير الكنيسة وبنيان ملكوته (رو 9: 17 و8: 28 و11: 36).

(6) أنها توافق جميع صفاته،
فهو لا يناقض نفسه مطلقاً (2تي 2: 13).

(7) أنها توافق حالة البشر
حتى يبقى الإنسان حراً ومسؤولاً.

(8) أنها تقوّي الإنسان
على عمل الصلاح (في 2: 13).

ولا
دخل لها في أعمال الإنسان الشريرة إلا من حيث السماح بها، وحصرها ضمن حدودٍ لا
تتجاوزها، وتحويلها حين يشاء لوسائط تتمّم مقاصده وتعمل لخير الخليقة.

12 –
ما هي الاعتراضات على تعليم العناية الإلهية؟

* أهم الاعتراضات على هذا
التعليم:

(1) لا يليق بالله أن يهتم
بكل أمرٍ صغير. فنجيب: إن الله أحكم منا وأدرى بما يليق بشأنه. فلتكن أقوالنا
متناسبة مع إعلانه عن نفسه.

(2) يدل ما في العالم من
البلايا والضيقات على أن الله لا يعتني بنا ولا يحبنا كما أنه غير عادل. فنجيب: انظر
فصل 12 س 66-70
ونقول أيضاً إن هذه المصائب لا تدل على نقصٍ في الله، بل هي
لأهداف حسنة، إما لتأديب المؤمن أو لإصلاح الخاطئ أو لعقابه.

(3) يلزم عنه عدم وجود
أسباب ثانوية، كما أنه يعارض حرية الخلائق العاقلة. فنجيب: إن هذا القول يخالف
تعليم الكتاب المقدس والعقل السليم.

(4) يلزم عنه أن الله
مسؤول عن وجود الخطية. فنجيب: إن هذه النتيجة غير صحيحة، لأن عناية الله لا تقود
الإنسان إلى الخطية، بل هو يخطئ بكامل اختياره. ولا شك أن ما ينشأ من الخوف الناتج
عن هذا التعليم وما فيه من الأسرار والمشاكل يزول بواسطة الإيمان بكلام الله
والثقة بصلاحه ومحبته والتسليم لإرادته.

13 –
ما هي علاقة القوانين الطبيعية بعناية الله؟

* قد يُراد بالقوانين
الطبيعية ما اختبرناه من توالي حوادث على نسقٍ واحد بدون نظر إلى سبب ذلك التوالي.
وقد يُراد بها أيضاً القوة التي تفعل على الدوام في الخليقة على صورة واحدةٍ،
كقوانين الجاذبية والنور والحرارة والمغناطيس ونحوها. والمعنيان يفيدان أن علاقة
القوانين الطبيعية بعناية الله، كما يعلّمنا الكتاب المقدس هي:

(1) إن الله سنَّها، وأعطى
تلك القوات للمواد ورتَّب أنها تفعل دائماً على صورة واحدة.

(2) إنها خاضعة لله، يقدر
أن يغيّرها كلما شاء أو يوقفها أو يلغيها أو يعمل بها أو بدونها.

(3) يتوقّف ثبوت الكون
وخير خلائقه ووجودهم على استمرار فعل عنايته، فإن الله في كل أعمال عنايته العادية
يفعل بواسطتها ولا يخالفها إلا لداعٍ كافٍ، فلا يفعل بلا قانون في العالم المادي،
كما أنه لا يفعل بلا قانون في العالم الأخلاقي.

ونتعلم
من الكتاب المقدس أن تلك القوانين مقررة ثابتة ومرتبة من الله، وأن الإنسان يقدر
أن يستعملها ليتمم مقاصده. ولكن إذا خالفها يضر نفسه. ويقدر الله غير المحدود أن
يُخضِعها دائماً لإرادته.

14 –
ما هي علاقة أعمال الناس الاختيارية بعناية الله؟

* تشمل عناية الله خلائقه
العاقلة كما تشمل عالم الجماد. ومن مبادئ عنايته بخلائقه:

(1) إنه جعل الإنسان
قادراً على استعمال عقله، وعلى أداء أعماله بأمانة، وهذا واضح من الكتاب المقدس
ومن مشاعرنا. ولولا ذلك لكان الإنسان غير مخيّرٍ ولا مسؤول.

(2) إنه يحفظ بعنايته حياة
الخلائق العاقلة، ويمكّنهم من استعمال قواهم العقلية والجسدية بقوته، علماً بأنهم
مخيّرون قادرون على إنشاء أفعالهم. ويقدر الله أن يجعلهم يستعملون تلك القوى حسب
إرادته، فمرات يمنع فعلهم، وأخرى يقود إرادتهم إلى طريقة دون غيرها. وبناء على ذلك
نصلي له ليُميل قلوب البشر إليه ويغيّر أخلاق الأشرار، وأن يفعل فينا لنريد ونعمل
ما يرضيه. وهذا يعني أن الإنسان غير مستقل عن الله في استعمال القوى التي وهبها
له، وأن قلوب البشر في يد الله وعنايته تشمل أفعالهم كما تشمل الأمور الطبيعية،
وأن فعله في أنفسهم لا يناقض قوانين العقل والاختبار، كما أن فعله في العالم
المادي لا يناقض القوانين الطبيعية.

15 –
ما هو الفرق بين فعل عناية الله في أمور البشر وفعل الروح القدس الخاص في نفوسهم؟

* نتعلم من الكتاب المقدس
أن العمل الأول طبيعي يجريه الله بحسب قوانين ثابتة. والثاني فوق الطبيعة يجريه
الروح القدس حسب رأي مشيئته. ومما يُظهر الفرق بينهما:

(1)
ينسب الكتاب المقدس أعمال الناس العادية لقواهم الطبيعية العقلية، وينسب الإيمان
والتوبة والعواطف المقدسة في المؤمنين إلى الحياة الجديدة التي وُهبت لهم بالولادة
الجديدة. فأعمال الناس الحرة العادية (خصوصاً الشريرة) تصدر من ميولهم الطبيعية،
لأن الله لا يجبرهم عليها ولا يحركها فيهم. وأما العواطف المقدسة فتنشأ من عمل روح
الله فقط.

(2) تعليمه أن الله يُجري
عنايته العادية بخلائقه العاقلة على ما سنَّه لهم من القوانين الخاصة بهم والتي
تتفق مع طبيعتهم العقلية. وأما عمل نعمته فيجريه حسب رأي مشيئته. فالعواطف المقدسة
لا تصدر من مجرد فعل الحق في عقولنا بل من حلول روح الله فينا وفعله الخاص، فنقول “أحيا
لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ”. وهذا التمييز بين الطبيعة والنعمة، أي بين
عناية الله العادية وتأثير روحه في قلوب شعبه أمر جوهري.

وكثيراً
ما نتحيّر ونحن نرى أفكار الله مختلفة عن أفكارنا، وهو لا يبيّن لنا مقاصده في كل
أمرٍ. غير أن الإعلانات الإلهية تعلّمنا ما يقوي ثقتنا ورجاءنا بالله. ويشهد
اختبار الصالحين في كل عصرٍ أن الله يعاملنا باللطف والمحبة، وأن عجائب عنايته هي
عجائب النعمة، وأن الذي يتكل عليه ينال الفرج في حينه. فعلى المؤمن بالحق أن يكون
صبوراً متواضعاً كثير الصلاة ينتظر إرادة الرب على الدوام.


الفصل الثامن عشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار