علم الكتاب المقدس

التاريخ الكتابى والميثولوجيات المتعدة


التاريخ الكتابى والميثولوجيات المتعدة
]]>
التاريخ
الكتابى والميثولوجيات المتعدة

في
البداية ينبغى ان ننوه إلى أنه قد شاعت بين الأمم المتباينة جنسا والمتباعدة مكانا
من قديم الزمان، حكايات وروايات، تحاول تفسير الأصول والظاهر. وبدراسة هذه
المأثورات الشعبية نجد انها تحتوى على عنصر أصيل في هه الأساطير الشعبية القديمة،
يؤكد أخذه من وحى الكتاب المقدس، وليس نقل الكتاب المقدس – كما يزعم أبناء الظلمة
– عن هذه الأساطير.
كما
أن وحدة هذا الأصل بين الجماعات البشرية المتباعدة جغرافيا، بعدا شاسعا والتى لا
يوجد بينها ادنى تقارب، يبرهن على وجود قبس اول من الحق الإلهى، ثم مالبس هذا
القبس ان توارى، في تصورات الأمم المختلفة حتى تلاشى فى ظلمات الوثنية.
هذه
الأساطير والخرافات (الميتولوجيا 9 توضح الفارق المميز الرئيسى بين بساطة الوحى
الألهى في الكتاب المقدس، وبين التلفيق والتصنع الوثنى. وقد تعرضت الميتولوجيات
(الأساطير) لأمور شتى، وردت في سفر التكوين، ونشكر الله الذى أتاح لنا الان هذا
الكم الأثرى الغزير لكتابات الشعوب القديمة والتى أمكن خلال السنوات القليلة
الماضية من معرفة لغتها وفك طلاسمها وبالتالى دراستها اثريا، نشرها للجمهور. لنرى
هنا بعضها منها:
(1)
خلق العالم:

أ
– توجد بالمتحف البريطانى الآن، ألواحا أشوية خزفية، اكتشفت سنة 1840م بالقرب من
الموصل في العراق، ضمن مكتشفات خزانة تل كوينجك (نينوى القديمة) مكتوب عليها
بالحراف الأسفينية (أى السهمية) وتحكى هذه الألواح قصة الخلق، حسب تصور
الكلدانيين، ويرد فيها وضع (نورين) في السماء، وان الأرض كانت أولا خالية من البشر
والحيوانات وان ” الإله ذو الوجه الشريف، جعل أن يكون اثنان ” وعين يوما
مقدسا..
والقارئ
العادى يستطيع أن يلمح على الفور عند قراءة هذه الأسطورة الفارق الجوهرى بين نفس
الوحى الإلهى في أسفار التكوين، وبين هذه الأساطير، كما يتضح بالتالى ضحالة عقول
هؤلاء الذين يقولون ان اخبار العهد القديم منقولة عن الأساطير القديمة؟ لأنه واضح
وجلى ان موسى – رغم أنه عاش في هذا الوسط الفكرى – لم ينقل عنه هذه التصورات
الوثنية العديدة، فلم يقل مثلاً أن الأرض معلقة على قرن ثور فوق سلحفاه عائمة؟ ولم
يقل أن الأرض عبارة عن لحم الإله المقتول الذى تصارع معه إله آخر فغلبه وقتله،
وخلق من لحمة المتناثر الأرض لم يقل.. ألخ.
وكون
موسى يولد فى هذا الوسط الفكرى ويعيش ويتهذ ” بكل حكمة المصريين ” ثم
يكتب ما كتبه في سفر التكوين، وهو أيضا برهان من البراهين الخارجية على الوحى
بالأسفار الألهية. أما هؤلاء الذين عن خبث يحاولون التغرير بالبسطاء بقولهم ان هذه
القصص الكتابية منقولا عن أصول ومبادئ موجودة في أساطير الأمم، فأننا نوجه لهم
سؤالا واحدا فقط، وانتم ماذا تقولون عن الحق؟ لو قلتم كما قال الكتاب المقدس، فهل
تكونون مشتركين معه في نفس المصدر (وهو الأساطير)؟.. وإذا قلتم خلاف ما قاله
الكتاب الألهى، فسيكون كلامكم نقلا عن من؟.. قطعا لن يكون الله في هذه الحالة، إذ
سيأتى الكلام نصا وفصا مع هذه الأساطير القديمة المهجورة والمخفية بحذق عن أذهان
العامة!!
ب
– ومن المدهش حقا أننا نجد ضمن الآثار الأشورية هذه، صحيفة ورد فيها تقسيم الوقت
إلى أسابيع، وتقديس يوم السبت، حيث تقول ” في اليوم السابع، هو عين، يوما
مقدساً ” وكشفت صفائح أخرى أن السبت الكلدانى كان يراعى بالتدقيق. وواضح ان
شيوع هذا اليوم بين الأمم من يونانيين وصينيين ومصريين ورومانيين وبرابرة، وهى
شعوب لم تكن بينها وبين العبرانيين، أدنى اتصال، لهو من أعظم الأدلة على وجود
الوحى الإلهى الشفاهى الأول، قبل كتابة الأسفار الألهية، لذى تلاشى والندثر بين
التصورات الوثنية للشعوب.
 
(2)
آدم، وجنة عدن:

أ
– وأيضا أشرات الألواح الأشورية الى أصل الجنس البشرى، فذكرت وجود زوجين أصليين من
البشر ” أن يكون اثنان ” خلقهما ” الإله ذو الوجه الشريفط وقد
أمدتنا مخلفات الشعوب الوثنية بالسجلات التى توضح لنا أساطير هذه الأمم الغابرة عن
أصل الجنس البشرى.
لقد
كشفته لنا هذه الآثار أنه رغم التباين المكانى والزمانى الشديد بين هذه الأمم من
المصريين والأشوريين شرقا الى هنود امريكا الشمالية غربا.. إلى أن حديثا شائعا ساد
هذه المم جميعها عن أن اٌنسان صنع اولاً ” من تراب الأرض فالكدانيون (سكان
منطقة العراق الآن القدماء) ذهبوا إلى أن الإنسان الأول ” ناتج من الأرض
” وأطلقوا عليه لفظ ” ادمو ” او أدامو “.. وهو لفظ يطابق
تماما اللفظ العبرى الذى أطلقه سفر التكوين على الأنسان الأول وهو آدم ”
ويعنى هذا اللفظ في العبرانية ” تراب احمر ” وهو المادة المصنوع منها.
والمصريون ذهبوا الى ان الإنسان مصنوع من ” طين النيل ” على دولاب
الفخارى (انظر الصورة الشعرية لدى اشعياء النبى). والهنود الحمر بامريكا الشمالية
ذهبوا ألى أن الانسان الأول مصنوع من تراب الأرض.
وهكذا
ردتت الميثولوجيات البشرية صدى الحق الألهى الأول، الذى اعطى لابينا آدم، ثم تبدد
بين أرجاء المسكونة. فبينما تتفق هذه الميثولوجيات في المادة التى صنع منها
الإنسان، وهى تراب الأرض وليس الميبا التى ذهب إليها العقلانيون في القرن ال 19 م!
في تكسية هذه الأمم، من حيث تعدد الآلهة، وتصور حةارات وصراعات معينة بين الآلهة
بعضها وبعض.. الخ.
ب
– لم تحدثنا العاديات عند آدم فقط، بل تعرضت أيضاً لموضع جنة عدن. فنحن نجد في سفر
التكوين ” وغرس الرب الإله جنة عدن.. ” (تك2: 8) ثم يذكر أنه ” كان
نهر يخرج من عدن ليسقى الجنة. ومن هناك ينقسم فيصير اربعة رؤوس اسم الواحد فيشون.
وهو المحيط بجميع أر الحويلة.. واسم النهر الثانى جيحون.. واسم النهر حداقل..
والنهر الرابع الفرات ” (تك2: 10 – 14).
هنا
تحدثنا مرة أخرى الكتابات الأسفينية الأشورية المستخرجة سنة 1840 م من مكتبة أشور
بانيبال في كوينجك عن موقع جنة عدن هذه. فقد ذكر السيد هنرى رولنسون وجود منطقة
جنوبى غربى بابل القديمة، بالعراق الآن ورد ذكرها فى هذه الكتابات الكيونيفورمية
لتغلث فلاسر (تجلث – بالاسر) الثنى الذى عاش في ايام آحاز ملك يهوذا (حوالى سنة
754ق. م) باسم (كان ادن) أو (كاندونى) وقد دعيت ايضا هذه المنطقة (كرودنياس)
ومعناها ” جنة رب الأراضى ” وهذه المنطقة تعرف الان في العراق باسم ”
عدن ” في أقليم بابل.
ليس
هذا فقط، بل ذكرت الألواح الأشورية أيضاً أن أرض (كردونياس) أو (كان ادن كانت
تسقيها أربعة انها: الفرات، وحداقل، (دجلة اليوم) وأكنى وسورابى. ثم نشر العلامة
الألمانى فردريك ديلتشك سنة 1882م مقالة بعنوان أين ” موقع الفردوس ”
أكد فيها أبحاث العلامة هنرى رولنسون، وذكر فيها أنه اكتشف قائمة في بابل بأسماء
الأنهار الرئيسية التى كانت معروفة قديما، ومن بينها نهر فيشانو (= نيشون في
العبرانيى)، وجيحانو (= جيحون في العبرانية) وبذلك زالت حيرة العلماء بشان منابع
النهار الأربعة المحيطة بجنة عدن والخارجة منها.
وقدمت
الأحجار صدى الصوت الألهى في سفر التكوين، عن وجود أربعة أنهار تسقى جنة عدن، رغم
اختفاء أسماء بعضها عبر التاريخ، ورغم تغير الوضع الطبوغرافى للمنطقة، على نحو دفع
البعض ألى الحيرة.
وهكذا
لا يفسر عدم الفهم بما هو ضد الأسفار الألهية. فما لا يفهم اليوم يمكننا فهمه
بسهولة إذا بتقدم العلوم وتزايد المكتشفات الأثرية. وعدم توافر الأدلة الآن على شئ
وارد في الكتاب المقدس لا يدفعنا ألى تكذيب الكتاب، بل بالأحرى ما ثبت صدقه كاف
لأن يجعلنا نثق ثقة تامة في كله.
(3)
وبعد أن غرس الله جنة عدن، وجبل الإنسان الول من تراب الأرض، وضعه فيها لينعم
بخيراتها:

وهنا
أيضاً نجد أن تقاليد الشعوب الوثنية جميعا تتفق على حالة السعادة الكاملة والبرارة
التامة التى كان يعيش فيها أبوينا، فى ربيع دائم وأرض خصبة مثمرة بدون انقطاع
الأمر الذى انعكس في خرافة العصر الذهبى الذى انشغل الشعراء القدماء بوصفه.
كما
تحدثنا الألواح الأشورية المكتشفة، عن حالة النقاوة هذه، وعن العبادة التى كان
يمارسها الإنسان الأول.
 
(4)
السقوط:

 أ
– يحدثنا الأصحاح الثالث من سفر التكوين، عن تجربة الشبطان لأبوينا الأولين
واسقاطهما. ونعلم من الكتاب المقدس أن الشيطان أخذ شكل الحية.
هذه
الحادثة أيضاً يتردد صداها في الميثولوجيات القديمة للشعوب. فالأساطير اليونانية
تتحدث عن اقتحام تلتيتانيين والجبابرة للسماء ومحاربتهم لزفس غله الآلهية لينزلوه
عن عرشه. فالقاهم من فوق إلى جهنم حيث يعذبون بنار دائمة.
وفى
بابل اكتشف عمود بابلى قديم موجود الآن بالمتحف البريطانى في لندن، يرجع تاريخه
إلى سنة 2500 ق. م منقوش عليه شجرة في الوسط وعن اليمين يجلس رجل وعلى رأسه قرنان،
وعلى اليسار تجلس امرأة ترتدى على رأسها شبه قبعة نسائية. وكل متهما يمد يده كأنه
يقطف ثمرة من الشجرة. وخلف المرأة تنتصب حية قائمة عموديا كأنها تتحدث إلى المرأة.
وهكذا يعكس هذا الرسم الكلدانى في بساطة صدى صوت تجربة الخبيث لأمنا حواء.
كذلك
نجد صدى أخذ الشيطان صورة حية، يتردد في أساطير الشعوب القديم الأخرى. ففى الثار
الفرعوينة، رغم عبادة بعض المناطق للحية – ربما لدرء خطرها – غلا أننا نجد صورة
لآلهة مسلحة بحراب تطعن بها جسد افعى. وهذا يعكس ما جاء في (تك3: 15) ” واضع
عداوة بينك (الحية) وبين المرأة وبين نسلك ونسلها. هو يستحق رأسك، وأنت تستحقين
عقبة ” بل أن ” سحق رأسى الحية ” واضح في الآثار اليونانيى أيضاً
حيث نجد على تيجان الأعمدة في الهياكل القديمة، رسما لأحد آلهة اليونان (فرشنو)
يهرس رأس الحية تحت قديمة، وتلك الحية تلسع عقب الغالب “.
وصارت
الحية رمزا للشر والنجاسة بين الأمم. حتى في الدب الشعبى العربى، نجد قصص سندباد
المشهورة تصور الشر بصورة حية هائلة لا تزحف على الأرض فقط بل وتطير في الجو. وأن
البشر ينتظرون ” مخلص ” يقهر هذه الحية، يأتى ويطارد هذه الحية ويتعقبها
ويطعنها بسيفه بكل قوة، و” يخلص ” البشر من ” شرها “!!
ب
– دخول الشر الى العالم بواسطة عصيان حواء، ينعكس أيضاص في التاريخ الأدبى للشعوب
الوثنية.
فيحدثنا
الأثنينيون عن باندورا التى اعطاها زفس علبه مغلقة وأمرها أن لا تفتحها ولكنها
رغبت ان تعرف ما فيها ففتحتها، فخرج منها إلى العالم كل الشرور وصارت سببا لشقاء
كل الجنس البشرى، لكن بقى في أسفل العلبة الرجاء. تأمل هنا مسألة الرجاء في الحصول
على شئ ما وعد به، وطال انتظاره!!
ج
– وتظهر أيضاً مسألة فساد الطبيعة البشرية بسبب الخطيئة الأصلية في كتابات الأدباء
والشعراء الوثنيين القدماء.
وهذكا
تعكس الألواح الأشورية المكتشفة في خزانة كوينجك ظل السقوط وتوضح أنه ظل مبسوطا
على سائر الأمم، وتتحدث عن زمان البرارة والسلام الأصلى ونتائج الخطية والعناء المحزنة.

 
(5)
شجرة الحياة، وسيف اللهب:

ولم
تتحدث الآثار البابلية عن الحية والمعصية فقط، بل أيضاً عن شجرة الحياة. فنجد ضمن
الآثار المستخرجة من قصر نمرود قرب الموصل، رسما أشوريا لشجرة الحياة. ويذكر
لايارد أنه قد وجد هذا الرسم مرارا كثيرة مرسوما على ألواح نينوى، ومحروسا بصورة
مجنحة، مما يعكس عبارة.


التاريخ الكتابى والميثولوجيات المتعدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار