علم الكتاب المقدس

الفصل الثالث



الفصل الثالث

الفصل
الثالث

دور
الأنبياء وطبيعة رسالتهم

 

الأنبياء
كما بينا، فى الفصل الأول، هم رجال الله وعبيده وحاملوا كلمته والمتحدون باسمه، فم
الله ولسانه الناطق، الذين حملوا رسالته وإعلاناته إلى البشرية؛ الواسطة التى تكلم
بها، والوسطاء الذين تكلم من خلالهم، فقد تكلم بفمهم ونطق على لسانهم. لم يكونوا
مجرد حكماء أو ناصحين أو رجال دين أو قادة روحيين، بل رجال الروح. كانوا مختارين
من الله حتى قبل أن يصوروا فى بطون أمهاتهم ويوجدوا فى الأرحام، ومدعوين أساساً
للنبوة والمناداة بكلمة الله وإبلاغ رسالة الله وإعلاناته الإلهية للبشرية، شفوياً
أو كتابة، أولاً شفوياً، وأحياناً شفوياً وكتابة، شفوياً مع بعض الأجزاء المكتوبة
مثل لوحى الحج اللذين كتب الله عليها الوصايا العشر(1)، ومثل ما كان يمليه أرميا
النبى على تلميذه باروخ من رسائل وأسفار تحوى رسائل إلى الذين كانوا فى السبى أو
نبوات على الشعوب(2). ثانياً: كتابة ما يختاره الروح من هذه الإعلانات فى أسفار
تحفظ فى أيام الأنبياء ومعاصريهم وتبقى للأجيال التالية(3) كقول القديس بولس
بالروح ” كل ما سبق فكُتب كُتب لأجل تعليمنا حتى بالصبر والتعزية بما فى
الكتب يكون لنا رجاء(4)”.

 

1- دور الأنبياء وعملهم:

كان
هناك أنبياء رئيسيون متفرغون تماماً للعمل النبوّى وإبلاغ رسالة الله وحمل
إعلاناته مثل موسى وصموئيل وإيليا وإليشع وأرمياء وحزقيال وعاموس، وبقية الأنبياء
الرئيسيين، المتفرغين أو المكرسين تماماً وكان هناك أنبياء متفرغون لخدمة بيت الله
وعملهم هو التسبيح والترنيم وإنشاد الترانيم والأناشيد الروحية الإلهية والمزامير
الموحى بها بالروح القدس، فى خيمة الإجتماع ثم فى الهيكل، مثل آساف وهيمان
ويدثون(5) وكان هناك أنبياء البلاط أو المستشارون الروحيون الذين كان الله
يستخدمهم فى نصح وإرشاد وتوجيه الملوك، وكانوا يعملون فى بلاط داود الملك وسليمان
الحكيم(6) وما بعدهما. وكان هناك أشخاص لهم موهبة النبوّة وقد تكلم الله على فمهم
وبلسانهم، ولكنهم كانوا غير متفرغين للعمل النبوى مثل داود الملك وسليمان الحكيم
ودانيال رئيس الوزراء، وذلك إلى جانب الآباء البطاركة إبراهيم وإسحق ويعقوب ومن
قبلهم أخنوخ ونوح.

 

1- الآباء البطاركة:

تعامل
الله مع الآباء البطاركة من آدم إلى إبراهيم وإسحق ويعقوب إلى جانب موسى وإيليا
النبيين مباشرة وتكلم معهم من خلال الظهورات الإلهية المتنوعة والمختلفة(7)، وكان
كلامه معهم يختص، بصفة خاصة، بمستقبلهم هم شخصياً ومستقبل نسلهم من بعدهم،
وبالتالى مستقبل البشرية كلها. لم يحملوا رسائل مباشرة لمن كانوا حولهم، وإنما
كانوا هم مثالاً ونموذجاً لكل الأجيال القادمة وحملوا المواعيد الإلهية لكل الأمم
فى الأجيال التالية.

كان
آدم وحواء وحدهما قبل السقوط، وكان هابيل الأفضل فى علاقته بالله بالمقارنة بأخيه
قايين(8). أما أخنوخ، يقول الكتاب عنه “وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله
أخذه(9)”، وقال عنه يشوع بن سيراخ “أخنوخ أرضى الرب فنُقل إلى السماء
وكان مثالاً يُشجع الأجيال المُقبلة على التوبة(10)”، وكان نوح كما يقول
الكتب “كارزاً للبر(11)”، وأقام الله معه عهداً وميثاقاً أبدياً أن لا
يهلك بالطوفان ثانية كل حى كما أهلك المعاصرين له(12)، أما إبراهيم فقد آمن بالله
وحفظ شريعته وعندما امتحنه الله فى أبنه إسحق وجدهُ أميناً وأطاع الله، وأقام الله
معه عهداً، وهذا العهد هو أنه هو يكون بركة وتتبارك فى نسله جميع الشعوب(13)،
وأقام الله معه هذا العهد ذاته مع إسحق ويعقوب وهو أن تتبارك جميع القبائل والشعوب
والأمم بنسلهم الآتى فى ملء الزمان(14) نسل أيراه يم وإسحق ويعقوب، أى المسيح
“والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر الأمم سبق فبشر إبراهيم أن فيك
تتبارك جميع الأمم.. لتصير بركة إبراهيم للأمم فى المسيح.. وفى نسلك الذى هو
المسيح” (غل 8: 3،14،16).

جميع
هؤلاء آمنوا بالله وتكلم الله معهم وظهر لهم وتكلم بهم ومن خلالهم، لكن ليس
لأجيالهم فحسب بل للأجيال التالية. فهل كانوا بهذا المفهوم أنبياءً؟ كان إبراهيم
كما قال عنه الله “نبياً”، وكان أول من دعى بلقب “نبى” فى
الكتاب المقدس عندما قال الله عنه لأبيمالك ملك جرار “رُد امرأة الرجل فإنهُ
نبىّ فيصلى من أجلك فتحيا(15)”.

وقال
الروح فى رسالة يهوذا أن أخنوخ “تنبأ”، “وتنبأ عن هؤلاء أيضا أخنوخ
السابع من آدم قائلاً هوذا قد جاء الربُّ فى ربوات قديسيه(16)”، وتنبأ نوح
وإسحق ويعقوب عن مصير نسلهم من بعدهم(17).

كانوا
هم آباء الآباء وآباء الأنبياء ونتيجة لقوة علاقة الله بهم وصف بهم عندما قال
لموسى “أنا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب(*)”، كانوا هم آباء
الأنبياء بل وأقدم الأنبياء.

 

2- الأنبياء الرئيسيون (المستقلون):

كان
الأنبياء، دائماً وسيظلون، هم الأعلى مكانة من كل البشر، سواء الملوك أو الرؤساء
أو الكهنة أو المصلحين.. الخ فهم رجال الله وعبيده وفمه الناطق والمنادون برسالته
وحاملوا إعلاناته للبشرية، وكانت مكانتهم مستمدة من الله مباشرة باعتبارهم أنبياءه
ورسله ووسطاءه والناطقين بكلامه، فقد تكلم معهم وكشف لهم أسراره ووضع كلامه فى
أفواههم ونطق بلسانهم، فكان كلامهم هو كلام الله ودعوتهم هى دعوة الله الذى كشف من
خلالهم عن ذاته وإرادته وأعلن عن شرائعه ونواميسه ووصاياه، وأبلغ من خلالهم عن
وعوده ودينونته وتحذيراته وويلاته وبركاته وهباته وعطاياه وخلاصه الأبدى. وكان
لابد للشعب أن يسمع لكلامهم الذى هو كلام الله “ويكون أن الإنسان الذى لا
يسمع لكلامى الذى يتكلم به (النبى) باسمى أنا أطالبه(18)”، “ويكون أن كل
نفس لا تسمع لذلك النبى تُباد من الشعب(19)”.

كان
الأنبياء هم الذين يمسحون المختارين للمُلك والكهنوت بالدهن المقدس فيصيروا ملوكاً
وكهنة، وكان الأنبياء الرئيسيون مثل موسى وصموئيل وإيليا وإليشع وأشعياء وإرمياء
وحزقيال، متفرغين تماماً للعمل النبوى وخدمة الله والمناداة بكلامه وإعلان رسالته،
وكانوا مستقلين تماماً عن السلطات المدنية والكهنوتية، عن الملوك والكهنة، بالرغم
من أن بعضهم كان فى الأصل كاهناً مثل أرمياء وحزقيال.

عاش
شعب الله فى القديم تحت حكم الله مباشرة منذ دعوة إبراهيم ليخرج من أرضه وشعبه
ويترك عشيرته وأهله إلى حيث يقوده الرب إلى صموئيل النبى ولم يكن ابنى إسرائيل فى
هذه الفترة التى أمتدت حوالى 1000 سنة، من إبراهيم إلى موسى حوالى 500 سنة، ومن
موسى إلى صموئيل حوالى 500 سنة، ملك سوى الله، فهو الذى قاد الآباء إبراهيم وإسحق
ويعقوب بنفسه مباشرة وأسكن أولاد يعقوب فى مصر بواسطة يوسف، وهو الذى أخرجهم من
مصر بواسطة موسى النبى، ومن بعد موسى قادهم من خلال يشوع بن نون ثم القضاة إلى
صموئيل القاضى والنبى، ولما طلبوا أن يكون لهم ملك مثل بقية الشعوب مسح لهم شاول
بن قيس بواسطة صموئيل النبى ثم رفضه ومسح داود بن يسى بدلاً منه. يقول القديس بولس
الرسول بالروح “إله شعب إسرائيل هذا أختار آباءنا ورفع الشعب فى الغربة فى
أرض مصر. وبذراع مرتفعة أخرجهم منها. ونحو مدة أربعين سنة أحتمل عوائدهم فى
البرّية. ثم أهلك سبع أمم فى أرض كنعان وقسم لهم أرضهم بالقرعة. وبعد ذلك فى نحو
أربع مئة وخمسين سنة أعطاهم قضاة حتى صموئيل النبى. ومن ثم طلبوا ملكاً فأعطاهم
شاول قيس رجلاً من سبط بنيامي أربعين سنة. ثم عزله وأقام لهم داود ملكاً الذى شهد
له أيضا إذ قال وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبى الذى سيصنع كلّ مشيئتى(20)”،
قاد الله الشعب بنفسه مباشرة فى كل أوُجه الحياة روحياً ومدنياً، من خلال الأنبياء
والقضاة فمسح الكهنة وعين الملوك وأقامهم ومسحهم ووجههم وعزلهم أيضاً عن طريق
وبواسطة أنبيائه، وكان الأنبياء الرئيسيين، سواء قبل وجود الملوك أو أثناء وجودهم،
مستقلين تماماً ولا سلطان لأحد عليهم سوى الله، بل وكانوا هم القادة الفاعلون
وقيادتهم فوق كل قيادة سواء كانت مدنية أو روحية، وكان الملوك والقادة والكهنة
يلجأون إليهم فى كل الأزمات سواء الروحية أو السياسية أو العسكرية أو الاجتماعية،
فى أوقات القحط والجدب والمجاعات وتوقف الأمطار، وفى أوقات الحروب ومواجهة أشباح
الهزائم، وفى أوقات المرض بل والموت أحياناً، وفى الأوقات التى ترك فيها الملوك
والشعب عبادة الله الحى وعبدوا الأوثان، خاصة أوثان الشعوب المجاورة، بل وكانوا
يقودون الشعب بأنفسهم فى أصعب المواقف وأشد الأزمات والمحن والتجارب. وكانوا
متفرغين تماماً لخدمة الله والعمل النبوّى والرسالة التى كانوا يحملونها.

 

1- موسى النبى:

كان
موسى النبى والمشرع العظيم هو الأعظم فى كل أنبياء بنى إسرائيل، وإن كان يوحنا
المعمدان بحسب قول السيد المسيح هو أعظم مواليد النساء بل “وأفضل من
نبىّ(21)”. وكان لموسى النبى امتياز أعظم لم يكن لنبى غيره هو مخاطبة الله
“فماً إلى فمٍ” و”وجهاً لوجه” كما يتكلم الرجل مع صاحبه:

 v
“ويُكلم الرب موسى وجهاً لوجه كما يكلم الرجل صاحبه” (خر
11: 33).

 v
“فنزل الربُّ فى عمود سحابٍ ووقف فى باب الخيمة ودعا هرون ومريم فخرجا
كلاهما. فقال إسمعا كلامى. إن كان منكم نبى للرب فبالرؤيا أستعلنُ لهُ فى الحلم
أكلّمهُ. أما عبدى موسى فليس هكذا بل هو أمين فى كل بيتى. فماً إلى فمٍ وعياناً
أتكلم معهُ لا بالألغاز. وشبه الربّ يعاين” (عدد 5: 12-8).

 v
“ولم يقم بعدُ نبىّ فى إسرائيل مثل موسى الذى عرفهُ الربُّ وجهاً لوجه فى
جميع الآيات والعجائب التى أرسلهُ الربُّ ليُعلمها فى أرض مصر بفرعون وبجميع عبيده
وكل أرضه وفى كل اليد الشديدة والمخاوف العظيمة التى صنعها موسى أمام أعين جميع
إسرائيل” (تث
10: 34-12). وإلى جانب ذلك كان الله قد شاء بإرادته
وفى علمه السابق أن يتعلم ويتثقف موسى النبى بكل ثقافة وعلوم عصره وحضارته، سواء
الدينية أو السياسية أو المدنية أو العسكرية، ولذلك شاءت إرادته أن يتربى كأمير
ومن ثم ككاهن وقائد جيوش، كما يؤكد المؤرخ اليهودى يوسيفوس (36-100م)، فى قصر
فرعون. يقول العهد الجديد “أتخذتهُ أبنة فرعون وربتهُ لنفسها أبناً. فنهذب
موسى بكلّ حكمة المصريين وكان مقتدراً فى الأقوال والأعمال. ولما كملت له مدة
أربعين سنة..(22)”، وذلك إلى جانب رعايته لغنم رعوئيل (يثرون) كاهن مديان فى
برية سيناء مدة أربعين سنة أخرى “ولما كملت أربعون سنة ظهر له ملاك الربّ فى
برّية جبل سيناء فى لهيب نار عُليقةٍ(23)”.

كان
موسى نبياً وقائداً للشعب ومشرعاً عظيماً وكليماً لله، أعلن الله من خلاله
وبواسطته شريعته ونواميسه ووصاياه وتعاليمه، ونظم العبادة الكهنوتية والليتورجية
فى خيمة الإجتماع التى يقول القديس أستيفانوس بالروح أن الله كلم موسى “أن
يعملها على المثال الذى كان قد رآهُ” وكان الله قد طلب من موسى أن يصنع
المقدس بحسب ما يريه وقال لهُ “بحسب جميع ما أن أُريك من مثال المسكن ومثال
جميع آنيته هكذا تصنعون.. وأنظر فأصنعها على مثالها الذى أظهر لك فى الجبل”،
“وتقيم المسكن كرسمه الذى أُظهر لك فى الجبل”. وجاء فى الرسالة إلى
العبرانيين “كما أوحى إلى موسى وهو مزمع أن يصنع المسكن لأنه قال أنظر أن
تصنع كل شئ حسب المثال الذي أُظهر لك في الجبل(24)”، ورتب العبادة والخدمة
الكهنوتية واللاوية فيها(25) وأخرج الشعب من العبودية فى مصر، كما يقول الكتاب
بذراع قوية وصنع الله على يديه العجائب العشر، أو الضربات الشر، فى مصر وشق البحر
الأحمر وفجر الماء من الصخرة وحول الماء المرة إلى ماء عذب وأنزل المن والسلوى من
السماء، أو كما يقول العهد الجديد”صانعاً عجائب وآيات فى أرض مصر وفى البحر
الأحمر مدة أربعين سنة(26)”.

 

2- يشوع بن نون والقضاة:

وبعد
موسى النبى جاء يشوع بن نون خادم موسى وقاد الله الشعب بواسطته ومن بعده قاد الشعب
بواسطة القضاة الذين كان يحل عليهم روح الرب(27) ويقضون بحس شريعة الله التى
أعطاها لموسى النبى(28) “وفى نحو أربع مئة وخمسين سنة أعطاهم (الله) قضاة حتى
صموئيل النبى(29) وفى تلك الفترة لم يذكر الكتاب أسماء أنبياء غير “دبورة
” التى كانت “قاضية” و”نبية”(30) ونبى آخر يذكر الكتاب
أسمه وإنما قيل عنه “أن الرب أرسل رجلاً نبياً إلى بنى إسرائيل فقال
لهم(31)”.

 

3- صموئيل النبى:

وجاء
صموئيل الكاهن والقاضى والنبى والذى يعتبره بنو إسرائيل الثانى بعد موسى النبى
مباشرة. فقد كان مكرساً لله قبل أن تحبل به أمه(32)، تربى منذ طفولته فى الهيكل
وخدم الله وهو بعد صبى صغير ودعاه الله للعمل النبوى وهو فتى صغير(33) وقاد الشعب
ككاهن وكقاضى وكنبى حتى شيخوخته(34) أو كما يقول الكتاب “أؤتمن صموئيل نبياً
للرب. وعاد الرب يتراءى فى شيلوه لأن الرب أستعلن لصموئيل فى شيلوه بكلمة
الرب(35)”، ” وقضى صموئيل لإسرائيل كل أيام حياته(36)” كان يتنبّأ
بما سيحدث وما سيكون فى المستقبل وكان ينادى للشعب بكلمة الله وقام بمسح شاول
ملكاً ووبخه وحذره عندما أخطأ(37) ولما رفض الرب شاول واختار داود بن يسى بدلاً
منه قال له “وأما الآن فمملكتك لا تقوم. قد أنتخب الرب لنفسه رجلاً حسب قلبه
وأمره الرب أن يترأس على شعبه. لأنك لم تحفظ ما أمرك به الربُّ(38)”. وقام
بمسح داود بالدهن المقدس ملكاً(39) وبنى مذبحاً للرب فى الرامة(40) وأقام بوابين
لخيمة الإجتماع مثلما فعل داود الملك بعد ذلك “أقامهم داود وصموئيل الرائى
على وظائفهم(41)”. وأحتفل بعيد الفصح احتفالاً عظيماً لم يحتفل بمثله إلا بعد
ذلك بمئات السنين فى أيام الملك يوشيا(42) وكتب سفراً إلهياً بوحى الروح القدس
“ووضعه أمام الرب(43)”، أى مع الأسفار السابقة، خاصة أسفار موسى الخمسة
“بجانب تابوت العهد(44)”.

وكان
صموئيل النبى رجل صلاة ورئيساً لبنى الأنبياء، جماعات الأنبياء فى عصره(45). ويري
البعض أن الأنبياء الذين وجدوا فى عصر داود الملك مثل ناثان النبى وجاد الرائى
كانوا من تلاميذه على اعتبار أنهم كانوا من بنى الأنبياء

 

4- إيليا النبى النارى:

وفى
عصر الملك الشرير آخاب وزوجته الوثنية الشريرة إيزابل انتشرت عبادة الأوثان التى
كانت منذ أيام يشوع والقضاة فى صراع مع عبادة الله الحى، الواحد الحقيقى(46)، بصفة
خاصة عبادة بعل وعشتاروث من آلهة الشعوب المجاورة. وكانت الملكة إيزابل قد قتلت
أنبياء الرب وشجعت عبادة هذه الأوثان وكانت تُجلس على مائدتها 450 نبياً للبعل
و400 نبياً لعشتاروث. وسار كل الشعب وراءها وعبدوا الأوثان مع الله، ولم يعد أحد
يعبد الله وحده سوى “مئة نبى”(47) خبأهم عوبيديا أحد رجال الملك، وذلك
ضمن سبعة آلاف قال عنهم الله “وقد أبقيتُ فى إسرائيل سبعة آلف كل الركب التى
لو تجثُ للبعل وكل فم لم يقبله(48)”.

وفى
هذا العصر الشرير ظهر إيليا النبى النارى وكان كما يصفه الكتاب “رجل أشعر
متمنطق بمنطقة من جلد على حقويه(49)”. وكان ثائراً غيوراً على الرب وعلى
عبادته وشريعته وكانت رسالته هى إبادة عبادة الأوثان وإبادة القائمين عليها حتى لا
يباد الشعب نفسه ويهلك. كانت رسالته نارية وليس فيها سلام ولم يكن داعياً هو
للسلام “كانت رؤية السلام محجوبة عن عينيه، محفوظة لأنبياء سيجيئون من بعده،
كان عليه هو إعداد الطريق(50)”، وفى أول ذكر له فى الكتاب المقدس يقول الكتاب
أنه جاء برسالة من الله تعلن أن الله هو الإله الحقيقى وحده، الإله الواحد والوحيد
فى الكون وأنه سيمتنع المطر ويحدث قحط ومجاعة شديدة بسبب عبادة الأصنام، ويستمر
الحال كذلك حتى يقدر لله النهاية بإعلان للنبى “حي هو الربُّ إله إسرائيل
الذى وقفتُ أمامهُ أنهُ لا يكون ظل ولا مطر فى هذه السنين إلا عند قولى(51)”،
وذهب إيليا وأختبأ عند نهر كريت فأعاله الله عن طريق الغربان التى كانت تحضر لهُ
خبزاً ولحماً صباحاً ومساءً وكان يشرب من النهر(52) إلى أن جفت مياههُ. ثم أعاله
الله عند أرملة صرفة صيدا والتى بسبب وجوده عندها جعل الله كوار الدقيق عندها لا
يفرغ وكوز الزيت لا ينقص حتى نزل المطر بعد توقف دام أكثر من “ثلاث
سنوات(53)”، “ثلاث سنين وستة أشهر” كما يقول السيد المسيح ويعقوب
الرسول(54). وبصلاته أقام الله ابن الأرملة من الموت(55). وبعد هذا المدة الطويلة
من الجدب والقحط والمجاعة تراءى لآخاب الملك بأمر الله وأعلن عن انتهاء ذلك ونزول
المطر. ثم واجه عبادة البعل والأوثان أمام الشعب وعرض على أنبياء البعل ال 450
وأنبياء السوارى ال 400 أن يقدم هو ذبيحة، ثوراً لله وأن يقدموا هم ذبيحة ثوراًَ
لآلهتهم ويدعو كل منهم باسم الرب إلهه الذى يعبده “والإله الذى يجيب بنار هو
الله(56)” فوافق الشعب. وفشل كهنة البعل وعشتاروث ولم تحدث أى استجابة
لصلواتهم وطقوسهم. وصلى هو لله “فسقطت نار الرب وأكلت المحرقة والحطب
والحجارة والتراب ولحست المياه التى فى القناة. فلما رأى الشعب ذلك سقطوا على
وجوههم وقالوا الرب هو الله الرب هو الله(57)”. ثم أمسك بجميع أنبياء البعل
وذبحهم عند نهر قيشون وخلص الشعب من عبادة الأوثان لفترات طويلة.

كان
إيليا النبى غيوراً جداً على الرب وعلى عبادته وشريعته وكان عمله مُركز فى قوله
“قد غرت غيرة الرب إله الجنود لأن بنى إسرائيل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك
وقتلوا أنبيائك(58)”. ولذلك واجه اضطهاد الملك آخاب وانتقام الملكة إيزابل
التى قررت قتله فهرب إلى البرية وجلس تحت رتمة “وطلب الموت لنفسه وقال قد كفى
الآن يا ربُّ خذ نفسى لأنني لست خيراً من آبائى(59)” فجاءه ملاك الرب بكعكة
وكوز ماء “فقام وسار بقوة تلك الأكلة أربعين نهاراً وأربعين ليلة إلى جبل
الله حوريب(60). وهناك كلمة الله بعد سلسلة من علامات الظهور الإلهى؛ ريح عاصفة
وزلزلة ونار، ب “صوت منخفض خفيف(61)”. وطلب من الله أن يمسح حزائيل
ملكاً على أرام وياهو بن نمشى ملكاً على إسرائيل وإليشع نبياً عوضاً عنه وذلك لكى
يتعاون هؤلاء الثلاثة فى تنفيذ قضاة الله على المرتدين عن عبادة الله الحى
“فالذى ينجو من سيف حزائيل يقتله ياهو والذى ينجو من سيف ياهو يقتله
إليشع(62)”. وأعلن لآخاب الملك قضاة الله بهلاكه هلاك بيته بسبب شروره
وإستيلائه على كرم نابوت فليزرا على وقتله(63)، كما تنبأ بموت الملك أخزيا خليفة
آخاب وأبنه فأرسل خمسين جندياً وقائدهم للقبض عليه فطلب إيليا ناراً من السماء
فنزلت وأكلتهم فأرسل إليه خمسين آخرين وقائدهم ففعل بهم نفس الشئ، فأرسل إليه فرقة
ثالثة فتوسل إليه قائدها فطلب منه ملاك الرب أن ينزل معهم فنزل وأكد للملك حتمية
موته(64)، وعند نهاية خدمته شق مياه نهر الأردن بردائه وعبر إلى الجهة الأخرى ثم
جاءت مركبة من نار وخيل وصعد فى عاصفة إلى السماء(65).

 

5- إليشع النبى:

وخلف
إيليا النبى تلميذه إليشع أكثر من بلقب “رجل الله” والذى قيل عنه
“رجل الله مُقدّس(66)” وأكمل ما بدائه مُعلمه وأستأصل عبادة البعل ونقى
عبادة الله الواحد الحقيقى الحى، وكان راعياً أميناً لشعب الله فى حسم وحزم وقسوة
أحياناً، كان رجل معجزات مثل معلمهُ إيليا النبى ومسح الملوك بالدهن المقدس مسح هو
حزائيل ملكاً على أرام(67) وأرسل أحد تلاميذه من بنى الأنبياء ليمسح ياهو بن
يهوشافاط ملكاً على إسرائيل(68)، وكان مستشاراً روحياً لملوك إسرائيل ويهوذا
وآدوم(69). وناداه ملوك إسرائيل “يا أبى(70)”، “يا أبى يا أبى يا
مركبة إسرائيل وفرسانها(71)” مثلما نادى هو إيليا النبى، مُعلمهُ، من قبل(72)
واستشاره ملك أرام أيضا فى مرضه(73). وكان أباً ومعلماً ورئيساً لجماعات الأنبياء
فى عصره، كانوا يجلسون أمامه ويأتمرون بأمره ويستجيب لحاجاتهم وحاجات أسرهم فى
حالة وفاتهم(74)، كما كان الله يكشف له ما يحدث فى أماكن أخرى فيرى بعينيه
الروحيتين ما لا يراه غيره من البشر، وتنبأ بما سيكون وما سيقع من أحداث فى
المستقبل. كان نبياً وراعياً ومُعلماً ورجلاً من رجال الله، بل وأكثر من لُقب بلقب
رجل الله فى العهد القديم، وكان أعظم من الملوك وأباً لهم.

وقد
بدأت خدمته وعمله النبوى بعد أن كلف الله إيليا النبى بمسحه نبياً فألقى بردائه
عليه وهو يحرث أرض أبيه فترك الأرض والبقر” وركض وراء إيليا(75) النبى
“وكان يخدمهٌ(76)”، “وكان يصبُّ ماء على يدى إيليا(77)”.

وعند
مفارقة إيليا لهُ أخذ نصيب أثنين من روح الله التى كانت على إيليا “ولما رآه
بنو الأنبياء. قالوا قد استقرت روح إيليا على إليشع فجاءوا وسجدوا له(78)”.
وبدأ خدمته بإبراء نبع ماء فى أريحا كانت مياههُ ردية والأرض حوله مُجد به عندما
طرح فيه بعض الملح(79). ولعن بعض الأولاد فى بيت إيل عندما نادوه “يا
أقرع”، “فخرجت دبتّان من الوعر وافترست منهم أثنين وأربعين
ولداً(80)”، وبرغم هذه القسوة كان يتصف بالرحمة وعمل الرحمة، فلما صرحت إليه
“امرأة من نساء بنى الأنبياء(81)” بسبب ما عليها من ديون، طلب منها أن
تستعير أوعية كثيرة من جيرانها ففعلت، ولم يكن لديها “إلا دهنة
زيت(82)”، فامتلأت هذه الأوعية بالزيت من هذه الدهنة، وقال لها “بيعى
الزيت وأوفى دينك وعيشى أنت وبنوك بما تبقى(83)”. وأثناء خدمته كان يمر فى
شونم على امرأة شونمية وزوجها فطلبت المرأة من زوجها أن يصنع لهُ علبيه يقيم فيها
عند مروره عليهم وبصلاته أعطاها الله إبناً ولما مات هذا الولد أقامه الله من
الموت بصلاته(84)، عندما تعرضت جماعة الأنبياء فى الجلجال للموت بسبب أكل مسمم
كانوا يطبخونه بالقدر ألقى عليه بعض الدقيق وأكلوا “كأنه لم يكن شئ ردئ فى
القدر(85)”. وأطعم مئة رجل من بنى الأنبياء بعشرين رغيف شعير وسنابل حنطة
وفاض عنهم، يقول الكتاب انه قال لخادمه “أعط الشعب فيأكلوا لأنهُ هكذا قال
الربُّ يأكلون ويفضل عنهم. فجعل أمامهم فأكلوا وفضل عنهم حسب قول
الرب(86)”.وشفى برص نعمان السريانى رئيس جيش ملك أرام بأن طلب منه أن يغتسل
“سبع مرات فى نهر الأردن(87)”، ولما فعل نعمان ذلك يقول الكتاب
“فرجع لحمهُ كلحم صبى صغير وطهر(88)”. وجعل فأس من الحديد سقطت من أحد
بنى الأنبياء فى نهر الأردن تطفوا على سطح الماء(89).

ورأى
بعينيه الروحيتين غلامه جيحزى وهو يكذب على نعمان السريانى ويطلب منه هدايا ثياب
باسم النبى فحكم عليه وعلى نسله بالبرص إلى الأبد(90). وقال عنه عبيد ملك أرام
“ولكن إليشع النبى الذى فى إسرائيل يخبر ملك إسرائيل بالأمور التى تتكلم بها فى
مخدع مضجعك(91)”، فأرسل ملك أرام للقبض عليه “خيلاً ومركبات وجيشاً
ثقيلاً وجاءوا ليلاً وأحاطوا بالمدينة(92)”، ولما رأى غلام النبى ذلك صرخ
متأوهاً “آه يا سيدى كيف نعمل؟(93)”، فكأنه النبى وصلى لله “ففتح
الرب عينى الغلام فأبصر وإذا بالجبل مملوء خيلاً ومركبات نار حول إليشع(94)”.
وصلى لله فضربهم بالعمى وقادهم إلى ملك السامرة الذى لما أراد قتلهم رفض إليشع
النبى وطاب منه أن يضع لهم خبز وماء فأكلوا وشربوا وأعادهم إلى سيدهم(95) ولما
كانت السامرة محاصرة والمجاعة شديدة فيها تنبأ إليشع بانتهاء الحصار والمجاعة وبرخص
أثمان الطعام وتم ذلك فى اليوم التالى مباشرة(96). ولما مات إليشع ودفن كان بعض
الناس يدفنون ميت فرأوا غزاة من موآب قادمين فألقوا بالميت “فى قبر إليشع
فلما نزل الرجل ومس عظام إليشع عاش وقام على رجليه(97)”.

 

6- إشعياء النبى الإنجيلى:

وفى
أيام حكم الملوك “عزّيّا ويوثام وآحاز” فيما بين (740ق.م إلى 710ق.م)
جاء أشعياء النبى الذى يصفهُ علماء الكتاب المقدس ب “نبى الأمير”
و”الملك على أنبياء بنى إسرائيل” و”نبى إسرائيل العالمى”
والذى أتصف سفره بالبلاغة الأدبية واللغوية ودقة وحدة التعبيرات والوصف والبراعة
فى اختيار الكلمات والمترادفات وجمال الاستعارات ووقار التعبير والهدوء والسمو
والجلال والفخامة والطاقة والحيوية المليئة بالصور المثيرة والتمثيل الدرامى
والاستخدام الواسع للكلمات والجمل والتعبيرات المتضادة والمفردات وتكرار الكلمات
والأفكار والأمثال والكنايات والاستعارات والتشبيهات. كما يتميز سفره بأنه يضم كل
أنواع وصفات وخصائص الأدب الذى كان سائداً فى عصره من أمثال ورؤى ورموز وحوار
درامى وأناشيد غنائية ومراثى، وقد كتب معظم السفر شعراً. كما جمع بين الإلهيات
والروحيات، التى هى سمة الإعلان الإلهى، والمنطق والخطابة والنصح والتحذير
والتوبيخ والتهديد بالدينونة القادمة والإرشاد.

كان
نبياً عظيماً ومستشاراً روحياً للملوك والشعب يسألون الله ويكلمونه من خلاله،
ويكلمهم، هو بكلمة الله التى يتكلم بها الروح القدس على فمه وبلسانه، كقول الكتاب
“حسناً كلم الروح القدس آباءنا بأشعياء النبى(98)”، وقد تركزت رسالته فى
ثلاثة محاور؛ الأول هو توبيخ الأمة على خطاياه التى انغمست فيها وأنغمس فيها
الجميع من الكبير إلى الصغير، والتى تركزت فى الفساد الدينى والأخلاقى والسياسى
والظلم الاجتماعي وعبادة الأصنام، الزنى الروحى، ومن ثم بدأ سفره بهذه الأقوال
الإلهية شديدة القسوة “أسمعى أيتها السموات وأصغى أيتها الأرضُ لأن الربّ
يتكلّمُ. ربيتُ بنين ونشّأتُهم. أما هم فعصوا على. الثور يعرف قانيهُ والحمارُ
معلف صاحبه. أما إسرائيل فلا يعرف شعبى لا يفهم. ويل للأمة الخاطئة الشعب الثقيل
الأثم نسل فاعلى الشر أولاد مفسدين تركوا الرب أستهانوا تركوا الرب استهانوا بقدوس
إسرائيل أرتدُّوا إلى وراءٍ … كل الرأس مريض وكل القلب سقيم. من أسفل القدم إلى
الرأس ليس فيه صحة … بلادكم خربة. مدنكم محرقة بالنار.. أيديكم ملآنة دماً.
أغتسلوا تنقوا اعزلوا شرّ أفعالكم من أمام عينى كفوا عن فعل الشر تعلموا فعل
الخير. أطلبوا الحق أنصفوا المظلوم أقضوا لليتيم وحاموا عن الأرملة.. كيف صارت
القرية الأمينة زانيةً ملآنةً حقاً كان العدل يبيت فيها. وأما الآن فالقاتلون.
صارت فضتك زغلاً وخمرك مغشوشة بماء. رؤساؤك متمردون ولُغفاء (شركاء) اللصوص كل
واحد منهم يحب الرشوة ويتبع العطايا (يسعى وراء الربح) لا يقضون لليتيم ودعوى
الأرملة لا تصل إليهم(99)”.

والمحور
الثانى هو إعلان قداسة الله وبره وكونه الإله الواحد الحقيقى، خالق السموات
والأرض، الكون كله، سيد الكون والفاعل فى التاريخ الآزلى الأبدى، الذى لا بداية له
ولا نهاية، عالم الخفيات والظاهرات، ما يرى وما لا يرى الذى يكشف الماضى ويعلن
الحاضر والمستقبل، خالق كل شئ وبيده حياة وأمر كل شئ، كلى الوجود والقدرة والعلو:

+ “هكذا
يقول الله الرب خالق السموات وناشرها باسط الأرض ونتائجها معطى الشعب عليها نسمة
والساكنون فيها روحاً” (أش 5: 42).

+
“قبلى
لم يُصورّ إله وبعدى لا يكون. أنا أنا الرب وليس غيرى مخلص” (أش10: 43،11).

+
“أنا
الرب وليس آخر. لا إله سواى.. ليس غيرى. أنا الرب وليس آخر. مصور النور وخالق
الظلمة صانع السلام وخالق الشر. أنا الرب صانع كل هذه… هكذا يقول الرب قدوس
إسرائيل وجابلهُ. أسألونى عن الآتيات.. أنا صنعت الأرض وخلقت الإنسان عليها. يداى
أنا نشرتا السموات وكل جندها أنا أمرتُ.. لأنه هكذا قال الرب خالق السموات هو
الله. مصور الأرض وصانعها. هو صورها. لم يخلقها باطلاً. للسكن حورها. أنا الرب
وليس آخر.. أنا الرب ولا إله آخر غيرى.. ليس سواى. التفتوا إلىّ واخلصوا يا جميع
أقاصى الأرض لأنى أنا الله وليس آخر” (إش 5: 45-7،11،12،18).

وكان
جوهر السفر وجوهر رسالة النبى هو الخلاص، خلاص الرب، وكان إشعياء أكثر نبى تكلم عن
الخلاص، خلاص الله للشعوب فى جميع أقاصى الأرض، فقد تكررت كلمة “خلاص”
فى السفر 26 مرة فى حين ذكرت سبع مرات فقط فى أقوال بقية أنبياء العهد القديم
الآخرين. وتكلم بكثرة وبكثافة عن قداسة الله (36مرة) الذى وصف ب “قدوس
إسرائيل(100)”، و”قدوس يعقوب(101)”، “قدوسكم(102)”،
“الإله القدوس(103)”، و”ساكن الأبد القدوس أسمه(104)”، وكان
قد بدأ خدمته بالرؤيا التى رأى فيها الله القدوس جالساً فى الهيكل وحوله السرافيم
يسبحونه قائلين “قدوس قدوس رب الجنود مجدهُ ملءُ كل الأرض(105)”.

أما
المحور الثالث فقد تركز فى نبوات النبى على ما سيحدث لشعب الله من خراب ودمار وسبى
إلى بابل، والذى حدث بعد انتقاله من العالم بحوالى 100 سنة، ثم عودة البقية
الأمينة من الشعب ثانية، وتنبأ عن أسم الملك الأممى الذى سيأمر بعودة هذه البقية
الأمينة ثانية، بل وتنبأ عما سيكون عليه هذا الملك القادم والأمم التى ستخضع له
كإمبراطور عالمى “القائل عن كورش راعىّ فكل مسّرتى يتممّ ويقول عن أورشليم
ستُبنى وللهيكل ستُؤسّس، هكذا يقول الرب لمسيحة لكورش الذى امسكتُ بيمينه لادوس
أمامه أمماً(106)”، وتنبأ أيضا عن مصير كثير من البلاد المجاورة للقدس وعلى
رأسها مصر(107) وبابل(108) واشور(109) وموآب(110) ودمشق(111) ومادى وفارس(112)
وادوم(112) والعربية(112) وصور(113)، أما معظم نبؤاته فقد كانت عن السيد المسيح،
وجوده الأزلى كالإله القدير(114) وتجسده وميلاده من عذراء(115) وخدمته فى
الجليل(116) وأعماله ومعجزاته(117) وكان أعظم من صور آلام المسيح وصلبه وموته بعين
النبوّة والرؤيا بمغزاها الفدائى الخلاصى اللاهوتى “لكن أحزاننا حملها
وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناهُ مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً. وهو مجروح لأجل
معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبُحبُره (جراحه) شُفينا. كلنا كغنم
ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه أثم جميعنا(118)”، كما تنبأ
بأستفاضة عن البركات المسيانية، بركات العصر المسيحى والأبدية(119).

 

7- أرمياء النبى الباكى:

ولما
حان وقت العدل الإلهى وجاءت الدينونة على بنى إسرائيل، بل وفى أحلك أوقاتها وأشدها
سواداً أرسل الله أرمياء النبى لينذر بعواقب الخطية التى تراكمت على هذا الجيل
الذى كان عليه أن يجنى ثمار خطاياه وخطايا الآباء الذين لو يوفوا بعهودهم مع الله،
وينال عقوبة عصيان الله والارتداد عنه ومخالفة ناموسه ووصاياه، شريعته، ونظراً
لقسوة الأيام القادمة على الشعب والنبى، وعظم ما سيلاقيه النبى من عذابات
واضطهادات وحبس، وعظم ما سيعانيه من الشعب من جوع وحرق وموت وسبى، فقد طلب منه
الله أن لا يتزوج وأن لا يكون له بنين أو بنات بسبب الشر القادم والدينونة
القادمة: “ثم صار إلىّ كلام الرب قائلاً لالا تخذ لنفسك امرأة ولا يكون لك
بنون ولا بنات فى هذا الموضع لأنه هكذا قال الرب عن البنين وعن البنات المولودين
فى هذا الموضع وعن أمهاتهم اللواتى ولدنهم وعن آبائهم الذين ولدوهم فى هذه الأرض
ميتات أمراض يموتون. لا يُندبون ولا يُدفنون بل يكونون دمُنه (زبلاً) على وجه
الأرض وبالسيف والجوع يفنون وتكون جثثهم أكلاً لطيور السماء ولوحوش
الأرض(120)”.

وقد
تركزت رسالة النبى فى ثلاثة محاور أيضا؛ المحور الأول هو المناداة بحتمية العقاب
الإلهى القادم والدينونة الوشيكة وتنفيذ كل ما سبق أن حذر منه الله بنى إسرائيل،
وبالتالى حتمية الهلاك والموت والحرق لجزء سواء بالجوع أو بالسيف أو النار وحتمية
دمار الهيكل وأورشليم والطرد من الأرض والسبى إلى بابل: “الكلمة التى صارت
إلى أرمياء من قبل الرب قائلاً: قف قف فى باب بيت الرب وناد هناك بهذه الكلمة وقل.
اسمعوا كلمة الرب يا جميع يهوذا الداخلين فى هذه الأبواب لتسجدوا للرب. هكذا قال
رب الجنود إله إسرائيل. أصلحوا طرقكم وأعمالكم فأسكنكم فى هذا الموضع. لا تتكلوا
على كلام الكذب قائلين هيكل الرب هو. لأنكم أن أصلحتم إصلاحاً طرقكم وأعمالكم أن
أجريتم عدلاً بين الإنسان وصاحبه أن لم تظلموا الغريب واليتيم والأرملة ولم تسفكوا
دماً زكياً فى هذا الموضع ولم تسيروا وراء آلهة أخرى لاذائكم.. ها أنتم متكلون على
كلام الكذب الذى لا ينفع أتسرقون وتقتلون وتزنون وتحلفون كذباً وتبخرون للبعل
وتسيرون وراء آلهة أخري لو تعرفوها ثم تأتون وتقفون أمامى فى هذا البيت الذى دُعى
باسمى عليه وتقولون قد أُنقذنا. حتى تعلموا كل هذه الرجاسات، هل صار هذا البيت
الذى دعى باسمى عليه مغارة لصوص فى أعينكم.. ولأن من أجل عملكم هذه الأعمال يقول
الرب قد كلمتكم مبكراً ومكلماً فلم تسمعوا ودعوتكم فلم تجيبوا أصنع بالبيت الذى
دُعى باسمى عليه الذى أنتم متكلون عليه وبالموضع الذى أعطيتكم وآبائكم إياهُ كما
صنعتُ بشيلو (عندما دمر الفلسطينيون خيمة الإجتماع فيها وهزموا الشعب أمامهم(121).
وأطرحكم من أمامى كما طرحتُ كل أخوتكم كل نسل أفرايم(122)، وأنت فلا تصل لأجل هذا
الشعب ولا ترفع لأجلهم دعاءً ولا صلاة ولا تلحّ علىّ لأنى لا أسمعك(123)”.
وقد تم ذلك حرفياً فى زمان النبى حين حاصر ملك بابل أورشليم وحدثت بسبب ذلك الحصار
مجاعة شديدة وهرب عدد كبير من الشعب من ثقب فى سور المدينة، ثم دمر ملك بابل أسوار
المدينة وأحرق بيوتها ودمر الهيكل تماماً وأخذ عدداً كبيراً من الشعب إلى السبى فى
بابل(124).

وكان
المحور الثانى لرسالة النبى هو إعلان قبول الله لتوبة الخطاة والعودة إلى عبادته
والسير بحسب وصاياه وكيف أن الله يستطيع تشكيل الإنسان ثانية وأنه يصفح عن الذين
شاء أن يهلكهم عند توبتهم ورجوعهم إليه. ولإيضاح ذلك بصورة عملية أنزل الله أرمياء
النبى فى بيت الفخارى وأراه كيف يعيد الفخارى الوعاء الفاسد ويعملهُ وعاء آخر بحسب
ما يحسن فى عينيه وبعد ذلك يقول النبى بالروح “فصار إلىّ كلام الرب قائلاً:
أما أستطيع أن أصنع بكم هذا الفخارى يا بيت إسرائيل يقول الرب هوذا كالطين بيد
الفخارى أنتم هكذا بيدى يا بيت إسرائيل. تارة أتكلم على أمّة وعلى مملكة بالقلع
والهدم والإهلاك فترجع تلك الأمة عن شرها فأندم على الشر الذى قصدتُ أن أصنعه بها.
وتارة أتكلم على أمّة وعلى مملكة بالبناء والغرس. فتفعل الشر فى عينىّ فلا تسمع
لصوتى فأندم على الخير الذى قُلت أنى أحسن إليها به(125)”.

والمحور
الثالث لرسالة النبى هو حتمية العودة من السبى، عودة البقية الأمينة بعد سبعين سنة
وتجديد العهد معها بعهد جديد “ويكون عند تمام سبعين سنة إنى أعاقب ملك بابل
وتلك الأمة يقول الرب(126)”، “لأنه هكذا قال الرب. أنى عند تمام سبعين
سنة لبابل أتعهدكم وأقيم لكم كلامى الصالح بردكم إلى هذا الموضع.. فتدعوننى
وتذهبون وتصلُّون إلىّ فأسمع لكم. وتطلوبننى فتجدوننى إذ تطلبوننى بكل
قلوبكم(127)”، “ها أيام تأتى يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل وبيت يهوذا
عهداً جديداً. ليس كالعهد الذى قطعتهُ مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض
مصر حين نقضوا عهدى فرفضتهم يقول الرب. بل هذا هو العهد الذى أقطعهُ مع بيت
إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب. أجعل شريعتى فى داخلهم وأكتبها على قلوبهم
وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لى شعباً(128)” هذا العهد الجديد هو العهد الذى
قطعه السيد المسيح بدمه “هذا هو دمى للذى للعهد الجديد الذى يسفك من أجل
كثيرين لمغفرة الخطايا(129)”، وذلك بحسب وعد الله لداود وما أكده الله من
خلال أرمياء النبى ” ها أيام تأتى يقول الرب وأقيم الكلمة الصالحة التى
تكلّمتُ بها إلى بيت إسرائيل وبيت يهوذا. فى تلك الأيام وفى ذلك الزمان ابنت لداود
غضن البر فيجرى عدلاً وبراً فى الأرض. فى تلك الأيام يخلص يهوذا وتسكن أورشليم آمنة
وهذا ما تتسمى به الربُّ بُّرنا (130)”.

وكما
تنبأ أرمياء النبى على مصير إسرائيل ومصيرالعصر المسيحى أو المسيانى الآتى، تنبأ
أيضا مثل أشعياء النبى، على مصير أمم ومدن هى(131)؛ وفلسطين(132)، وموآب(133)،
وعمون(134)، وآدوم(135)، ودمشق(136)، وقيدار وحاصور(137)، وعيلام(138)،
وبابل(139)، وعانى النبى من الاضطهاد الذى أضطهده به الكهنة والشيوخ والملك
والقادة والأنبياء الكذبة فضُرب ووضع فى المقطرة حتى لعن اليوم الذى وُلد
فيه(140)، ووضع فى السجن والقى فى الجب الموحل لكى يموت ولكن الله أنقذه من الموت
وأخذه بعض الهاربين من السبى البابلى إلى مصر قسراً(141).

 

8- حزقيال النبى والرقيب:

وفى
قلب هذه المحنة وفى وسط الضيق والحصار والموت والجوع والدمار دعا الله حزقيال
الكاهن ابن بوزى الذى أُخذ أسيراً إلى بابل فى المرحلة الثانية للسبى 597 ق.م،
وأرسله للعمل النبوى والخدمة بين المسبيين فى بابل. وكانت مهمته شاقة وعسيرة جداً
ومليئة كما يقول الكتاب ب “مرث ونحيب وويل(142)”، لأنه مرسلاً إلى
“بيت إسرائيل صلاب الحياة وقساة القلوب “بيت متمرد”، ومن ثم يقول
“فجئت الروح وأخذنى فذهبت مراً فى حرارة روحى ويد الرب كانت شديدة علىّ. فجئت
إلى المسبيين عند تل أبيب الساكنين عند نهر خابور وحيث سكنوا هناك سكنت سبعة أيام
متحيراً فى وسطهم(143)”.

كان
دمار أورشليم والشتات والسبى إلى بابل قد تم على ثلاثة مراحل:

1-
المرحلة الأولى سنة 605 ق.م والتى هاجم فيها نبوخذ نصر ملك بابل أورشليم وهزم
يهوياقيم ملك يهوذا وسمح لهُ أن يبقى فى الحكم كتابع لهُ، يحكم بأسمه ويخضع
لسلطانه، وأخذ معه بعض كنوز الهيكل وعدد من الفتية “من بنى إسرائيل ومن نسل
الملك ومن الشرفاء(144)”، وكان من ضمنهم دانيال ورفاقه الثلاثة(145).

2-
وفى المرحلة الثانية سنة 597 ق.م. جاء نبوخذ نصر ثانية وحاصر أورشليم وأخذ بقية
أوانى الهيكل وكنوزه ونقلهم إلى بابل وأخذ الملك يهوياقيم ومعهُ 10.000 امير وضابط
ورجل شرطة وجميع الصناع والمهرة ولم يترك فى يهوذا إلا مساكين الأرض (بقية الشعب)،
وكان من ضمن هؤلاء حزقيال الكاهن ابن بوزى(146)، وقد عانى كل الشعب، سواء الذين
بقوا فى أورشليم أو الذين أخذوا إلى السبى من الذل والعار والمهانة، ونظراً لأن
الهيكل كان ما يزال قائماً، برغم ما حل به من خراب، فقد كان الأمل ما يزال يراود
المسبيين فى الانتصار والعودة، ولكن إرادة الله شاءت أن تدمر المدينة ويحرق الهيكل
عقاباً للشعب على خطاياه وأن يستمر السبى مدة سبعين سنة، كما سبق وأعلن الله
لأرمياء النبى. ومن هنا كانت صعوبة وقسوة ومرارة رسالة حزقيال النبى التى تركزت فى
ثلاثة محاور رئيسية هى:

1-
حتمية عقاب الشعب ودينونته بسبب آثامه وخطاياه وعصيانه المستمر وتمرده الدائم على
الله وتركه لعبادته باعتباره الإله الواحد الحى الحقيقى الذى ل إله غيره أو مثله
أو سواه، وعبادة الأوثان، التى وصفها الله بالزنى الروحى، حتى انه وصف أورشليم وكل
شعب إسرائيل بالأبنة اللقيطة التى وجدها ملقاة على قارعة الطريق ومطروحة على وجه
الحقل بكراهة نفسها، ثم أخذها ورباها وجعلها زينة الأزيان وصار جمالها كاملاً
ببهاء الله الذى وضعه عليها. ولكنها تركته، تركت عبادة الله، وانحرفت وزنت مع
جيرانها، عبدت أصنام المدن والبلاد المجاورة(147). ثم يضيف كل من السامرة عاصمة
إسرائيل، الأسباط العشرة، وأورشليم عاصمة يهوذا بامرأتين زانيتين، تركنا عبادة
الله الحى وعبدتا الأوثان “زنتا بأصنامهما وأيضا أجازتا بنيها الذين ولدتاهم
لى النار أكلاً لها. وفعلتا أيضا بى هذا، نجستا مقدسى فى ذلك اليوم ودنستا سبوتى.
ولما ذبحتا بنيها لأصنامهما أتتا فى ذلك اليوم إلى مقدسى لتنجساه(148)”. كما
تركوا وصايا الله ونواميسه وشريعته وعملوا كل أنواع الشر والأثم والرذيلة
“هوذا رؤساء إسرائيل كل واحد حسب استطاعته كانوا فيك لأجل سفك الدم. فيك
أهانوا أباً وأماً. فى وسطك عاملوا الغريب بالظلم. فيك اضطهدوا اليتيم والأرملة.
ازدريت اقداسى ونجست سبوتى. كان فيك أناس مشاة لسفك الدم وفيك أكلوا على الجبال.
فى وسطك عملوا رذيلة. فيك كشف الإنسان عورة أبيه.فيك أزلوا المنجسة بطمثها. إنسان
فعل الرجس بامرأة قريبه. إنسان نجس كنته برذيلة إنسان أذل فيك أختهُ بنت أبيه. فيك
أخذوا الرشوة لسفك الدم. أخذت الربا والمرابحة وسلبت أقرباءك بالظلم ونسيتينى يقول
السيد الرب(149)”. وكانت إرادة الله “من اجل ذلك حى أنا يقول السيد الرب
من اجل انك نجست مقدسى بكل فكرهاتك وبكل أرجاسك فأنا أيضا أجز ولا تشفق عينى وأنا
أيضا لا أعفو ثُلثُك يموت بالوباء وبالجوع يفنون فى وسطك وثلث يسقط بالسيف من حولك
وثلث أذرّيه فى كل ريح وأستل سيفاً وراءهم(150)”.

2-
رحيل مجد الرب وتخلى الله عن الهيكل. ونظراً لخراب الهيكل القادم والوشيك حمل الله
حزقيال النبى فى الرؤيا إلى أورشليم وأراه عبادتهم للأصنام وشرورهم وآثامهم
وسجودهم للشمس، ومن ثم حتمية عقابهم وهلاكهم ورفض الله للعفو عنهم بسبب عنادهم
وإصرارهم على شرهم ومن ثم فقد ترك مجد الرب الهيكل “فأرتفع مجد الرب عن
الكروب إلى كتبة البيت. فامتلأ البيت من السحابة وامتلأت الدار من لمعان مجد الرب
… وخرج مجد الرب من على عتبة البيت ووقف على الكروبيم. فرفعت الكروبيم أجنحتها
وصعدت من الأرض قدام عينى. عند خروجها كانت البكرات معها ووقف عند مدخل باب بيت
الرب الشرقى ومجد إله إسرائيل عليها من فوق(151)”، ثم ترك المدينة أيضا
“وصعد مجد الرب من على وسط المدينة ووقف على الجبل الذى على شرقى
المدينة(152)”.

وجاء
نبوخذ نصر للمرة الثالثة وحاصر أورشليم فى الفترة من 588 إلى 585 ق.م. “وأحرق
بيت الرب وبيت الملك وكل بيوت أورشليم وكل بيوت العظماء أحرقها بالنار وسبى عدداً
كبيراً من الشعب ولم يبق على الأرض سوى “مساكين الأرض كرامين
وفلاحين(153)”، ومن ثم تحولت نبوات حزقيال النبى إلى المستقبل والرجاء فى
العودة مجيء ابن داود والهيكل السمائى.

3-
حتمية عودة البقية الأمينة وإتمام الوعد بالحياة الجديدة ومجيء ابن داود الذى سبق
أن وعد الله به، وذلك على الرغم من يأس الشعب وتصورهم استحالة العودة “ها هم
يقولون يبست عظامنا وهلك رجاؤنا. قد انقطعنا(154)”، ولكن الله يؤكد حتمية هذه
العودة “وأخذكم من بين الأمم وأجمعكم من جميع الأراضى وآتى بكم إلى أرضكم،
وأرش عليكم ماءً طاهراً فتطهرون. من نجاساتكم ومن كل أصنامكم أُطهركم.. وأعطيكم
قلباً جديداً وأجعل روحاً جديدة فى داخلكم وأنزع قلب الحجر من لحمكم وأعطيكم قلب
لحم. وأجعل روحى فى داخلكم وأجعلكم تسلكون فى فرائض وتحفظون أحكامى وتعملون
بها(155)”.

وقد
جعل الله من حياة حزقيال النبى الشخصية نموذجاً ومثالاً لما سيحدث للشعب من آلام
وآنين، كما جعل من تصرفاته رموزاً لما سيحث للشعب وما سيعانيه من ضيق وجوع وموت
وسبى. كان حزقيال النبى نفسهُ آية لهم وجعل من موت زوجته وما سيعانيه بسبب ذلك
مثالاً لما سيحدث لأورشليم من خراب وما سيحدث للشعب من حزن وكرب وضيق “يا ابن
آدم هأنذا أخذ عنك شهوة عينيك بضربة (مرض مفاجئ) فلا تنح ولا تبك ولا تنزل دموعك.
تنهد ساكناً لا تعمل مناحة على أموات … فكلمت الشعب صباحاً وماتت زوجتى مساء. وفعلت
كما أمرنى الرب(156)”، كما جعله الله يتكئ على جنبه الأيسر 390 يوم وعلى جنبه
الأيمن 40 يوم، وجعل عليه أربطة حتى لا يتقلب من جنب إلى جنب رمزاً لسنى أثم
إسرائيل ويهوذا(157). وطلب منه أن يأكل الطعام، البقوليات فقط، بالوزن ويشرب الماء
بالكيل رمزاً لما سيحدث أثناء الحصار من جوع وضيق(158).

كانت
رسالته إلى شعب قاسى القلب وصلب الجبهة متحجر العقل وصلب كالصوان وقد وصف الله ب
“القريس والسلاء(159)” و”العقارب(159)”. وكان حزقيال النبى فى
وسطهم كما وصفه الله كشعر أشواق لجميل الصوت يحسن العزف فيسمعون كلامك ولا يعملون
به(160)”، أو بترجمة أخرى “إنما أنت لهم كأغنية حب من صاحب صوت رخيم
يحسن العزف. فيسمعون كلامك ولا يعملون به(161)”. ولكنهم قالوا عنه “يمثل
أمثالاً(162)”.

ومثل
أشعياء وأرمياء تنبأ حزقيال النبى على البلاد والمدن المجاورة، فقد تنبأ على مصير
عمون وموآب وسعير آدوم وفلسطين(163)، وعلى صور(164)، وعلى صيدون، وعلى مصر(166)،
أما أكبر نبواته وأعظمها فقد كانت عن الهيكل الجديد وعودة مجد الرب والمدينة
المقدسة والمياه المقدسة والأمجاد القادمة(167).

 

9- الأنبياء الأثنا عشر:

الأنبياء
الأثنا عشر المعروفون بالأنبياء الصغار هم من الأنبياء الرئيسيين، وقد وصفوا
بالصغار لا لصغر درجتهم أو مكانتهم ولكن لصغر حج أسفارهم التى أعلنها الله لهم
كرؤى أو وصى وقد دونوها بوحى الروح القدس. وكانت رسالتهم مثيلة برسالة الأنبياء
المذكورين أعلاه، خاصة أشعياء وأرمياء وحزقيال. فقد كانت رسالة هوشع ويوئيل وعاموس
وميخا وحبقوق وصفنيا مثيلة برسالة أشعياء وأرمياء وكانت رؤى زكريا مثيلة برؤى
حزقيال وسفر الرؤيا فى العهد الجديد، وكانت نبوات ناحوم على نينوى ونبوات عوبيديا
على آدوم شبيهة بنبوات أشعياء وأرمياء وحزقيال على البلاد والأمم. أما رسالة يونان
النبى فكانت موجهة إلى شعب نينوى. وكانت رسالة حجى النبى هى حث العائدين من السبى
على بناء بيت الرب، ورسالة ملاخى النبى هى إعلان محبة الله وتوبيخ الكهنة والشعب،
فى أواخر مراحل نبوة بنى إسرائيل، بسبب فسادهم، والتنبؤ بمجيء المسيح والملاك الذى
سيأتى سابقاً له ليعد الطريق أمامه والذى سيأتى بروح إيليا وقوته(168)، وقال عنهم
يشوع بن سيراخ “بارك الله ذكرى الأنبياء الأثنى عشر أيضا، وجعل عظامهم تنهض
من القبر لأنهم شجعوا بنى يعقوب وخلعوهم بما كان لهم من رجاء راسخ” (سيراخ10:
49).

كان
الأنبياء الرئيسيين، المستقلين، أعلى شأناً ومكانة من بقية البشر والشعوب والملوك
والرؤساء والقادة ورجال الكهنوت، فقد كانوا رجال الله وعبيده وخدامه ولسانه وفمه
الناطق والمعلنين لإرادته والمتنبئين بما سيكون فى المستقبل. كانوا حكماء وقادة
روحيين وصناع معجزات. كما كانا أيضاً الوسطاء بين الله والناس، يصلون إلى الله من
أجل القادة والشعب، ويسأل الناس الله ويستفسرونه عن طريقهم، ويجيب الله الناس
ويكلمهم بواسطتهم. وكان بعض هؤلاء الأنبياء يناديهم تلاميذهم من جماعات الأنبياء
ويلقبهم الملوك بلقب “آب”، مثل صموئيل وإيليا وإليشع. فقد قيل عن صموئيل
النبى أنه “أبوهم(169)” أى جماعة (زمرة) الأنبياء، نادى إليشع النبى
معلمه وسيده إيليا النبى عند صعوده إلى السماء عن طريق مركبة نارية فى العاصفة
“يا أبى يا أبى مركبة إسرائيل وفرسانها(170)”، ونادى أحد ملوك إسرائيل
إليشع النبى أيضا “يا أبى(171)”، كما ناداه الملك يوأش أيضا “يا
أبى يا أبى يا مركبة إسرائيل وفرسانها(172)”. كما كان هؤلاء الأنبياء
الثلاثة، صموئيل وإيليا وإليشع، معلمين ورؤساء لجماعات الأنبياء التى كانت منتشرة
فى أيامهم، ومرشدين لهم. يقول الكتاب أنه كان هناك “جماعة الأنبياء يتنبأون
وصموئيل واقفاً رئيساً عليهم(173)”، وعن إليشع النبى يقول “وكان بنو
الأنبياء جلوساً أمامه(174)”، وكانوا يتحركون بإرشاده ويأتمرون بأمره(175)،
كما نصر الله الملوك والقادة والشعب بصلواتهم وعن طريق ملائكة أتت من السماء
استجابة لشفاعتهم، مثل الملاك الذى ضرب من جيش آشور “مئة وخمسة وثمانين
ألفاً(176)”، حسب وعد الله لأشعياء النبى واستجابة لصلاته(177)، وكان حزقيال
النبى “رقيباً لبيت إسرائيل(178)”، رقيباً على الجميع القادة والكهنة
والشعب ولم يكن للملوك والرؤساء سلطان عليهم، بل كانوا هم مسلحين بسلطان الله الذى
كانوا مكرسين له تماماً ومتفرغين لخدمته وحمل رسالته، والذى أختارهم سابقاً، بحسب
مشورته وإرادته وعلمه السابق حتى قبل أن يصوروا فى بطون أمهاتهم وقبل أن يخرجوا من
الأرحام.

 

3- جماعات الأنبياء

يذكر
الكتاب فى أسفار صموئيل والملوك جماعات من الأنبياء يدعوها ب “زمرة
الأنبياء” و”جماعة من الأنبياء” و”بنو الأنبياء” أو
“بنى الأنبياء”.

+ “زمرة
من الأنبياء نازلين من المرتفعة وأمامهم رباب ودُف وناى وعود وهم يتنبأون”
(1ص5: 10).

+ “ولما
جاءوا إلى هناك إلى جبعة إذا بزمرة من الأنبياء لقيته فحل عليه روح الرب فتنبأ فى
وسطهم” (1صم 10: 10).

+
“جماعة من الأنبياء يتنبأون وصموئيل واقفاً رئيساً عليهم” (1صم 20: 19).

+ “وكان
حينما قطعت إيزابل أنبياء الرب أن عوبيديا أخذ مئة نبى وخبأهم خمسين رجلاً فى
مغارة وعالهم بخبز وماء” (1مل 4: 18).

+ “وأن
رجلاً من بنى الأنبياء قال لصاحبه. عن أمر الرب اضربني. فأبى الرجل أن يضربه. فقال
له من أجل أنك لم تسمع لقول الرب فحينما تذهب من عندى يقتلك أسد. ولما ذهب من عنده
لقيه أسد. وقتله” (1مل 35: 20،36).

+ “فخرج
بنو الأنبياء الذين فى بيت إيل إلى إليشع وقالوا له أتعلم أنه اليوم يأخذ الرب
سيدك من على رأسك فقال نعم أى أعلم فأصمتوا … فتقدم بنو الأنبياء الذين فى أريحا
إلى إليشع وقالوا له” وكرروا نفس كلام أنبياء بيت إيل. ولما صعد إيليا إلى
السماء واستقر الروح القدس الذى كان عليه على إليشع، يقول الكتاب “ولما رآه
بنو الأنبياء الذين فى أريحا قبالته قالوا قد استقرت روح إيليا على إليشع فجاءوا
وسجدوا له على الأرض” (2مل 3: 2،5،13).

+
“وصرخت إلى إليشع امرأة من نساء بنى الأنبياء قائلة” (2مل 1: 4).

+ “ورجع
إليشع إلى الجلجال. وكان جوع فى الأرض وكانوا بنو الأنبياء جلوساً أمامه. فقال
لغلامه ضع القدر الكبيرة وأسلق سليقة لبنى الأنبياء” (2مل 38: 4).

+ “وقال
بنو الأنبياء لإليشع هوذا الموضع الذى نحن مقيمون فيه ضيق علينا فلنذهب إلى الأردن
ونأخذ من هناك كل واحد خشبة ونعمل لأنفسنا هناك موضعاً لنقيم فيه. فقال
أذهبوا” (2مل 1: 6).

+ “ودعا
إليشع النبى واحداً من بنى الأنبياء وقال له شد على حقويك وخذ قنينة الدهن هذه…
وصب على رأسه (ياهو بن يهوشافاط) وقل هكذا قال الرب قد مسحتك ملكاً على
إسرائيل” (2مل1: 9-3).

كان
هؤلاء الأنبياء يحل عليهم روح الرب ويتنبأون فى جماعات وأحياناً كأفراد، ويعلن
الله عن طريقهم ما سيكون فى المستقبل ويمسحون الملوك بأمر من رئيسهم. وكانت هذه
الجماعات تقيم فى “بيت إيل” وفى “أريحا” وفى “الجلجال”
وفى “جبل أفرايم”، وكانوا يخضعون لأحد الأنبياء الرئيسيين (المستقلين)
وكانوا يدعونه ب “سيدهم” ويدعون أنفسهم “عبيداً” له، ويطيعونه
ويطلبون موافقته فى بعض الأعمال التى يعملونها، وكان هو يطلب منهم ويكلفهم بالقيام
ببعض المهام. وكان الله يكلف أفراداً منهم ليقوموا ببعض الأعمال النبوية. وكانوا
يعيشون كمجموعات فى جماعات ويحيون حياة شركة ويقيمون فى مواضع وأماكن مشتركة سواء
فى بيت إيل أو فى أريحا … الخ، كما كانوا يأكلون ويشربون معاً على الرغم من أنه
كانت لهم نساء يذكرهم الكتاب ب “نساء بنى الأنبياء” وكان لبعضهم أولاد.
ويذكر الكتاب وجودهم بكثافة أيام الأنبياء صموئيل وإيليا وإليشع الذين كانوا رؤساء
لهم ولا يذكرون فى غير الأسفار التاريخية خاصة صموئيل وملوك.

 

4- الحكماء والملوك والقادة التى كانت لهم مواهب النبوة (الأنبياء غير
المتفرغين):

وكان
هناك فئة أخرى من رجال الله أو رجال الروح القدس الذين تكلم الله معهم وكلمنا من
خلالهم وبواسطتهم بأنواع وطرق الإعلان الإلهى المختلفة من ظهورات إلهية وحلول
الروح القدس وإرسال ملائكة ورؤى وأحلام، ولكن أصحاب هذه الفئة لم يكونوا من
الأنبياء الرئيسيين أو المنادين بكلمة الله والمتفرغين تماماً أو المكرسين للنبوة
والعمل النبوى وإنما كانت لهم وظائف أخرى روحية أو مدنية، وكان عملهم الأساسى هو
الحكمة أو الملك والقيادة الروحية والمدنية معاً، لم يكونوا أنبياء بالمعنى
التقليدى والتطبيقى (التكنيكى –
Theocracy) لكلمة “نبى – Nabi” فى اللغة العبرية، وإنما كان منهم شيخ القبيلة كأيوب البار،
ومنهم الملك فى دولة ثيؤقراطية (
Theo
Cracy
) يحكمها الله مباشرة من
خلال ملوك ممسوحين بالدهن المقدس ويعملون على تطبيق شريعته، شريعة موسى النبى،
وتنفيذ إرادته من خلال أحاديثه الإلهية، سواء معهم مباشرة أو أيضا عن طريق أنبياء
آخرين، أنبياء بلاط، مثل داود الملك وسليمان الحكيم والملك اللذان كلمهما الله
مباشرة وعن طريق أنبياء البلاط ناثان النبى وجاد الرائى، ومنهم الوالى والوزير ثم
رئيس الوزراء فى مملكتى بابل وفارس مثل دانيال الحكيم ومفسر الأحلام وكاشف الأسرار
الإلهية، ومنهم القادة الروحيون مثل عزرا الكاهن والكاتب، ونحميا رجل البلاط وساقى
ملك فارس.

هؤلاء
كانت لهم مواهب النبوّة أو كانوا قادة روحيون أو حكماء ولم يكونوا متفرغين للعمل
النبوى تماماً.

كان
أيوب أحد حكماء عصره ووصفه الله بأنه كان “كاملاً ومستقيماً يتقى الله ويحيد
عن الشر(179)”، وكان رئيساً لقبيلة “أجلس رأساً وأسكن كملك فى
جيش(180)”، “كان أعظم كل بنى المشرق(181)”، وقد كلمه الله من خلال
العاصفة، إحدى علامات الظهور الإلهى، “فأجاب الرب أيوب من العاصفة
وقال(182)”، “وكان بعدما تكلم الرب مع أيوب بهذا الكلام(183)”.

ووصفه
الله مع نوح البار ودانيال النبى فى سفر حزقيال بأنهم من أكثر الناس براً على وجه
الأرض “هؤلاء الرجال الثلاثة نوح ودانيال وأيوب فأنهم إنما يخلصون أنفسهم
ببرهم(184)”، ونعته العهد الجديد بالصبر “قد سمعتم بصبر أيوب ورأيتم
عاقبة الرب(185)”.

وكان
داود ملكاً ومسيحاً للرب، كلمه الله وأوحى إليه وتكلم على فمه ونطق الروح القدس
على لسانه، كقوله بالروح ” وحى داود بن يسى ووحى الرجل القائم فى العلى مسيح
إله يعقوب ومرنم إسرائيل الحلو. روح الربّ تكلّم بى وكلمتهُ على لسانى(186)”.
ووصف بأنه رجل بحسب قلب الله “وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبى الذى سيصنع مل
مشيئتى(187)”، وقال عنه السيد المسيح أنه تنبأ بالروح القدس “لأن داود
نفسهُ قال بالروح القدس(188)”، وقال عنه القديس بطرس بالروح القدس أنه كان
نبياً وسبق أن تنبأ عن قيامة المسيح “فإذا كان (داود) نبياً وعلم أن الله حلف
له بقسم أنهُ من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه سبق فرأى وتكلم
عن قيامة المسيح(189)”.

وكان
سليمان ملكاً وممسوحاً بالدهن المقدس(190)، وحكيماً أعطاه الله الحكم بوفرة لا
مثيل لها، وظهر له الله “تراءى له” مرتين فى حلمين إلهيين إعلانيين؛ فى
المرة الأولى “تراءى له فى جبعون” وأعطاه الحكمة التى طلبها “هوذا
أعطيتك قلباً حكيماً ومميزاً حتى أنهُ لم يكن مثلك قبلك ولا يقوم بعدك
نظيرك(191)”، حتى يقول الكتاب المقدس “وأعطى الله سليمان حكمة وفهماً
كثيراً جداً ورحبة قلب كالرمل الذى على شاطئ البحر. وفاقت حكمة سليمان جميع بنى المشرق
وكل حكمة مصر. وكان أحكم من جميع الناس.. وتكلم بثلاثة آلاف مثل. وكانت نشائده
الفاً وخمساً، وتكلم عن الأشجار من الأرز الذى فى لبنان إلى الزوفا
النابت(199)”. وقد وصفه الله أيضاً، فى سفر حزقيال، مع نوح وأيوب كأكثر الناس
براً على وجه الأرض(200).كان دانيال أيضاً، رائياً “أراه الله أحلاماً ورؤى
إلهية إعلانية وكشف له، المرسوم فى كتاب الحق”(201) وأعلن عن طريق الرُؤى
التى رآها، سواء الليلية (الأحلام الإعلانية) أو الرُؤى النهارية، عن مصر
الإمبراطوريات العالمية ومسيرتها عبر التاريخ وعلاقة ذلك بتجسد المسيح ومجيئه
الثانى، وكذلك كشف النقاب عن كل الأحداث التى وقعت بين سوريا ومصر وفلسطين بما
فيها، وعلى رأسها، القدس فى الفترة ما بين حكم الفرس وتجسد المسيح ودمار أورشليم
النهائى(202) سنة 70م. كما كلمة الملاك جبرائيل وأعلن له، بل وحدث له زمن تجديد
أورشليم والهيكل ومجيء المسيح الأول، تجسده، ودمار أورشليم النهائى بمدة محددة من
السنين(203) كما رأى فى رؤيا خاصة المسيح كابن الإنسان الآتى على السحاب لتتعبد له
كل المسكونة وباعتباره صاحب السلطان الأبدى والملكوت الذى لا يزول(204).

ودعاه
المؤرخ والكاهن اليهودى يوسيفوس (26-100م) ب “دانيال النبى” وأشار السيد
المسيح إليه وإلى نبواته قائلاً “متى رأيتم رجسه الخراب التى قال عنها دانيال
النبى”(205). كان دانيال حكيماً ومفسراً للأحلام ورائياً ونبياً.

أما
عذرا ونحميا اللذان قادا الشعب لبناء الهيكل وترميم وتجديد أسوار أورشليم وأحياء
كلمة الله ووصاياه وناموسة والعمل بهم، يقول الكتاب أن الله حركهما بروحه القدوس
فكانت يد الرب عليهم وروحه معهم: يقول الوحى الإلهى فى سفر عزرا “وأعطاه
الملك (أرتحشتا ملك فارس) حسب يد الرب إلهه كل سُؤاله”(206)، و”جاء إلى
أورشليم حسب يد الله الصالحة عليه”(207)، ويقول هو بالروح “وأما أنا فقد
تشددتُ حسب يد الرب إلهى علىّ”(208)، ويقول نحميا بالروح “ما جعلهُ إلهى
فى قلبى لأعمله فى أورشليم… يد إلهى الصالحة علىّ”(209).

هؤلاء
كانوا حكماء روحيين يوحى إليهم وكانت لهم موهبة النبوة وتكلم الله معهم من خلال
الظهورات الإلهية والملائكية وحلول روح الرب عليهم ورؤيتهم لرُوى وأحلام إلهية
إعلانية ودعا العهد الجديد اثنين منهم بالأنبياء، داود ودانيال، ودعا العهد القديم
اثنين منهم بالأبرار، أيوب ودانيال مع نوح. وكان واحداً منهم وهو داود كما يصفُه
يوسيفوس “يعلم اللاويين ترتيل الأناشيد لله” كانت لديهم موهبة النبوة
ولكنهم لم يعملوا كأنبياء متفرغين، لم يكونوا متفرغين أو مكرسين للعمل النبوُى.
تكلم الله إليهم وتكلم بواسطتهم وأوحى إليهم بروحه القدوس وتركوا لنا أسفاراً
إلهية دونوها مسوقين بالروح القدس، ومن ثم فقد كانوا رجال الله وعبيده ورسلهُ
وخدامه الذين نطقوا بكلمته، بل وأنبيائه، لكن دون أن يمارسوا العمل النبوى كمكرسين
له.

 

5- أنبياء البلاط الملكى الثيؤقراطى:

كان
شعب الله فى القديم يقوده الله مباشرة من خلال موسى النبى ثم يشوع بن نون والقضاة
إلى صموئيل النبى(210)، كان الله يكلم النبى أو القاضى ويوجه الشعب ويقوده من
خلاله إلى حيث تشاء إرادة الله حسب إرادته الأزلية ومشورته وعلمه السابق وحسب
وعودة للآباء البطاركة إبراهيم وإسحق ويعقوب.

ولما
طلب الشعب أن يكون لهم ملكاً من بينهم مثل سائر البشر أمر صموئيل النبى أن يمسح
لهم شاول بالدهن المقدس ملكاً، وهكذا كان الأنبياء مثل صموئيل وإيليا وإليشع إلى
ملاخى يمسحون الملوك وكانوا يشددونهم ويقودونهم إلى حيث يريد الله وإلى طاعته
والسير بحسب شريعته وناموسة ووصاياه، كما كانوا ينصحونهم ويحذرونهم من عاقبه العمل
بما لا يرضى الله، ويوبخونهم، وينذرونهم فى حالة الوقوع فى الخطأ والحيد عن وصاياه
الله والارتداد عنه، ويعلنون لهم قصاص الله وعقابه ودينونته فى حالة التمادى فى
الأثم والخطية والارتداد عن الله.

وكان
هناك أنبياء ورائون مخصصون فقط لحمل رسالة الله إلى الملوك، ملوك شعب الله فى
القديم، ناثان النبى وجاد الرائى، وكانوا يعملون كمستشارين روحيين دائمين للملوك
خاصة فى أيام داود الملك. وكان هؤلاء الملوك كثيراً ما سألون الرب خاصة فى أوقات
الأزمات والضيقات والحروب، وعندما لا يجيبهم الله مباشرة، كان يجيبهم عن طريق
هؤلاء الأنبياء، بل وكثيراً ما كان الرب يرسلهم لتوبيخ هؤلاء الملوك، على خطأ وقعوا
فيه أو أثم ارتكبوه خاصة داود الملك.

 

+ ناثان النبى:

يظهر
ناثان النبى للمرة الأول، حوالى سنة 948 ق.م. عندما أراد داود املك أن يبنى بيتاً
للرب “فقال ناثان للملك اذهب أفعل كل ما بقلبك لأن الرب معك”. يقول
الكتاب “وفى تلك الليلة كان كلام الرب إلى ناثان قائلاً. أذهب وقل لعبدى داود
هكذا قال الربّ. أأنت تبنى لى بيتاً لسكناى. لأني لم اسكن فى بيت منذ يوم أصعدت
بنى إسرائيل من مصر إلى هذا اليوم بل كنت أسير فى خيمة وفى مسكن.. والآن فهكذا
تقول لعبدى داود.. متى كملت أيامك واضطجعت مع آبائك أقيم بعدك نسلك الذى يخرج من
أحشائك وأثبت مملكته. هو يبنى بيتاًً لا سمى وأنا أثبت كرسى مملكته إلى الأبد..
فحسب جميع هذا الكلام وحسب كل هذه الرؤيا كذلك كلم ناثان داود(212)”. ويظهر
للمرة الثانية، حوالى إلى سنة 977 ق.م، عندما أخطأ داود الملك مع بتشبع امرأة
أوربا الحثى وتسبب فى موت زوجها فى الحرب، يقول الكتاب “فأرسل الرب ناثان إلى
داود” وأعطاه مثالاً لرجلين أحدهما غنى يمتلك “غنم وبقر كثيرة
جداً” والآخر فقير لا يملك إلا نعجة واحدة، ولما جاء ضيف للرجل الغنى أخذ
نعجة هذا الفقير وذبحها له “فحمى غضب داود جداً على الرجل”، وكان حكمه
أن يقتل ويرد النعجة أربعة أضعاف. “فقال ناثان لدواد أنت هو هذا الرجل”.
وبعد أن أعلن له غضب الله ودينونته على بيته “فقال داود لناثان قد أخطأت إلى
الرب. فقال ناثان لداود. الربُّ أيضا قد نقل عنك خطيتك لا تموت(213)”.ولما
وُلد لداود سليمان ” أسمه سليمان والرب أحبه وأرسل بيد ناثان النبى ودعا أسمه
يديديا (أى حبيب الرب) من أجل الرب(214)”. وعندما شاخ داود الملك شجع ناثان
النبى بتشبع أم سليمان وأشار عليها أن تدخل على داود الملك وتذكره بوعده أن يملك
أبنه سليمان بعده “وبينما هى متكلمة مع الملك إذا ناثان النبى داخل. فأخبروا
الملك قائلين هوذا ناثان النبى”. وأمر الملك داود أن يأخذ سليمان وأن يمسحهُ
“صادق الكاهن وناثان النبى ملكاً على إسرائيل.. فنزل صادوق الكاهن وناثان
النبى.. واركبوا سليمان على بغلة الملك داود وذهبوا به إلى جيحون.. ومسحهُ صادوق
الكاهن وناثان النبى ملكاً(215)”، وذلك حوالى سنة 960ق.م.

ويذكر
الكتاب أن ناثان النبى ساعد الملك داود مع جاد الرائى فى تنظيم العبادة فى بيت
الرب “وأوقف اللاويين فى بيت الرب بصنوج ورباب وعيدان حسب أمر داود وجاد رائى
الملك وناثان النبى لن من قبل الرب الوصية عن يد أنبيائه(216)”. وكان ناثان
أحد الأنبياء الذين دونوا أسفار صموئيل أو الملوك مسوقين من الروح القدس
“وأمور داود الأولى والأخيرة هى مكتوبة فى أخيا صموئيل الرائى وأخبار ناثان
النبى وأخبار جاد الرائى(217)”، “وبقية أمور سليمان الأولى والأخيرة أما
هى مكتوبة لأي أخبار ناثان النبى وفى نبوّة أخبار الشيلونى وفى رُؤى يعدو الرائى
على يربعام بن ناباط(218)”.

 

+ جاد الرائى:

وُصف
جاد بالرائى والنبى وكان لقبهُ المميز “رائى داود” و”رائى
الملك”:

+ “كان
كلام الرب إلى جاد النبى رائى داود قائلاً” (2صم 11: 24).

+ “فكلم
الرب جاد رائى داود وقال” (1 أخ 25: 29).

+ “حسب أمر
داود وجاد رائى الملك” (2 أخ 25: 29).

ويظهر
فى الكتاب للمرة الأولى عندما كان داود هارباً من وجه شاول الملك مختبئاً عند ملك
موآب فى الحصن، فنصحه جاد النبى أن يرجع إلى أرض يهوذا، “فقال جاد النبى
لداود لا تُقم فى الحصن. اذهب وأدخل أرض يهوذا” فعمل داود بنصيحته “فذهب
داود وجاء إلى وعر حارث(219)”، وفى المرة الثانية عندما أحصى داود الملك
الشعب، مع أن الله سبق أن حذر موسى النبى من ذلك. وقد أعتبر الإحصاء الذى قام به
داود ليعرف قدرته الحربية نقص فى الثقة بالله لأنه كان يجب أن يعتمد على الله وحده
فقط، ومن ثم كان “كلام الرب إلى جاد النبىّ رائى داود قائلاً أذهب وقل لداود
هكذا قال الرب. ثلاثة أنا عارض عليك فأختر لنفسك واحداً منها فأفعله
بك(220)”. وخيره بين سبع سنين جوع، أو أن يهرب أمام أعدائه ثلاثة شهور، أو
يكون هناك ثلاثة أيام من الوباء فى الأرض(221). فقال داود “فلنسقط فى يد
الربّ لأن مراحمه كثيرة ولا أسقط فى يد إنسان(222)”. فضرب الربُّ الأرض
بالوباء فمات “سبعون ألف رجل”. ولما ندم داود الملك وأعترف بخطيئته
وذنبه “جاء جاد (النبى) فى ذلك اليوم وقال لهُ اصعد وأقم للرب مذبحاً فى بيدر
أرونة اليبوسى. فصعد داود حسب كلام جاد كما أمر الرب(223)”، “وبنى هناك
مذبحاً للربّ وأصعد محرقات وذبائح سلامة واستجاب الربًّ من أجل الأرض فكفت الضربة
عن إسرائيل(224)”.

وكان
جاد الرائى والنبى قد ساعد داود الملك مع ناثان النبى فى تنظيم العبادة فى بيت
الرب. كما كان أحد كُتّاب أسفار صموئيل الأول والثانى وملوك الأول، كما بينا
أعلاه(225). ويضيف الكتاب أيضا كل من هيمان وآساف ويدثون كرائين للملك داود(226).

 

3- الأنبياء والعبادة:

العبادة
هى الإيمان بالله ومحبته وهيبته وتعظيمه والخضوع له والسجود له وتقديم الاحترام
والخشوع والتعظيم اللائق به والإكرام الواجب له فى حب وهيبة ووقار وخشوع وطاعة
بالقلب والفكر والنفس والمشاعر والعمل وبكل قوة(227). والصلاة هى وسيلة الاتصال به
للاعتراف بربوبيته وسيادته وفضله باعتباره الإله الواحد كلى الوجود والعلم
والقدرة، خالق السموات والأرض ما يرى وما لا يرى(228)، وتسبيحه وتمجيده وحمده
وشكره ومدح والاعتراف له والابتهال إليه والتضرع له والتوسل إليه(229).

وقد
ارتبطت العبادة دائماً بالمذبح وخيمة الاجتماع ثم الهيكل والمجمع إلى أن أسس
المسيح الكنيسة على أساس الإيمان به باعتباره “المسيح ابن الله
الحى(230)”، والذى يجب أن يجتمع المؤمنون باسمه فى كل مكان “لأنه حيثما
أجتمع اثنان أو ثلاثة بأسمى فهناك أكون فى وسطهم(231)”.

وكان
الآباء البطاركة والأنبياء هم أقرب الناس إلى الله باعتبارهم رجاله وعبيده وخدامه
ورسله وأنبيائه وفمه الناطق والوسطاء بينه وبين بقية البشرية وكانوا هم أول من
عبدوه وصلوا له وأقاموا له المذابح وبنوا له أماكن العبادة ليتعبدوا له ويدعوا
باسمهُ ويصلوا له. وكان نوح، كما يذكر الكتاب هو أول بنى مذبح للرب بعد انتهاء
الطوفان والخروج من الفلك “وبنى نوح مذبحاً للرب.. وأصعد محرقات على
المذبح(232)”، وبنى إبراهيم أربعة مذابح، الأول فى حاران عندما ظهر لهُ الله
“فبنى هناك مذبحاً للرب الذى ظهر لهُ(233)”، والثانى فى بيت إيل
“فبنى هناك مذبحاً ودعا باسم الرب(234)”، والثالث فى بلوطات ممراً
“بنى هناك مذبحاً للرب(235)”، والرابع فى جبل المريا عندما طلب منه الله
أن يقدم أبنه إسحق “فلما أتيا إلى الموضع الذى قال لهُ الله بنى هناك إبراهيم
المذبح ورتب الحطب(236)”، ولما ظهر الله لإسحق فى بئر سبع “بنى هناك
مذبحاً ودعا باسم الرب(237)”، وعندما سكن يعقوب فى شكيم “أقام هناك
مذبحاً ودعاه إيل إله إسرائيل(238)”، وطلب منه الله أن يصعد إلى بيت إيل وقال
لهُ “أصعد إلى بيت إيل وأقيم هناك وأصنع مذبحاً لله الذى ظهر لك.. وبنى هناك
مذبحاً ودعا المكان إيل بيت إيل(239)”. وبعد الانتصار على عماليق “بنى
موسى مذبحاً ودعا أسمه يَهْوَه نسىّ(240)”، وبعد أن أعطاه الله الوصايا طلب
منه أن يبنى له “مذبحاً من حجارة(241)”. وأوصى موسى بنى إسرائيل أن
يبنوا للرب مذبحاً من حجارة فى جبل عيبال ويصعدوا عليه محرقات للرب.، وهذا العمل
تممهُ يشوع بن نون “حينئذ بنى يشوع مذبحاً للرب إله إسرائيل فى جبل عيبال كم
أمر موسى عبد الرب وكما هو مكتوب فى سفر توراة موسى(242)”، وبنى جدعون القاضى
“مذبحاً للرب(243)” وأصعد عليه محرقة حسب أمر الرب نفسه لهُ. وبني أيضا
صموئيل القاضى والنبى “مذبحاً للرب(244)” فى الرامة “وبنى شاول
مذبحاً للرب(235)”، كما بنى داود الملك “مذبحاً للرب وأصعد محرقات
وذبائح سلامة(246)” فى بيدار ارونة اليبوسى، بحسب أمر الرب. وبنى إيليا النبى
“مذبحاً باسم الرب(247)”، على جبل الكرمل وقدم عليه ذبيحة ثور وانزل
الله نار من السماء فأكلت الذبيحة وكل ما على المذبح مبرهناً أن الله، يهوه، هو
الإله الواحد وحده الحقيقى إله الكون وحده الذى لا إله غيره(248)، ونظم موسى النبى
العبادة فى خيمة الاجتماع بحسب ما طلب منه الله ذلك(249) وبحسب النموذج والمثال
الذى أراه له(250)، وأنشد للرب أمام جميع الشعب نشيد حمد وشكر وتسبيح(251). وقاد
داود الملك الشعب وهم ينقلون تابوت العهد “بالهتاف وبصوت البوق(252)”.
ورتب الخدمة “وجعل أمام تابوت الرب من اللاويين خداماً لأجل التذكير والشكر وتسبيح
الرب إله إسرائيل.. حينئذ فى ذلك اليوم أولاً جعل داود يحمد الرب بيد آساف وأخوته
… وترك هناك أمام تابوت عهد الرب آساف وأخوته ليخدموا أمام التابوت دائماً خدمة
كل يوم بيومها… وصادوق الكاهن وأخوته أمام مسكن الرب فى المرتفعة التى فى جبعون.
ليصعدوا محرقات للرب على مذبح المحرقة دائماً صباحاً ومساءً وحسب كل ما هو مكتوب
فى شريعة الرب التى أمر بها إسرائيل ومعهم هيمان ويدثون بابواق وصنوج للمصوتين
وآلات غناء لله وبنو يدثون بوابون. ثم أنطلق كل الشعب كل واحد إلى بيته ورجع داود
ليبارك بيته(253)”. كما رتب داود الملك أيضا فرق الكهنة واللاويين للخدمة فى
الهيكل “وأفرز داود رؤساء الجيش للخدمة بنى آساف وهيمان ويدثون المتنبئين
بالعيدان والرباب والصنوج.. بنو آساف تحت يد آساف المتنبئ بين يدى الملك.. بنو
يدثون.. المتنبئ بالعود لأجل الحمد والتسبيح للرب … بنوهيمان رائى الملك بكلام
الله لرفع القرن.. كل هؤلاء تحت يد أبيهم لأجل غناء بيت الربّ بالصنوج والرباب
والعيدان لخدمة بيت الله تحت يد الملك وآساف ويدثون وهيمان(254)”. ولما تم
بناء الهيكل على يد سليمان الملك “وقف سليمان أمام مذبح الرب تجاه كل جماعة
إسرائيل وبسط يديه إلى السماء”، وأخذ يصلى “وكان لما انتهى سليمان من
الصلاة إلى الرب بكل هذه الصلاة والتضرع أنهُ نهض من أمام مذبح الرب من الجُثُوّ
على ركبتيه ويداه مبسوطتان نحو السماء ووقف وبارك” كل الجماعة، وذبح أمام
الرب ذبائح سلامة وقرب محرقات وتقدمات(255). كما قاد عزرا أيضاً الشعب فى صلاة
حارة معترفين بخطاياهم وذنوبهم(256). كما حزن نحميا وصام وصلى بسبب خطايا الشعب
وما آل إليه حال أورشليم(257)، وهذا ما سبق أن فعله دانيال النبى عندما صلى
متضرعاً بخطايا شعبه ومتفرغاً لأجل انتهاء السبى وإعادة أورشليم لما كانت عليه قبل
السبى(258).

وعلى
الرغم من أن الأنبياء كانوا فوق الملوك والكهنة إلا أن كثيراً منهم كانوا فى الأصل
كهنة، فقد كان صموئيل كاهناً(259) ونبياً وكان أرمياء “بن حلقيا من الكهنة
الذين فى عناثوث(260)”، ويذكر حزقيال النبى فى بداية سفره ب “حزقيال
الكاهن ابن بوزى(261)”، ورأى أشعياء النبى رُؤياه الأولى فى الهيكل
“رأيت السيد جالساً على كرسى عالٍ ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل(262)”،
كما عمل كل من حجى وزكريا النبيان مع الكهنة فى إعادة بناء الهيكل، فكان زُربابل
ويشوع بن يوصاداق الكاهن “يبنيان بيت الله الذى فى أورشليم ومعهما أنبياء
الله يساعدونهم(263)”، وذهب عاموس النبى إلى “المقدس” فى بيت إيل
ليتنبأ(264). ويربط الوحى كثيراً بين الكهنة والأنبياء(265)، كما قدم أرمياء النبى
أكثر من رسالة للشعب والأنبياء والكهنة فى الهيكل(266). وإلى جانب ذلك فقد كان
هناك بعض الأنبياء الذين تنبأوا فقط فى الهيكل، كانوا مخصصين للتنبؤ فى الهيكل،
وكانت نبوّتهم هى التسبيح والحم للرب فى الهيكل، وكان عملهم هو التنبؤ والتسبيح
وحمد الرب وإنشاد الأناشيد الروحية والترتيل بالمزامير سواء التى أوحى بها الله
إليهم وتكلم بها الروح القدس على أفواههم، أو التى أوحى بها الله إلى داود الملك
النبى وغيره من رجال الله، وكان على رأس هؤلاء آساف وهيمان ويدثون الموصوفين ب
“الرائين” و “المتنبئين”، والذين كانوا رائين وأنبياء،
وأحفادهم “آساف وهيمان ويدثون المتنبئين بالعيدان والرباب والصنوج … آساف
المتنبئ بين يدى الملك … يدوثون المتنبئ بالعود لأجل الحمد والتسبيح للرب …
هيمان رائى الملك بكلام الله لرفع القرن(267)”، “والمغنون بنو آساف
كانوا فى مقامهم حسب أمر داود وآساف وهيمان ويدثون رائى الملك(268)”. كما حل
روح الرب على يحزئيل بن زكريا الذى من بنى آساف وتكلم على لسانه قائلاً “هكذا
قال الربُّ لكم لا تخافوا ولا ترتاعوا(269)”، و”لبس روح الله زكريا بن
يهويا داع الكاهن فوقف فوق الشعب وقال لهم هكذا يقول الله لماذا تتعدون وصايا
الربّ فلا تفلحون. لأنكم ترككم الرب قد يترككم(270)”.

 

(1)
خر 18: 31

(2)
أر 13: 25؛ 1: 29؛ 2: 36

(3)
2مل 8: 22-13؛ عز 2: 3

(4)
رو 4: 15

(5)
1 أخ 37: 16-42؛ 5: 25

(6)
1صم 5: 22؛ 2صم 1: 12-15، 2أخ 15: 12

(7)
أنظر كتابنا “الإعلان الإلهى وكيف كلم الله الإنسان”.

(8)
عب 11: 4

(9)
تك 24: 5

(10)
سيراخ 16: 44

(11)
2بط 5: 2

(12)
تك 18: 6؛ 9: 9-17

(13)
تك 1: 12-3

(14)
تك 4: 26؛ 14: 28؛ غل 16: 3؛ 4: 4

(15)
تك 7: 20

(16)
يه 14

(17)
تك 25: 9-27؛ 29: 27؛ ص 48و49

(*)
أع 32: 7

(18)
تث 19: 18

(19)
أع 23: 3

(20)
أع 17: 13-22

(21)
متى 9: 11،11

(22)
أع 21: 7،22

(23)
أع 30: 7

(24)
أع 44: 7

(25)
خر ص 35-40

(26)
أع 36: 7

(27)
قض 10: 3،27؛ 34: 6؛ 25: 13؛ 6: 14،19؛ 14: 15

(28)
قض 16: 2-20

(29)
أع 20: 13

(30)
قض 4: 4

(31)
قض 8: 6

(32)
1صم 27: 1،28

(33)
1صم 11: 2،18؛ 1: 3،10،11

(34)
1صم 1: 8

(35)
1صم 20: 3،21

(36)
1صم 15: 7

(37)
1صم 1: 9؛ 27: 10

(38)
1صم 20: 3،21

(39)
1صم 13: 16

(40)
1صم 17: 7

(41)
1 أخ 22: 9

(42)
2 أخ 18: 35

(43)
1صم 25: 10

(44)
تث 26: 31

(45)
1صم 5: 10،10؛ 20: 9

(46)
قض 11: 2-13

(47)
1مل 13: 18

(48)
1مل 18: 19

(49)
2مل 8: 1

(50)
دائرة المعارف الكتابية ج 573: 1

(51)
1مل 1: 17

(52)
1مل 5: 17-7

(53)
1مل 1: 18

(54)
لو 25: 4؛ يع 17: 5

(55)
1مل 22: 17

(56)
1مل 19: 18-24

(57)
1مل 38: 18-40

(58)
1مل 14: 19

(59)
1مل 4: 19

(60)
1مل 8: 19

(61)
1مل 11: 19-13

(62)
1مل 16: 19،17

(63)
1مل 17: 21-24

(64)
2مل 5: 1-17

(65)
2مل 11: 2

(66)
2مل 9: 4

(67)
2مل 11: 8-15

(68)
2مل 1: 9-6

(69)
2مل 11: 3-19

(70)
2مل 21: 6

(71)
2مل 14: 13

(72)
2مل 12: 2

(73)
2مل 7: 8،8

(74)
2مل 1: 4،38

(75)
1مل 20: 19

(76)
1مل 21: 19

(77)
2مل 11: 3

(78)
2مل 9: 2،15

(79)
2مل 21: 2،22

(80)
2مل 23: 2،24

(81)
2مل 1: 4

(82)
2مل 2: 4

(83)
2مل 7: 4

(84)
2مل 16: 4-35

(85)
2مل 39: 4-41

(86)
2مل 42: 4-44

(87)
2مل 10: 5

(88)
2مل 14: 5

(89)
2مل 1: 6-7

(90)
2مل 20: 6-27

(91)
2مل 12: 6

(92)
2مل 14: 6

(93)
2مل 15: 16

(94)
2مل 17: 6

(95)
2مل 21: 6،22

(96)
2مل 1: 7

(97)
2مل 20: 13،21

(98)
أع 25: 28

(99)
إش 2: 1-23

(100)
إش 14: 43

(101)
إش 23: 29

(102)
إش 15: 43

(103)
إش 16: 5

(104)
إش 15: 57

(105)
إش 13: 6

(106)
إش 28: 44؛ 1: 45

(107)
ص 18،19،20

(108)
ص 13،14

(109)
ص 18

(110)
ص 15

(111)
ص 17

(112)
ص 21

(112)
ص 21

(112)
ص 21

(113)
ص 23

(114)
إش 6: 9،7

(115)
إش 14: 7

(116)
إش 1: 9،2

(117)
إش 1: 55-5؛ 1: 60-3؛ لو 24: 1

(118)

(119)
إش 17: 65-25؛ 22: 66

(120)
أر 1: 16-4

(121)
حدث ذلك حوالى سنة 1050 ق.م فى طفولة صموئيل النبى.

(122)
يقصد دمار مملكة إسرائيل على يد الآشوريين سنة 721 ق.م (2مل ص17).

(123)
أر 1: 7-15

(124)
ص 52 مع 2مل 24،25؛ 2 أخ 36

(125)
أر 5: 18-10

(126)
أر 12: 25

(127)
أر 10: 29-13

(128)
أر 31: 31-33

(129)
متى 28: 26

(130)
أر 14: 33

(131)
أر 1: 46-28

(132)
أر 1: 47-7

(133)
أر 1: 48-47

(134)
أر 1: 49-6

(135)
أر 7: 49-22

(136)
أر 23: 49-27

(137)
أر 28: 49-33

(138)
أر 34: 49-39

(139)
أر 1: 50؛ 64: 51

(140)
أر 1: 19-20-18

(141)
أر 1: 38-6؛ ص 43

(142)
حز 10: 2

(143)
حز 7: 3،14،15

(144)
2 أخ 6: 36،7؛ 1: 11-3

(145)
دا 11: 1

(146)
2مل 14: 24-16، حز 1: 1

(147)
حز 16

(148)
حز 23

(149)
حز 1: 22-2

(150)
حز 11: 5،12

(151)
حز 4: 10،18،19

(152)
حز 25: 11

(153)
2مل 6: 25-12

(154)
حز 11: 37

(155)
حز 24: 36،25

(156)
حز 16: 24-18

(157)
حز 4: 4-8

(158)
حز 9: 4-17

(159)
حز 6: 2

(160)
حز 32: 33

(161)
الترجمة العربية الجديدة.

(162)

(163)

(164)

(166)
حز 29-32

(167)
حز 40-48

(168)
ملا 3،4

(169)
1صم 12: 10

(170)
2مل 12: 2

(171)
2مل 21: 6

(172)
2مل 14: 13

(173)
1صم 20: 19،24

(174)
2مل 8: 4

(175)
2مل 22: 6

(176)
أش 36: 37

(177)
أش 1: 37-35

(178)
حز 17: 3؛ 7: 33

(179)
أيوب 1: 1،8

(180)
اى 25: 29

(181)
أى 3: 1

(182)
أى 1: 38

(183)
أى 7: 42

(184)
حز 4: 14

(185)
يع 11: 5

(186)
2صم 1: 23،2

(187)
أع 22: 13

(188)
مر 26: 12

(189)
أع 30: 2،31

(190)
1مل 34: 1

(191)
1مل 12: 3

(199)
حز 3: 28

(200)
حز 14: 14-20.

(201)
دا 1: 10و21.

(202)
دا 12-7.

(203)
دا 21: 9 – 27.

(204)
دا 13: 7،14.

(205)
متى 15: 24.

(206)
عز 6: 7.

(207)
عز 9: 7.

(208)
عز 29: 7.

(209)
نح 12: 2،18.

(210)
أع 20: 13.

(212)
2صم 1: 7-5،12-17؛ 1 أخ 1: 17-15

(213)
2صم 1: 12-15

(214)
2صم 24: 12،25

(215)
1مل 8،11-45

(216)
2أخ 25: 29

(217)
1 أخ 29: 29

(218)
2 أخ 29: 9

(219)

(220)
خر 11: 30،12

(221)
2صم 11: 24-13؛ أخ 9: 21،10

(222)
2صم 19: 24

(223)
2صم 18: 24،19

(224)
2صم 25: 24

(225)
أنظر ص 85.

(226)
1 أخ 5: 25؛ 2 أخ 15: 35

(227)
متى 37: 22

(228)
رؤ 11: 4؛ كو 15: 1

(229)
أش 3: 6؛ رؤ 12: 5-14

(230)
متى 16: 16،18

(231)
متى 20: 18

(232)
تك 20: 8

(233)
تك 7: 12

(234)
تك 8: 12

(235)
تك 18: 13

(236)
تك 9: 22

(237)
تك 25: 26

(238)
تك 20: 33

(239)
تك 1: 35،7

(240)
خر 15: 17

(241)
خر 24: 20-26

(242)
يش 30: 8،31

(243)
قض 26: 6،27

(244)
1صم 17: 7

(235)
1صم 35: 14

(246)
2صم 24: 18،25

(247)

(248)
1مل 39: 18

(249)

(250)
خر 35-40

(251)
خر 9: 25، عب 5: 8

(252)
2صم 15: 6،16

(253)
1 أخ 4: 16-43

(254)
1 أخ 1: 25-6

(255)
1مل 8

(256)
خر 5: 9-15

(257)
نح 4: 1-11

(258)
دا 3: 9-19

(259)
1صم 1: 3،20

(260)
أر 1: 1

(261)
حز 1: 1

(262)
أش 3: 6

(263)
عز 2: 5

(264)
عا 10: 7

(265)
أر 26: 2،27

(266)
أر 2: 26،7؛ 16: 27-22؛ 1: 28،5

(267)
1 أخ 2: 25-5

(268)
2 أخ 15: 35

(269)
2 أخ 14: 20،15

(270)
2 أخ 20: 24


الفصل الثالث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار