اللاهوت العقيدي

البَابُ الثاني



البَابُ الثاني

البَابُ
الثاني

سِرُّ
المعمُوديَّة

الفَصل
الأول نشْأة المَعْمُودَّية المقَدَّسَة

“وأعترف
بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا”

في
قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني أعلن الآباء إيمان الكنيسة بمعمودية تُمنَح
مرّة واحدة لمغفرة الخطايا. وقد ختم هذا الإعلان الرسمي تقليداً في الكنيسة يعود
إلى الزمن الرسولي. فالرسل كانوا يعمّدون، بأمر من السيّد المسيح نفسه، في أثناء
حياته ومن بعد قيامته.

يذكر
إنجيل متى أنّ السيّد المسيح، من بعد قيامته، تراءى لرسله وأوصاهم أن يتابعوا
رسالته بتعليم جميع الأمم وتعميدهم:

“لقد
دُفع إليّ كلّ سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا، وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم
باسم الآب والابن والروح القدس. وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وهاأناذا
معكم كلّ الأيّام، إلى انقضاء الدهر” (متى 28: 18- 20).

وهذا
ما فعله الرسل منذ حلول الروح القدس عليهم يوم العنصرة، كما جاء في سفر أعمال
الرسل. فبعد أن خطب بطرس والأحد عشر في الشعب مبشرين بقيامة المسيح وشاهدين لها،
“انصدعت قلوب الشعب، وقالوا لبطرس وسائر الرسل: ماذا علينا أن نصنع أيّها
الرجال الإخوة؟ فقال لهم بطرس: توبوا، وليعتمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح
لمغفرة خطاياكم، فتنالوا موهبة الروح القدس. فاعتمد الذين قبلوا كلامه، وانضمّ الى
الكنيسة في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس” (أع 2: 37- 41).

تستند
المعمودية المسيحية إلى وصية السيّد المسيح والى ممارسة الرسل في بشارتهم بالمسيح.
ولكنّ السؤال الذي لا بدّ من طرحه في مستهلّ بحثنا هو التالي: هل اختلق المسيح من
لا شيء عملاً طقسياً جديداً، أم أنّه اتّخذ من عمل طقسي مألوف سبيلاً لمن أراد
الالتزام بتعاليمه الجديدة؟

إنّ
دراسة الديانات القديمة التي سبقت المسيحية تحملنا على القول إنّ السيّد المسيح لم
يبتكر العماد بالماء، بل أضفى على هذا العمل الديني المعهود معاني جديدة سنتوسّع
فيها في الفصول اللاحقة من هذا البحث. أمّا في هذا الفصل الأوّل فنستعرض أوّلاً
الديانات القديمة التي كانت تستخدم الماء لغرض ديني، ثم نبحث في ما جاء في العهد
الجديد عن معمودية يوحنا المعمدان وعن نشأة المعمودية المسيحية.

أوّلاً-
الوضوءات والاستحمامات المقدّسة في الديانات الوثنية وفي العهد القديم

1-
الاستحمامات المقدّسة في الديانات الوثنية

نقرأ
عند ترتوليانوس في القرن الثالث وصفاً للاستحمامات والوضوءات التي كانت معهودة في
الديانات الوثنية ذات الأسرار، في معرض المقارنة بينها وبين العماد المسيحي. يقول:

“..
وعلى هذا النحو يدخلون الوثنيين بالاستحمام إلى بعض الأسرار، كأسرار إيزيس وميترا.
بل يحملون آلهتهم على الاستحمام، وينضحون بالماء النقي منازلهم وهياكلهم، بل مدناً
بكاملها، لتطهيرها. وفي أثناء الألعاب الأبولونية والبيلوزية، يغتسلون بكثرة ظانين
أنّهم، إذّاك، يتجدّدون وتغفر ذنوبهم”.

لقد
ذهب بعض مؤرّخي الأديان إلى أنّ المعمودية المسيحية ليست سوى استمرار للعماد الذي
نجده في الديانات الوثنية ذات الأسرار. إلاّ أنّ هذا التحليل ينطلق من وجود شبه
خارجي إلى استنتاج صلة استمرار بين الوثنية والمسيحية. وهذا الاستنتاج يتعدّى حد
المنطق والواقع.

فالوضوءات
الوثنية ليست ذات طابع تاريخي، أي إنها لا تعود إلى حدث تاريخي ينبع منه وجودها
وجوهرها. بل هي مجرد استعمال عفوي ينبع من جهة من وعي الإنسان الفطري لقداسة الله
وضرورة التنقية للتقرّب إليه، وتوحي به من جهة أخرى طبيعة الماء وعلاقتها المباشرة
بالنظافة والنقاوة.

أمّا
العماد المسيحي فتاريخي، أي إنّه مرتبط كيانياً بحدث تاريخي إلهي وخلاصي. وهذا
الحدث هو ظهور يسوع المسيح ابن الله في الجسد وعماده ورسالته وموته وقيامته.

إنّ
الإنسان كائن مخلوق على صورة الله، يعمل روح الله فيه منذ بدء البشرية. لذلك
يمكننا القول إنّ إدراك الديانات الوثنية ضرورة التنقية للتقرّب من آلهتها هو من
عمل الروح الإلهي الذي هيَّأ البشرية عبر مراحل متعددة للوصول إلى كمال الوحي
بمجيء يسوع المسيح ابن الله.

لذلك،
فيما الاستحمامات والوضوءات الوثنية كانت تتكرّر بلا انقطاع، تُعطى المعمودية
المسيحية مرّة واحدة، لأنّها اتّحاد تام ونهائي بالسيّد المسيح كمال الوحي.

وخلاصة
القول أنّ بين الوضوءات الوثنية والعماد المسيحي بعض الشبه في استخدامِ الماء
كعنصر تنقية وتكريس. فالماء الذي من طبيعته ينقّي الجسد من أقذاره يصير رمزاً
لتنقية النفس من أدران الخطيئة إذا تمّ استخدامه في طقوس دينية ورافقته صلوات
وابتهالات، كما يصير أيضاً عنصراً أساسياً في تكريس الأشياء التي تُستعمل لخدمة
الله وفي تكريس الأشخاص الذين يقومون بتلك الخدمة. ولكن إلى جانب هذا الشبه، هناك اختلاف
جذري في المعنى والجوهر بين الوضوءات والاستحمامات الوثنية والمعمودية المسيحية.

2-
الوضوءات في الديانة اليهودية

كذلك
القول عن الوضوءات المختلفة التي كانت مألوفة في الديانة اليهودية ومفروضة في
شرائعها.

إنّ
معظم الوضوءات في التشريع اليهودي هي من باب الطهارة الطقسية الخارجية التي تقوم
على غسل الجسد والأشياء المخصّصة للخدمة الدينية قبل الاحتفال بأي طقس أو الإقدام
على أي عمل ديني.

والتشريع
اليهودي في هذا الموضوع دقيق غاية الدقة: فقد صنّف الحيوانات طاهرة ونجسة. فمن أكل
من الحيوانات النجسة أو مسّها بعد موتها “يكون نجساً إلى المغيب” (أح 11:
34). “وكل ما وقع عليه شيء بعد موتها يكون نجساً، من آنية الخشب والثياب
والجلد والمسح وكلّ آنية يُعمَل بها عمل يجاز في الماء ويكون نجساً إلى المغيب، ثم
يطهر” (أح 11: 32؛ راجع أيضاً عد 19: 14- 19).

وهناك
أيضاً شرائع للطهارة الجنسية (راجع أح 15: 1- 33). وقد زاد الشيوخ ومعلّمو الناموس
هذه الشرائع تشريعات أخرى نجد أثراً لها في ما دار حولها من نقاش بين السيّد
المسيح والفرّيسيين “كغسل الأيدي قبل نناول الطعام وغسل الجرار والكؤوس”
(مر 7: 1- 8).

إنّ
النجاسة التي يتعرّض لها أفراد شعب الله في العهد القديم عندما يقومون ببعض
الأعمال أو يلمسون بعض الأشياء هي “نجاسة طقسية” أي إنّها تخرجهم من
الجماعة المقدّسة التي قدّسها الرب الإله لخدمته في الطقوس الدينية. وللعودة الى
كنف تلك الجماعة، عليهم أن يخضعوا ذواتهم، ويخضعوا أيضاً كلّ ما مسّهم من ثياب وأدوات،
لوضوءات طقسية ترافقها في بعض الأحيان ذبائح تكفير عن الخطيئة (راجع عد 19: 20).

فهذه
الوضوءات ما كانت إلاّ وسائل تعيد لأفراد الشعب “الطهارة الخارجية” التي
يقتضيها العهد الذي قطعه الله مع شعبه. إلاّ أنّها كانت رمزاً لطهارة القلب، وإن
لم تكن قادرة على تحقيق تلك الطهارة وتجديد الإنسان من الداخل. فهذا التجديد
الداخلي لن يتحقق إلاّ في الزمن الماسيوي الذي سيكون فيه النضح بالماء الطاهر، حسب
نبوءة حزقيال، سبيلاً للحصول على قلب جديد وروح جديد ممتلئ من روح الله نفسه:

“وأنضح
عليكم ماء طاهراً، فتطهرون من جميع نجاستكم، وأطهّركم من جميع أصنامكم، وأعطيكم
قلباً جديداً، وأجعل في أحشائكم روحاً جديداً، وأنزع من لحمكم قلب الحجر وأعطيكم
قلباً من لحم، وأجعل روحي في أحشائكم، وأجعلكم تسلكون في رسومي، وتحفظون أحكامي
وتعملون بها” (حز 36: 25- 27).

وفي
هذه النظرة تندرج كرازة يوحنا المعمدان ومعموديته التي كان يعتبرها تهيئة لمجيء
المسيح الذي سيعمّد “بالروح القدس والنار” (متى 2: 11).

3-
وضوءات الأسينيين

من
بين الفرق اليهودية التي كانت تلجأ باستمرار الى الوضوءات والاغتسالات الطقسية، لا
بدّ من ذكر جماعة الأسينيين الذين كانوا عائشين في قمران في جوار البحر الميت في
إطار حياة مشتركة، ينتظرون مجيء المسيح. فكل من كان يريد الانضمام إلى هذه الجماعة،
كان يتهيَّأ مدّة سنة لغسل طقسي يرافقه خلع ملابس وارتداء أخرى.

لقد
رأى البعض في هذه الرتبة الطقسية أصل العماد المسيحي. لا شكّ أنّ “عماد”
الأسينيين كان يرافقه أعمال توبة. لكنّ هناك أمرين أساسيين يميّزان العماد المسيحي
عن “عماد” الأسينيين. فالعماد المسيحي واحد لا يتكرّر، أما
“عماد” الأسينيين فكان يتكرّر مراراً للشخص الواحد. ثمّ إنّ العماد
المسيحي يحمل معنى لا وجود له في عمادات الأسنيين المتكرّرة، وهو المعنى
الإسختولوجي، أي إنّه يدخل الإنسان ملكوت الله الأخير والنهائي الذي أتى في شخص
يسوع المسيح. لذلك وإن كان “عماد” الأسينيين عماد توبة فليس له في حياة
أفراد الجماعة الدور الحاسم الذي نجده في المعمودية المسيحية الواحدة. ولذلك يعتبر
المؤرخون اليوم أنّ “عمادات” الأسنيين تندرج في مراسيم التطهير والوضوء
التي مارسها اليهود أجمعون.

ثانياً-
المعمودية في الإنجيل المقدّس

1-
معمودية يوحنا المعمدان

إنّ
المعمودية التي مهّدت مباشرة للمعمودية المسيحية هي دون شك معمودية يوحنا المعروف
“بالمعمدان”، بسبب المعمودية التي كان يبشّر بها ويمنحها، وقد “كان
الجميع يعتبرونه نبيًّا في الحقيقة” (مر 11: 32)، وهو الذي قال عنه السيّد
المسيح: “الحق أقول لكم: إنّه لم يقم في مواليد النساء أعظم من يوحنا
المعمدان”، (متى 11: 11) قبل مجيء الملكوت.

لذلك
تحتلّ معمودية يوحنا محلاً مرموقاً في الكرازة الرسولية. فالإزائيون يبدأون
إنجيلهم بها (متى 3: 1- 12؛ مر 1: 1- 8؛ لو 3: 1- 18)، وإنجيل يوحنا يتكلّم عنها
بشكل خاص (يو 1: 19- 28).

تتّسم
معمودية يوحنا بالسمات التالية:

أ-
إنّها معمودية اسختولوجية أي معمودية الأزمنة الأخيرة والنهائية فيوحنا هو سابق
المسيح والكارز بمجيئه، على حسب ما هو مكتوب في أشعيا النبي: “ها أناذا أرسل
ملاكي أمام وجهك، ليهيّىء لك الطريق. صوت صارخ في البرّية: أعدوا طريق الرب،
مهّدوا سبله” (مر 1: 2- 3). ولقد شهد يوحنا ليسوع أنّه هو المسيح، “حمل
الله”، و”ابن الله” (يو 1: 29- 34)، و”العريس” (يو 3: 26-
30). ويستند يسوع الى شهادة يوحنا هذه في نقاشه مع الفرّيسيين: “لقد أرسلتم
الى يوحنا، فشهد للحق” (يو 5: 31- 35).

ويوحنا،
في كرازته ومعموديته، يعلن قرب حلول زمان تدخّل الله تدخّلاً نهائياً في تاريخ
البشر: “توبوا، فإنّ ملكوت السماوات قريب” (متى 3: 2). والمعمودية التي
يمنحها هي الرابط بين العهد القديم والعهد الجديد. لذلك لا تتكرّر بل تمنح مرّة
واحدة، إذ بعدها تبدأ مرحلة جديدة، هي مرحلة المعمودية بالروح القدس.

وتجدر
الإشارة إلى أنّ هذه المعمودية تمنح في البرّية على ضفاف نهر الأردن، الذي هو، حسب
التقليد اليهودي، النهر الذي يجب اجتيازه لدخول أرض الميعاد. وقد شعر اليهود، لدى
رؤيتهم يوحنا يعمّد في الأردن، أن مرحلة جديدة بدأت في تاريخ الخلاص، وراحوا
يتساءلون عن يوحنا “لعلّه هو المسيح” (يو 1: 19- 21). وانطلاقاً من هذا
الشعور تكوّنت بعض الفرق تدعوها أسفار العهد الجديد “تلاميذ يوحنا” (متى
14: 12؛ لو 7: 18؛ 11: 1؛ يو 1: 35)، وتروي بعضاً من مناظراتها مع “تلاميذ
يسوع” وغيرهم من اليهود، لا سيما بشأن الصوم (متى 9: 14؛ مر 2: 18)
والمعمودية (أع 18: 25؛ 19: 3)، والتطهير (يو 3: 25- 30).

وفي
هذا النص الأخير يوضح يوحنا لتلاميذه أنّ يسوع هو المسيح:

“أنتم
أنفسكم تشهدون لي بأنّي قلت: إنّي لست المسيح، بل أنا مرسل أمامه. من له العروس
فهو العريس، وأمّا صديق العريس، القائم بقربه ويسمعه، فإنّه يهتزّ فرحاً لصوت
العريس؛ فذلك هو فرحي، وقد اكتمل. فله ينبغي أن ينمو ولي أن أنقص” (يو 3: 27-
30).

ب-
إنّها “معمودية توبة لمغفرة الخطايا”، كما جاء في مرقس 1: 4. وفي هذا
أيضاً يقول متى: “حينئذ كانت أورشليم وكل اليهودية، وكل بقعة الأردن يأتون
إليه، ويعتمدون على يده في نهر الأردن معترفين بخطاياهم” (متى 3: 5- 6). إنّ
الاعتراف بالخطايا، حسب التقليد اليهودي، لا يعني تعداد كلّ الخطايا المقترفة، بل
إقراراً من قبل الإنسان بأنّه خاطئ.

أمّا
المعمودية فتعني تغطيس الإنسان كلّه في الماء. ويرمز هذا التغطيس الى أمرين: أمر
مرتبط بالإنسان، وآخر بالله.


فالإنسان، بنزوله في الماء، يُعبّر عن إرادته بأن يزيل عنه آثار الخطيئة ويتوب- أي
يعود- إلى الله، ويبدأ حياة جديدة.


ولكنّ الإنسان، في معمودية يوحنا، على خلاف “معموديات” الأقدمين، لا
يعمّد نفسه. فالمعمودية هي على يد “مرسَل من قبل الله”. وفي ذلك إشارة
إلى أنّ هذه الحياة الجديدة ليست أوّلاً عمل الإنسان، بل هي قبل ذلك عمل الله الذي
“وحده يستطيع أن يغفر الخطايا” (مر 2: 7) ويجدّد الإنسان. فيوحنا،
بكرازته بمعمودية توبة لمغفرة الخطايا، يعلن بدء الزمن الذي سيتحقّق فيه ما وعد به
الله الشعب على لسان أنبيائه في العهد القديم (مز 36: 35- 36؛ إر 31: 34؛ أش 33: 24).

ج-
إنّها عمل جماعي. فيوحنا لا يوجّه دعوته إلى بعض الأفراد بل إلى الشعب كله. لذلك
“كان جميع اليهودية وجميع سكّان أورشليم يخرجون إليه ويعتمدون على يده”
(مر 1: 5). ويشير لوقا الى أن معمودية يوحنا لا تستثني أحداً لا من اليهود ولا من
الوثنيين. فالرجال والنساء والأطفال، والعشارون والجنود (لو 3: 12- 14) كلّهم
مدعوون إلى معمودية التوبة، “ليعاين كل إنسان خلاص الله” (لو 3: 6).
فالانتساب إلى إبراهيم بالجسد والختان لا يكفي للخلاص: “لا يخطرنّ لكم أن
تقولوا: إن أبانا إبراهيم. فإنّي أقول لكم: إنّ الله يقدر أن يقيم من هذه الحجارة
أولاداً لإبراهيم” (لو 3: 8).

معمودية
يوحنا هي عمل جماعي يعدّ الشعب كلّه لتقبل المسيح.

د-
إنّها معمودية مؤقتة ونبوية، إذ تهدف إلى تهيئة مجيء المسيح. فدور يوحنا المعمدان
هو أن “يهيّء للرب شعباً مستعداً” (لو 1: 17).

ويميز
يوحنا بين المعمودية المؤقتة التي يمنحها والمعمودية المقبلة التي سيمنحها المسيح
“بالروح القدس والنار” (لو 3: 16). فحلول الروح القدس على الشعب هو إحدى
علامات الأزمنة الماسيوية، حسب أقوال الأنبياء:

“إنّي
أفيض المياه على الظمآن والسيول على اليبس، وأفيض روحي على ذرّيتك وبركتي على
أعقابك” (أش 44: 3)؛ “وسيكون بعد هذه الأيّام أنّي أفيض روحي على كل
بشر” (يو 2: 28)؛ “أعطيكم قلباً جديداً وأجعل في أحشائكم روحاً جديداً..
وأجعل روحي في أحشائكم” (حز 36: 26- 27).

إنّ
الروح القدس هو روح الله الذي سيرسله المسيح ليملأ فيه قلوب الشعب الماسيوي
ويغيّرها من الداخل: “إنّه يقيم معكم ويكون فيكم” (يو 14: 17).

أمّا
النار فهي نار التنقية ونار الذبيحة والفداء، حسب قول السيّد المسيح: “لقد
جئت لألقي على الأرض ناراً، وكم أودّ لو تكون قد اضطرمت”. ثمّ يضيف: “وإن
لي معمودية أعتمد بها، وما أشدّ تضايقي حتى تتمّ” (لو 12: 49- 50). إنّ معمودية
يسوع هي معمودية موته على الصليب الذي به سيفتدي العالم وينقّيه من كل ما هو مناقض
لروح الله. ومن تلك المعمودية سينشأ شعب جديد منقّى وممتلئ من روح الله، ممحّص كما
يمحّص الذهب في النار. “فإنّ الذهب يمحّص بالنار، والمرضيّين من الناس
يُمحَّصون في أتون الاتضاع” (سير 2: 5؛ راجع أيضاً في العهد القديم أش 1: 25؛
زك 13: 9؛ ملا 3: 2- 3).

2-
اعتماد يسوع

إنّ
اعتماد يسوع على يد يوحنا المعمدان في نهر الأردن هو حدث هام في حياة يسوع المسيح
وفي كرازة الكنيسة الأولى. فالإنجيليون الأربعة يأتون على ذكره في مستهلّ حياة
يسوع العلانية (متى 3: 13- 17؛ مر 1: 9- 11؛ لو 3: 21- 22؛ يو 1: 32- 34).

في
هذا الحدث تنتهي رسالة يوحنا وتبدأ رسالة السيّد المسيح. فيوحنا كان “الصوت
الصارخ في البرّية أعدّوا طريق الرب” (متى 3: 2)؛ أمّا يسوع فهو “ابن
الله الحبيب” (متى 3: 17؛ يو 1: 34).

في
اعتماد يسوع “يكتمل البر”، ويحلّ عليه الروح القدس، ويعتلن للعالم أنّه
هو المسيح ابن الله.

أ-
اكتمال البر

يقول
متى: “حينئذ ظهر يسوع، فأقبل من الجليل إلى الأردن، إلى يوحنا ليعتمد منه.
فأخذ يوحنا يمانعه قائلاً: أنا المحتاج أن أعتمد منك، وأنت تأتي إليّ. فأجابه يسوع
وقال: دعني الآن أفعل، إذ هكذا يليق بنا أن نكمّل كل برّ” (متى 3: 13- 15)

البرّ
هو الأمانة التامة والجذرية لقصد الله وإرادته (راجع متى 5: 6، 10، 20). ويسوع،
باعتماده، أظهر الاتضاع طريقاً لتحقيق برّ الله، مناقضاً بذلك انتظار اليهود
المسيح زمني منتصر (راجع متى 4: 1- 11؛ 16: 21- 23). ثمّ إنّ يسوع
“البار” ليس بحاجة الى أن يعتمد، لكنّه أراد أن يعتمد مع الشعب الخاطئ
الذي جاء ليخلّصه. “إنّه حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم” (يو 1: 29).
ومعموديته مع الخطأة في ماء الأردن في بدء حياته العلانية هي إنباء بعموديته في
دمه على الصليب في نهاية حياته بين الخطأة ولأجلهم. إنّ يسوع لا ينفصل عن الخطأة
الذين جاء ليخلّصهم، بل يصير واحداً منهم. إنّه يندمج في الجماعة التي تلتئم حول
يوحنا المعمدان لينتقل بها الى العهد الجديد، عهد كمال البرّ، ويكوّن منها الشعب
الماسيوي الجديد.

ب-
حلول الروح القدس

يتابع
نص متى: “فلمّا اعتمد يسوع، خرج على الفور من الماء، وإذا السماوات قد انفتحت
له، ورأى روح الله ينزل بشكل حمامة ويحلّ عليه” (متى 3: 16). الروح القدس
ينزل على يسوع “ويستقرّ عليه” (يو 1: 33).

يشير
حلول الروح القدس على يسوع الى تحقيق الأزمنة الماسيوية التي تتميّز، بحسب نبوءات
العهد القديم، بالروح يستقرّ على المسيح، كما جاء في سفر أشعيا:

“ويخرج
قضيب من جذر يسّى، وينمي فرع من أصوله، ويستقرّ عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم،
روح المشورة والقوّة، روح العلم وتقوى الرب” (أش 11: 1- 2).

“هوذا
فتاي الذي اخترته، حبيبي الذي سرّت به نفسي، عليه أحلّ روحي، فيبشّر الأمم بالعدل..”
(أش 42: 1؛ راجع متى 12: 15- 21).

عندما
خلق الله السماوات والأرض، كان “روح الله يرفّ على وجه المياه” (تك 1: 2).
فحلول الروح القدس على يسوع هو إشارة إلى الخليقة الجديدة التي ستبعث من رسالة يسوع.
ويدلّ أيضاً على الخليقة الجديدة حلول الروح “بشكل حمامة”. وفي ذلك
إشارة إلى الحمامة التي أطلقها نوح بعد الطوفان، و”رجعت حاملة في فمها ورقة
زيتون خضراء. فعلم نوح أنّ المياه قد جفّت عن الأرض” (تك 8: 11). فمع المسيح
تبدأ أزمنة جديدة يعمّ فيها السلام والمصالحة الأرض كلّها.

ج-
إعلان يسوع “ابن الله”

“وإذا
صوت من السماوات يقول: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” (متى 3: 17). وفي
نصّ مرقس يتوجّه الصوت إلى يسوع نفسه: “أنت ابني الحبيب، بك سررت” (مر 1:
11).

معظم
الأنبياء، في بدء رسالتهم، رأوا رؤيا، وسمعوا صوت الله يرسلهم إلى الكرازة. فهم
مرسَلون من قبل الله (راجع أش 6: 8؛ إر 1: 1- 10؛ حز 2: 2- 3).

إنّ
يسوع يتميّز عن سائر الأنبياء بأنّه “ابن الله الحبيب”، وليس مجرّد
مرسَل من قبل الله. لذلك في الرؤيا التي يراها، يرى روح الله يحلّ عليه ويسمع صوت
الله الآب يعلن: “أنت ابني الحبيب، بك سررت”، وفي نص لوقا، كما جاء في
بعض المخطوطات: “أنت ابني الحبيب، أنا اليوم ولدتك” (لو 3: 22).

كان
هذا القول “أنت ابني، وأنا اليوم ولدتك” يقال لدى تنصيب ملوك إسرائيل
قبل المباشرة بممارسة ملكهم. كذلك يسوع، قبل البدء برسالته، ينصَّب ملكاً ومسيحاً
وابن الله، ولكنّ تنصيبه لا يتمّ في الأبّهة ليصير ملكاً متسلطاً على غرار سائر
الملوك، بل في اتضاع المعمودية بين الخطأة، ليصير مسيحاً خادماً يقدّم ذاته لأجل
حياة العالم. وهذا هو النهج الذي سيرافقه كلّ حياته. “فابن البشر لم يأت
ليُخدم، بل ليَخدم ويبذل ذاته فداء عن الكثيرين” (مر 10: 45).

لذلك
يروي الإزائيون حالاً بعد اعتماد يسوع قصة تجاربه الثلاث التي توضح كيف فهم رسالته
كمسيح و”كابن الله” (متى 4: 1- 11). وقبل تلك الرواية يقدّم لوقا
“نسب يسوع”، الذي يعود الى داود وإبراهيم، فإلى آدم فإلى الله (لو 3: 23-
38). فيسوع هو ابن داود، ولكنه، على غرار آدم، خرج مباشرة من يدي الله. لذلك سيكون
لرسالته الماسيوية سمة الخلق الجديد.

3-
المعمودية في أثناء حياة يسوع

انجيل
يوحنا وحده يذكر أنّ يسوع كان “يعمّد، والجميع يقبلون إليه” (يو 3: 22،
26). ثمّ يستدرك في الفصل التالي، فيقول “إنّ يسوع لم يكن يعمّد هو نفسه، بل
تلاميذه” (4: 1- 2).

إنّ
هذه المعمودية هي شبيهة بمعمودية يوحنا ولا تحمل من المعاني التي ستحويها
المعمودية بعد قيامة المسيح وإرسال الروح القدس (راجع يو 7: 39)، سوى أنّها تجعل
من الإنسان تلميذاً ليسوع. ولا يبدو أنّ هذه المعمودية كانت شرطاً للتتلمذ ليسوع
في أثناء حياته.

إنّ
الرابط بين المعمودية والتتلمذ ليسوع لن يصير ملزِماً إلاّ بعد قيامة المسيح، كما
يبدو من وصية يسوع لتلاميذه في ترائيه لهم بعد قيامته.

4-
وصية يسوع بعد قيامته بتعميد الأمم

يروي
إنجيل متى أنّ يسوع، من بعد قيامته، ظهر لتلاميذه وأوصاهم قائلاً:

“لقد
دُفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا، وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم
باسم الآب والابن والروح القدس. وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أناذا
معكم كلّ الأيّام الى انقضاء الدهر” (متى 28: 18- 20).

وهذه
الوصية نجدها أيضاً في ختام إنجيل مرقس: “اذهبوا في العالم أجمع، واكرزوا
بالإنجيل للخليقة كلّها، فمن آمن واعتمد يخلص” (مر 16: 15- 16).

هناك
صلة وثيقة بين الكرازة والإيمان من جهة والمعمودية من جهة أخرى. فالتتلمذ ليسوع هو
عمل إيمان والتزام حرّ، ولا يُفرَض بالقوّة. والمعمودية هي تعبير عن قبول الكرازة
والتتلمذ للمسيح. ويؤكّد متى شمولية سلطان المسيح: “كلّ سلطان”، وشمولية
الكرازة: “جميع الأمم”، وشمولية الرسالة: “جميع ما أوصيتكم
به”، وشمولية الزمن والتاريخ: “كل الأيّام الى انقضاء الدهر”.
فالمعمودية هي حقًّا دخول البشرية كلّها ملكوت الله الذي حضر الى العالم بشكل
نهائي في شخص يسوع المسيح.

لا
معمودية إلاّ انطلاقاً من الإيمان بشخص يسوع المسيح و”بالسلطان الذي دُفِع
إليه في السماء وعلى الأرض”. تشير هذه العبارة إلى رؤيا “ابن
البشر” في نبوءة دانيال. فبعد زوال سلطان “الحيوانات الأربعة” التي
ترمز إلى جميع ملوك الأرض، يرى دانيال “ابن البشر”، أي إنساناً حقيقياً
يجسّد في ذاته كل صفات الإنسانية، ويؤتيه الله “سلطاناً ومجداً وملكاً، فجميع
الشعوب والأمم والألسنة يعبدونه، وسلطانه سلطان لا يزول، وملكه لا ينقرض” (دا
7: 14).

هناك
نهج ينهجه ملوك الأرض هو نهج التسلّط الذي ينتج منه التنافر والتباغض والتقاتل بين
الناس. وهذا النهج يناقض إرادة الله. لذلك سيرسل في ملء الأزمنة “ابن
بشر” يحقّق في حياته إرادة الله. وابن البشر هو السيّد المسيح. وسلطانه سلطان
جديد فيه تسود الخدمة بدل التسلّط، والمحبة بدل البغض. وهذا السلطان هو سلطان إلهي
وإنساني معاً. فبتحقيقه تتحقّق إرادة الله ويسود ملك الله، وتتحقّق إنسانية
الإنسان.

لذلك
لا معنى للمعمودية إلاّ انطلاقاً من الإيمان بسلطان المسيح وبنهجه الجديد.
والتبشير بالمسيح وتلمذة جميع الأمم هما نتيجة للإيمان بهذا السلطان الجديد: “قد
دفع اليّ كل سلطان.. فاذهبوا وتلمذوا..” إنّ الحرف الأوّل من كلمة”
فاذهبوا” يشير إلى تلك العلاقة الوثيقة بين الإيمان بالمسيح والتتلمذ له. فمن
يؤمن بسلطان المسيح وبالنهج الذي جاء به يصير له تلميذاً، و”يعتمد باسم الآب
والابن والروح القدس”.

إنّ
العماد، أي التغطيس بالماء، هو تعبير حسّي عن إيمان الإنسان بشخص المسيح،وعن قصده
التتلمذ له واتّباع تعاليمه. باعتماده باسم الآب والابن والروح القدس، يصير ابناً
لله على مثال ابن الله، ويمتلئ من روح الله ليحقق في العالم مع المسيح الابن ملكوت
الله.

إنّ
السيّد المسيح، بوصيته هذه لتلاميذه، أراد أن يستمرّ شخصه و”سلطانه” أي
نهجه الجديد على مدى الزمن والى انقضاء الدهر.

ثالثاً-
المعمودية في “أعمال الرسل”

هناك
ثلاثة أمور تميّز المعمودية في أعمال الرسل، نجدها في قول بطرس الرسول لمستمعيه
يوم العنصرة: “توبوا، وليعتمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح لمغفرة خطاياكم،
فتنالوا موهبة الروح القدس” (اع 2: 38).

1-
التوبة والمعمودية بالماء لمغفرة الخطايا

يبقى
التغطيس بالماء الطريقة المتبعة للعماد، تلازمه التوبة دلالة على أنّ العماد ليس
مجرّد عمل خارجي ينضمّ به إنسان إلى جماعة معيّنة، بل هو ارتداد داخلي يفرض
تغييراً جذرياً في الحياة. وهذا العماد بالماء يمنح مغفرة الخطايا.

2-
المعمودية باسم يسوع المسيح

تعود
هذه العبارة “باسم يسوع المسيح” مراراً في سفر أعمال الرسل (10: 48؛ 19:
5؛ 22: 16)، وتعني أنّ من يعتمد يعبّر عن إيمانه بأنّ يسوع هو المسيح والرب
والمخلص، وأن “ما من خلاص بأحد غيره، إذ ليس تحت السماء اسم آخر أعطي في
الناس، به ينبغي أن نخلص” (أع 4: 12).

فالكرازة
التي تسبق المعمودية لا تهدف إلاّ إلى الوصول بالمستمعين إلى إعلان هذا الإيمان
بأنّ يسوع هو وحده المخلّص، وأنّه باسمه يجب أن يعتمدوا. ولنا مثال على ذلك كرازة
فيليبّس في السامرة:

“فلمّا
آمنوا بمَا كان يبّشر به فيليبّس عن ملكوت الله واسم يسوع المسيح، أخذوا يعتمدون
رجالاً ونساء” (اع 8: 12).

وكذلك
عماد قيمّ ملكة الحبشة على يد فيليبّس:

“ففتح
فيليبّس فاه، وابتدأ من تلك الكتابة، وبشّره بيسوع”. وبعد أن تيقَّن من
إيمانه، عمّده (أع 8: 35- 38).

وكذلك
أيضاً خطبة بطرس الرسول أمام كرنيليوس ورفاقه، إذ بدأ بتبشيرهم بيسوع المسيح: بأعماله
وعجائبه وقيامته. وبعد أن رأى أنّ الروح القدس حلّ على جميع الذين سمعوا الكلمة
وآمنوا بالمسيح المخلّص “أمر أن يعمَّدوا باسم يسوع المسيح” (أع 10: 34-
48).

بالمعمودية
باسم يسوع المسيح يعترف الإنسان أنّ يسوع هو المسيح، ويصير عضواً في الشعب
الماسيوي. والمسيحية ليست ديانة جديدة بقدر ما هي اتحاد بشخص يسوع المسيح الذي
نؤمن أنّه الرب والخلّص.

3-
المعمودية بالروح القدس

إنّ
يسوع، يوم عماده، رأى روحِ الله ينزل عليه. وقد وعد تلاميذه، قبل صعوده الى السماء،
بأنّهم سيعمَّدون هم أيضاً بالروح القدس:

“لا
تبرحوا أورشليم، بل انتظروا موعد الآب الذي سمعتموه منّي. فإنّ يوحنا قد عمّد
بالماء، أمّا أنتم فستعمّدون بالروح القدس بعد أيّام قليلة” (أع 1: 4- 5).

وهذا
ما يعلن بطرس الرسول تحقيقه يوم العنصرة مستشهداً بنبوءة يوئيل النبي، ثمّ يضيف:

“فيسوع
هذا قد أقامه الله، ونحن جميعاً شهود بذلك، وإذ قد ارتفع بيمين الله، وأخذ من الآب
الروح القدس الموعود به، أفاض ما تنظرون وتسمعون” (أع 2: 16- 33).

إنّ
عمل الروح القدس في المؤمن ليس عمل تنقية وتطهير من الخطيئة بقدر ما هو عمل تقديس
وإشراك في شخص المسيح ورسالته النبويّة.

وهذا
ما يوضحه لقاء بولس الرسول مع بعض التلاميذ في أفسس:

“فقال
لهم: هل نلتم الروح القدس لمّا آمنتم؟ فقالوا له: بل ما سمعنا أنّه يوجد روح قدس. فقال:
بأيّ معمودية إذن اعتمدتم؟ قالوا: بمعمودية يوحنا. حينئذ قال بولس: إنّ يوحنّا قد
عمّد بمعمودية توبة. وكان يقول للشعب ليؤمنوا بالذي يأتي بعده، أي بيسوع. فلمّا
سمعوا اعتمدوا باسم الرب يسوع. وإذ وضع بولس يديه عليهم حل الروح القدس عليهم،
فطفقوا ينطقون بلغات ويتنبّأون” (أع 19: 1- 6).

إنّ
حلول الروح القدس ملازم للمعمودية باسم يسوع المسيح. فالمعمودية اتحاد بيسوع
المسيح الذي قام من بين الأموات وأرسل روحه القدّوس على تلاميذه. فكل من يؤمن
بيسوع المسيح ويعتمد باسمه ينال الروح القدس كما ناله الرسل يوم العنصرة.

4-
صيغة المعمودية في الكنيسة الأولى

يشير
سفر أعمال الرسل إلى أنّ المعمودية كانت تتمّ “باسم يسوع المسيح”، في
حين يورد إنجيل متى وصية يسوع لتلاميذه بأن يعمّدوا “باسم الآب والابن والروح
القدس”. يبدو أنّ العبارة الواردة في إنجيل متى هي الصيغة التي كانت تستعملها
الكنيسة الأولى في منح المعمودية. وتلك الصيغة هي توضيح عقائدي للمعمودية باسم
يسوع المسيح، إذ تعلن أنّ يسوع المسيح الذي تُمنَح المعمودية باسمه هو الابن
المرسَل من قبل الآب، والذي يمنح الروح القدس للذين يعتمدون باسمه. وتعلن كذلك أنّ
من يعتمد باسم يسوع المسيح يصير على مثاله ابناً لله الآب وهيكلاً للروح القدس،
كما سنبيّن ذلك في حديثنا عن مفاعيل المعمودية.

 

الفَصل
الثَّاني مَعَاني المَعْمُوديّة وَأبعَادُهَا

ما
هي “نعمة المعمودية”؟ ما هي “مفاعيلها” في كيان المسيحي
وحياته؟

استناداً
إلى العهد الجديد، ولا سيّمَا إلى ما جاء في إنجيل يوحنا ورسائل بولس، يمكننا
اختصار مفاعيل المعمودية ومعانيها وأبعادها في الأمور الثلاثة التالية:

1-
بالمعمودية يولد الإنسان ولادة جديدة ويشترك في حياة الله.

2-
يشترك في موت المسيح وقيامته.

3-
يصير عضواً في الكنيسة جسد المسيح وشعب الله الجديد.

أوّلاً-
المعمودية ولادة جديدة واشتراك في حياة الله

1-
الولادة الجديدة “من فوق”

يؤكّد
السيّد المسيح في حديثه مع نيقوديموس أنّ المعمودية هي “ولادة جديدة”.
يبدأ بتأكيد ضرورة الولادة الجديدة لدخول ملكوت الله: “الحق الحق أقول لك: ليس
أحد يقدر أن يعاين ملكوت الله ما لم يولَد من فوق”. فيسأله نيقوديموس عن
كيفيّة تلك الولادة: “كيف يستطيع إنسان أن يولد، إذا ما كان شيخاً؟ أوَ يقدر
أن يلج بطن أُمّه ثانية ويولد”؟ فيجيبه يسوع عن الولادة بالماء والروح: “الحق
الحق أقول لك: ليس أحد يقدر أن يدخل ملكوت السماوات، ما لم يولد من الماء
والروح”. مشيراً إلى المعمودية. ثمَّ يضيف السبب الذي لأجله يجب أن يولد
الإنسان ولادة جديدة بالماء والروح: “المولود من الجسد إنّمَا هو جسد،
والمولود من الروح إنّمَا هو روح”. ثمّ يردف: “لم يصعد أحد إلى السماء
إلاَّ الذي نزل من السماء، ابن البشر الكائن في السماء” (يو 3: 3- 6، 13).

إنّ
مجيء السيّد المسيح من السماء، أي من عند الله، قد أحدث تغييراً جذرياً في العالم،
إذ أدخل فيه مبدأ حياة جديدة هي حياة “ملكوت الله” أعني حياة الله نفسه.
وتلك الحياة يستحيل على الإنسان “المولود من الجسد” الحصول عليها، فوجب
عليه، ليتاح له أن “يعاين ملكوت الله” ويحيا حياة الله، أن يولد من جديد.

2-
التألّه

إنّ
الولادة الجديدة “بالروح” تؤله الإنسان إذ تملأه من روح الله: إنّه
“مولود من الله، وزرع الله حالّ فيه” (1 يو 3: 9). وزرع الله هو الروح
القدس، روح الله نفسه الذي يقيم فيه عندما “يولد من جديد بالماء والروح”
(راجع أيضاً يو 1: 13).

هذا
هو التألّه الذي فيه رأى آباء الكنيسة الشرقية المفعول الأساسي للمعمودية.
“فالله يثبت فينا بالروح الذي أعطانا” (1 يو 3: 24). وعندما يثبت فينا
الله يصير هو مبدأ أعمالنا. وقد شبّه آباء الكنيسة حالة الإنسان المعتمد، المؤلَّه
بالحديد في النار، يبقى على طبيعته، حديداً، ولكنّه يأخذ من طبيعة النار احمرارها
ومفعولها، فيصير بدوره ناراً محرقة. وهذا ما يعنيه بطرس الرسول بقوله إنّنا
“نصير شركاء في الطبيعة الإلهيّة” (2 بط 1: 4).

في
هذا القول يقول القدّيس كيرلّس الأورشليمي:

“نزل
الروح القدس ليُلبِس الرسل القوّة ويعمّدهم، لأنّ الرب قال: أمّا أنتم فستعمَّدون
في الروح القدس بعد أيّام قليلة (أع 1: 5). ليست هذه نعمة جزئية بل هي القدرة
بأكملها، لأنّه، كما أنّ الذي يغطس في الماء ويُعمَّد يغمره الماء من كل جانب،
كذلك هم تعمَّدوا في الروح القدس كاملاً. ومن فيمَا الماء يغمر الجم من الخارج،
الروح القدس يعمّد النفس من الداخل دون أن يترك فراغاً. ولماذا نستغرب؟ خُذ مثلاً
مادياً متواضعاً، مفيداً للناس البسطاء: إذا اخترقت النار صفاقة الحديد حتى باطنه
حوَّلت الكلّ إلى نار. فما كان بارداً يصير محرقاً، وما كان قاتماً يصير لامعاً.
فإذا كانت النار، وهي جسم، باختراقها جسم الحديد، قامت بهذا العمل من دون عائق،
فلماذا تستغرب قدرة الروح القدس على الدخول إلى باطن النفس؟”.

وعن
هذه الولادة الجديدة بالماء والروح يقول ثيودوروس المصيصي:

“حينئذٍ
تنزل إلى المياه المقدّسة ببركة الكاهن، لأنّك لا تعتمد في مياه عاديّة بل في مياه
الولادة الجديدة التي لا تستطيع أن تصير هكذا إلاَّ بمجيء الروح القدس. فيجب على
الكاهن أن يطلب إلى الله أن يرسل نعمة الروح القدس على المياه لتصير قادرة على أن
تلد تلك الولادة المذهلة، وتكون حشاً للميلاد السرّي.. في المعمودية تصير المياه
حشاً للذي يولد. لأن نعمة الروح القدس تجبُل المعتمد لميلاد ثانٍ، وتجعل منه شخصاً
آخر.. فعندما يعتمد وينال النعمة الإلهيّة الروحانيّة، يتحوّل كليًّا إلى شخص آخر:
من طبع مائت إلى غير مائت، من فاسد إلى غير فاسد، من متبدّل إلى ثابت، فيصبح كلّه
إنساناً آخر، بحسب سلطان من يجبله هكذا.. كل من ينزل في المياه التي حلّت عليها
نعمة الروح القدس تجبله نعمة الروح القدس جبلة جديدة فيولد ثانية في طبيعة بشرية
أخرى سامية”.

3-
الخلق الجديد

إنّ
مياه المعمودية صورة للمياه الأولى التي مخها خرجت الخليقة. والروح القدس الذي
يحلّ فيها ويقدّسها يجعلها حشاً للخليقة الجديدة. ينزل الإنسان في تلك المياه
المطهِّرة، فيذوب كلّ ما تكدّس في نفسه من أقذار، وقلبه المتحجّر يصير على ما يقول
حزقيال النبيّ، “قلباً من لحم” (مز 36: 26) طيّعاً لعمل الله. وكلّ ما
فيه من ظلمة يزول بدخول النور السماوي الذي يملأ كيانه كلّه: قلبه، وعقله، وقواه
النفسية، وحتى حواسّه:

“لقد
كنتم أمواتاً بزلاّتكم وخطاياكم.. غير أنّ الله أحيانا مع المسيح” (أف 2: 1-
6)؛ “لقد كنتم من قبل ظلمة، أمّا الآن فأنتم نور في الرب” (أف 5: 8)،
“إنكم جميعاً أبناء النور، وأبناء النهار” (1 تسا 5: 4).

4-
التبنّي

بهذه
الولادة الجديدة بصير الإنسان ابن الله ووارثاً مع المسيح، ويستطيع أن يدعو الله
كما كان يدعوه المسيح: “أبّا! أيّها الآب” (رو 8: 15، راجع أيضاً غلا 4:
5؛ أف 1: 5).

بهذه
الولادة الجديدة لا يعود الإنسان غريباً عن الله وعن أبناء الله: “لستم بعد
غرباء، ولا نزلاء، بل أنتم مواطنو القدّيسين، وأهل بيت الله” (أف 2: 19)، بل
يدخل في عائلة الله، ويقدر أن يقول مع جميع أبناء الله: “أبانا”.
الولادة الجديدة تعطي المعمّدين أباً يخلِّصهم ويبرّرهم ويقدّسهم وإخوة وأخوات
قدّيسين. لذلك درج التقليد الليتورجي في الكنيسة الأولى على أن تكون الصلاة الأولى
التي يتلوها المعتمد بعد معموديته الصلاة الربية: “أبانا الذي في
السماوات”.

الاسم
والختم

من
يصير ابن الله يحمل اسمه ويُختَم أو يوسَم بختمه. لذلك، فيما كان الختان في العهد
القديم يتمّ عند اليهود “باسم العهد” وعند السامريّين “باسم جبل
جريزيم”، تُمنَح المعمودية في سفر أعمال الرسل “باسم يسوع المسيح”،
وبحسب إنجيل متّى “باسم الآب والابن والروح القدس” (متّى 28: 19).

الاسم
يعني حضور الشخص والتكرّس له. فالعماد “باسم يسوع المسيح” يعني الانضمام
إلى شخص المسيح والتكرّس له والدخول في عهد معه. وكذلك العماد “باسم الآب
والابن والروح القدس” هو في خول في حياة الإله الثالوث والتكرّس له: “فالمعموديّة
التي تتمّ بالمسيح وتمنحنا الروح تدخلنا في بيت الآب. وبها نحصل على حال وجود
ثالوثية”.

في
هذا الإطار دعا الآباء المعمودية “الختم”، تارة “ختم الإيمان”
وتارة “ختم الروح”. يقول القدّيس باسيليوس الكبير:

“يقول
الرب: إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس.
فالمعمودية هي ختم الإيمان، والإيمان هو اعتناق الألوهة. فيجب إذن أن يؤمن المرء
أوّلاً، ثم يوسَم بالمعمودية”.

وغريغوريوس
النزينزي يرى في المعمودية “ختم الروح”. ويوضح “أنّ هذا الختم يحمي
ويعني ملكية الله المطلقة”. إنّه علامة تشير إلى أنّ المعتمد أصبح خاصة الله.

والختم
هو أيضاً ختم صورة المسيح أو صورة الروح أو صورة الثالوث في نفس المعتمد. ففي صلاة
تقديس المياه في إفخولوجيون سيرابيون الذي كُتب في مصر في القرن الرابع، نقرأ
العبارة التالية: “هب لجميع الذين سيولدون من جديد أن يكونوا على صورة جمالك
الإلهي الفائق الوصف، وأن يخلصوا ويصيروا أهلاً لملكوتك”.

ويوحنا
الدمشقي في تعليق له على أفسس 1: 13 يقول:

“أنتم
أيضاً، بحسب قول الرسول، من عِداد أولئك الذين سبق الله فاصطفاهم، أنتم الذين
اتحدوا بالمسيح بالطاعة، بالإيمان برسالته، وبالختم الذي يختم الإيمان، والذي هو
مشابهة المسيح بالاشتراك في الروح القدس”.

فالختم
هو تعبير رمزي للإشارة إلى الصورة الجديدة التي يلتزم المسيحي أن يحملها طول حياته
في كيانه وفي أعماله، ويرص على ألاّ يشوِّهها بالخطيئة.

وعلى
غرار الجنود الذين كانوا في القديم يوسَمون على ذراعهم باسم قائدهم، جرت العادة
قديماً لدى المسيحيين الشرقيين أن يوسَموا على ذراعهم بوسم لا يمحى يمثِّل شكل
الصليب. وهذه العلامة هي علامة الانضمام إلى شعب الله الجديد المسمّى باسم الله
الثالوث والذي نذكر اسمه كلّ مرّة نرسم على وجوهنا وصدورنا إشارة الصليب.

وهذا
الختم هو علامة قبول الله لنا قبولاً نهائياً لا عودة عنه. لذلك كل معمودية تتمّ
بشكل صحيح، أي بالماء و”باسم الآب والابن والروح القدس”، لا يجوز أن
تُعاد.

ثانياً-
المعمودية اشتراك في موت المسيح وقيامته

1-
آدم القديم وآدم الجديد

المعمودية
ولادة جديدة واشتراك في حياة الله من خلال اعتماد المعتمد بشخص يسوع المسيح
“آدم الجديد” واشتراكه في موته وقيامته.

هذا
ما يتوسّع فيه بولس الرسول في مواضع مختلفة من رسائله.

ففي
رسالته الثانية إلى الكورنثيين يبيّن أنّ من يتّحد بالمسيح يصير خليقة جديدة لأنّ
الله قد صالحنا مع نفسه بالمسيح:

“إن
كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة؛ فالقديم قد اضمحلّ، وكلّ شيء قد تجدّد.
والكلّ من الله، الذي صالحنا مع نفسه بالمسيح، وائتمننا على خدمة المصالحة.. إنّ
الذي لم يعرف الخطيئة، جعله خطيئة من أجلنا، لكي نصير نحن به برَّ الله” (2
كو 5: 17- 21).

وهذه
المصالحة قد تمّت “بالصليب الذي به قتل العداوة” (راجع أف 2: 13- 18).
وفي الرسالة إلى الرومانيين يرى في المعمودية اشتراكاً في موت المسيح وقيامته.

ففي
الفصل الخامس يقيم مقارنة بين آدم الذي به دخلت الخطيئة إلى العالم، والمسيح الذي
به دخل البرّ إلى العالم (رو 15: 12- 21). ثمّ يتابع في الفصل السادس، فيصف كيف
يشترك الإنسان في برّ المسيح. فكما أنّ المسيح مات وقام، هكذا بالمعمودية يموت
الإنسان عن الخطيئة ليحيا في الله حياة جديدة:

“نحن،
جميع من اعتمدوا للمسيح، قد اعتمدنا لموته. فلقد دُفنّا معه بالمعمودية للموت، حتى
إنّا، كما أُقيم المسيح من بين الأموات بمجد الآب، كذلك نسلك، نحن أيضاً، في جدّة
الحياة. لأنّا إذا كنّا قد صرنا متّحدين معه بشبه موته، نصير أيضاً بشبه قيامته،
عالمين أنّ إنساننا العتيق قد صُلب معه، لكي يتلاشى جسد الخطيئة، بحيث لا نستعبد
بعد للخطيئة، لأنّ الذي مات قد تحرّر من الخطيئة” (رو 6: 3- 7).

المعمودية
تعني الموت والقيامة مع المسيح وفيه. “إنّ المعتمد يموت عمّا في كيانه من
جذور موت تتشابك مع ما فيه من جذور حياة. مع المسيح ينزل إلى أعماق الموت ليلاقي
في الجحيم الإله المصلوب الذي لا يدين أحدا بل يخلّص من يؤمن به، فيقومَ معه”:

“قدّس
يا رب هذا الماء، حتى إنّ المعتمدين فيه يُصلَبون مع المسيح، ويموتون معه،
ويُدفَنون معه، ويقومون للتبنّي” (القوانين الرسولية 7: 43).

هذا
ما يوضحه القدّيس باسيليوس الكبير:

“إليك
في منتهى الوضوح موضوع بحثنا: لماذا يُضَمّ الماء إلى الروح القدس؟ لأنّ للمعمودية
غاية مزدوجة: محو جسد الخطيئة فلا يعود يثمر للموت، والحياة بالروح القدس ليثمر
فينا ثمارَ القداسة. إنّ الماء، بقبوله الجسد، يمثّل صورة الموت، كما لو كان الجسد
في قبر. والروح القدس ينفخ في النفس قوّة محيية فيجدّدها وينقلها من حالة الموت في
الخطيئة إلى الحالة الأصليّة، أي صداقة الله الحميمة. فهي الولادة من فوق، أي من
الماء والروح: نموت في الماء، ولكنّ الروح ينشئ فينا الحياة، بثلاث غطسات وثلاث
تسميات يتمّ سرّ المعمودية العظيم، لكي تُمثَّل صورة الموت ويستنير المعتمدون
بحصولهم على معرفة الله”.

وفي
الموضوع عينه يقول ثيودوروس المصيصي:

“بدعوة
الآب والابن والروح القدس، تتّشح بنعمة التبنّي، وتخرج من مياه المعمودية وقد نلت
ولادة جديدة، وأتممت بعمادك في المياه شريعة الدفن، وقبلت بخروجك منها علامة
القيامة، وولدت وتحوّلت إلى شخص آخر. لم تعد مذّاك خاصة آدم المتبدّل والرازح
الشقي تحت الخطيئة بل خاصة المسيح الذي صار بالقيامة غير خاضع للخطيئة، وهو منذ
البدء لم يقترف خطيئة. بالقيامة حصل على طبيعة غير متبدّلة. فأثبت لنا القيامة من
بين الأموات والشركة في عدم الفساد”.

2-
العماد بالتغطيس

إنّ
طريقة العماد بالتغطيس هي الطريقة التقليديّة في الكنيسة القديمة، ولا تزال جارية
في الكنيسة الشرقية، وهي العلامة الخارجية الحسيّة لما تعنيه المعمودية:

“فالماء
يزيل نوع حياة ويكشف نوعاً آخر، يُغرق الإنسانَ القديم ويرفع الإنسان الجديد”
(كاباسيلاس، الحياة في يسوع المسيح، 9).

إنّ
تغطيس المعتمد في الماء هو علامة دفنه مع المسيح وصورة تشير إلى أنّ ما فيه من
إنسان قديم وخطايا سابقة قد أغرق في الماء وأزيل عنه، كما يفسّر ذلك القدّيس
أمبروسيوس أسقف ميلانو:

“لقد
سُئِلتَ: أتؤمن بالله الآب الضابط الكل؟ فأجبتَ: أؤمن. إذّاك غُطِّسْتَ في الماء،
أي دُفِنْتَ. ثم سُئِلتَ مرّة ثانية: أتؤمن بربنا يسوع المسيح وبصليبه! فأجبتَ: أؤمن.
وغُطِّسْتَ في الماء، وبذلك دُفِنْتَ مع المسيح. وسُئِلْتَ مرّة ثالثة: أتؤمن
أيضاً بالروح القدس؟ فأجبت: أؤمن. وغُطِّسْتَ مرّة ثالثة، حتى إنّ الاعتراف
الثلاثي يزيل سقطات الماضي المتكرّرة”.

التغطيس
في الماء رمزُ الموت، موتِ الإنسان القديم، والانتشال منه رمز الحياة والقيامة،
وولادة الإنسان الجديد المكوّن على صورة المسيح الكائن الجديد. في هذا يقول
اللاهوتي الأرثوذكسي بول إفدوكيموف:

“العماد
هو “حميم الأزليّة”، وبذلك هو “إعادة الولادة”. إنّه تكوين
جديد للكائن البشري، فيه يأخذ الإنسان المخلوق شكله على صورة الله. إنّه إعادة
بناء طبيعتنا الآدمية التي أعاد المسيح خلقها في عمله الخلاصي. سرّ موتِ المسيح
ودفنِه، وحياتِه وقيامتِه، ينتقل بالرمز إلى المعمودية. فلفظة عمَّد باليونانية
تعني غطّس، والتقليد القديم يؤكّد الأسلوب الوحيد للعماد وهو العماد بالتغطيس.
وهرماس يتكلّم عن “النزول إلى الماء”. فهناك علاقة وثيقة بين المعمودية
والنزول إلى الجحيم، وهذه العلاقة تختفي كليًّا إذا اقتصر العماد على سكب بعض
الماء على الرأس، أو على الرش. إنّ السرّ يصوّر عمل الخلاص: فالتغطيس الثلاثي صورة
الدفن الثلاثي والنزول إلى الجحيم. والانتشال من الماء هو العودة إلى اليوم الذي
لا يغرب. إن ماء المعمودية يأخذ قيمة سرية هي دم المسيح المطهّر، والصليب يقوم
هكذا على عتبة الأبدية”.

في
هذا السرّ، سرّ موت الإنسان القديم وولادة الإنسان الجديد على صورة المسيح يقوم
الخلاص والفداء للإنسان وللطبيعة البشريّة برمّتها.

3-
المعمودية عودة الإنسان إلى طبيعته الأصلية

لقد
درج في اللاهوت الغربي القول التالي: “المعمودية تخلِّصنا من الخطيئة
الأصليّة”. ويُفهَم بالخطيئة الأصلية خطيئة آدم وحوّاء التي يرثها جميع الناس
بالولادة، فيولدون خطأة. فالمعمودية في تلك النظرة تزيل عنهم تلك الخطيئة التي
ورثوها من الأبوين الأولين.

استناداً
إلى الكتاب المقدّس وإلى تفسيرات آباء الكنيسة الشرقية، وإلى المفهوم المعاصر
للخطيئة الأصلية في “اللاهوت الغربي يمكننا تفسير هذا القول على النحو الآتي:

الخطيئة
الأصلية هي قوّة الموت والخطيئة، التي تسود الإنسان منذ بدء البشريّة وتسوده في
أعماق كيانه، ولا يمكنه السيطرة عليها والتخلّص من سيادتها إلاّ بدخوله حياة
المسيح الذي مات بسبب خطيئة الإنسان، ولكنّه قام، وبقيامته ساد على الموت والخطيئة،
“وأعتق أولئك الذين كانوا، الحياة كلَّها، خاضعين للعبودية، خوفاً من
الموت” (عب 2: 15).

إنّ
ما ورثته البشرية من آدم وحوّاء، بحسب الآباء الشرقيين، ليس حالة خطيئة وذنب، بل
حالة موت. وحالة الموت هذه هي التي تعرّضهم للخطيئة فهي عمل الإرادة الحرّة. يقول
تيودوروس القورشي:

يقول
تيودوروس القورشي:

“لمّا
صار آم وحوّاء معرّضين للموت، حَبِلا بأولاد معرّضين للموت. والكائنات المعرّضة
للموت هي حتماً خاضعة للأهواء والخوف، للملذّات والأحزان، للغضب والبغض”.

يقول
اللاهوتي الأرثوذكسي جان مايندورف:

“إنّ
عقيدة الآباء في الخلاص لا ترتكز على فكرة ذنب يرثه الإنسان من آدم ويخلّصه منه
المسيح، بل بالحريّ على مفهوم وجودي للبشرية الساقطة والمفتداة. فالإنسان، بولادته
الطبيعية، يرث من “آدم القديم” نوع حياة ناقصة، مستعبدة للموت، خاطئة لا
محالة، مستعبدة “لرئيس هذا العالم”. إنّ هذه الحالة “الساقطة”
تقابلها “الحياة في المسيح” التي هي الحياة الإنسانية الحقيقية
و”الطبيعية”، وهي عطية الله يمنحها في سرّ الكنيسة. وفي هذا يقول
نيقولاوس كاباسيلاس: المعمودية ليست سوى الولادة بحسب المسيح، والحصول على كياننا
وطبيعتنا الحقيقيين (الحياة في يسوع المسيح 2: 3)”.

إنّ
طقوس المعمودية وتفسيرات الآباء الشرقيين تركّز على الناحية الإيجابيّة للمعمودية.
يقول كاباسيلاس:

“إنّ
يوم المعمودية الخلاصي يصير للمسيحيين “يوم الاسم”، لأنّهم إذّاك
يُخلَقون ويُكوَّنون. في هذا اليوم حياتنا التي لا صورة لها ولا شكل تنتصب للوجود
في شكلها الحقيقي” (الحياة في يسوع المسيح، 4).

وكل
تسميات المعمودية في الكتاب المقدّس وعند الآباء تركّز على نواحيها الإيجابيّة.
يقول أيضاً كاباسيلاس:

“ندعو
المعمودية ولادةً وتجديداً وخلقاً جديداً، وأيضاً حميماً وثوباً، ومسحة، وعطية،
واستنارة، وغسلاً. كل هذه الألفاظ تعني أمراً واحداً للذين يكونون ويعيشون بحسب
الله: إنّ هذا الطقس هو بداية الوجود” (الحياة في يسوع المسيح، 4).

ونقرأ
أيضاً في كتاب “المربّي” للقدّيس أكليمنضوس الإسكندري:

“عندما
نعتمد نستنير، وعندما نستنير نصير أبناء، وعندما نصير أبناء نصير كاملين، وعندما
نصير كاملين نأخذ عدم الموت: “قد قلت إنّكم آلهة وبنو العليّ كلّكم” (مز
6: 81).

إلى
هذا العماد تنسب أسماء مختلفة: العماد نعمة، استنارة، غُسْل، إكمال: “غُسْل”
لأنّنا به نتنقّى من آثامنا؛ و”نعمة” لأنّ القصاص المترتّب على خطايانا
قد أُبطل؛ و”استنارة” لأنّنا نتأمّل نور خلاصنا المقدّس ونَنفُذ
بالبصيرة إلى الأمور الإلهيّة؛ و”إكمال” لأنّه لا ينقصنا معه شيء.

والإنسان
فور اعتماده يدعى “مستنيراً”: لقد تحرّر فعلاً من الظلمات ونَعِمَ
بالنور. فحين ننفض عنّا الرقاد ندخل توًّا حالة اليقظة، وحين نمسح الضباب عن
عيوننا نكتشف البصر؛ والنظر لا يأتي من الخارج، بل قد أزلنا ما كان يحجب العين،
فحرّرنا حدقة العين. فالأمر عينه يحدث في العماد: لقد تحرّرنا من خطايانا التي
كانت سحابة تحجب عنّا الروح الإلهي. فإذا بعين روحنا قد تحرّرت هي أيضاً. فانقشع
ضبابها واستنارت. وهذه العين وحدها تجعلنا نتأمّل الأمور الإلهيّة. وهكذا يتغلغل
فينا الروح القدس النازل من السماء. إنّه شذا الضياء السرمدي، وهو يمكِّننا من
تأمّل النور الأبدي”.

ثالثًا-
المعمودية انضمام الى الكنيسة جسد المسيح

إنّ
المعتمد، بولادته الجديدة واشتراكه في موت المسيح وقيامته، يصير عضوًا في الكنيسة
شعبِ الله الجديد وجسدِ المسيح. إنّ تقليد كلّ الكنائس يعتبر المعمودية السرّ الذي
به ينضمّ الإنسان الى الكنيسة.

1-
المعمودية والختان

المعمودية
هي بالنسبة إلى شعب الله الجديد ما كان الختان بالنسبة إلى شعب العهد القديم.
فبالختان كان اليهودي ينضمّ إلى شعب الله ويدخل العهد الذي قطعه الله مع إبراهيم
(راجع تك 17: 1- 14). كان الختان “علامة العهد” القديم. لذلك كان علامة
مؤقتة، عليه أن يزول ويفقد معناه “كعلامة عهد” بمجيء المسيح، لا سيّما
أنّه كان محصورًا بشعب معيّن، في حين جاء المسيح ليجمع كلّ الأمم في شعب واحد وجسد
واحد.

هذا
ما يبيّنه بولس الرسول، بنوع خاص في رسالته إلى الغلاطيين، حيث يؤكّد أنّ
المعمودية هي علامة العهد الجديد، وأنّ غير اليهود ليسوا بملتزمين بالخضوع للختان
قبل اعتمادهم. فالناموس الذي يأمر بالختان لم يكن سوى مؤدّب يرشد إلى المسيح:

“فبعد
إذ جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدّب. لأنّكم جميعًا أبناء الله، بالإيمان بالمسيح
يسوع. لأنّكم، أنتم جميع الذين اعتمدوا للمسيح، قد لبستم المسيح. فليس بعد يهوديّ
ولا يونانيّ، ليس عبد ولا حرّ، ليس ذكر وأنثى، لأنّكم جميعًا واحد في المسيح
يسوع” (غلا 3: 25- 28؛ راجع أيضاً 5: 1- 6؛ في 3: 3).

ويذكر
سفر أعمال الرسل حدثين هامّين لهما علاقة بهذا الموضوع: الأوّل ارتداد كرنيليوس
قائد المئة الروماني واعتماده على يد بطرس الرسول (فصل 10)، والثاني مجمع أورشليم
(15: 1- 33). فالحدث الأوّل فتح لغير اليهود باب الكنيسة، والحدث الثاني تمّ فيه
تحرّر الكنيسة من الناموس اليهودي إذ أَقرّ عدم إلزام الآتين من الوثنية إلى
المسيحية بالختان وسائر شرائع الناموس الموسوي، ولم يطلب منهم سوى “الامتناع
عمّا ذُبح للأصنام، وعن الدم، والمخنوق والفحشاء” (15: 29).

في
هذين الحدثين أُزيلت الحواجز التي كانت تفصل “شعب الله” عن سائر الشعوب،
والمزيّات الخاصة بكل شعب صارت ثانوية بالنسبة إلى المسيح الواحد والروح الواحد
اللذين يكوّنان الجسد الواحد:

“فإنّا
جميعًا قد اعتمدنا بروح واحد لجسد واحد، يهودًا كنّا أم يونانيين، عبيدًا أم
أحرارًا، وسقينا جميعًا من روح واحد” (1 كور 12: 13).

2-
المعمودية والكنائس المتعدّدة

المعمودية
تدخل المسيحيَ الكنيسةَ جسد المسيح. والكنيسة “واحدة، جامعة، مقدّسة،
رسولية”، كما نعترف في قانون الإيمان، ولكنّها في الواقع منقسمة إلى كنائس
متعدّدة، كاثوليكية وأرثوذكسية وبروتستنتية على أنواعها، تعتبر كل منها ذاتها
“الكنيسة الحقيقية”، حافظة “الإيمان القويم”. فالمعمودية في
الواقع هي انضمام إلى إحدى تلك الكنائس. فإذا انتقل مسيحي إلى كنيسة أخرى غير التي
اعتمد فيها، فهل تعاد معموديته؟

أ)
إعادة المعمودية في القرون الأولى

طُرح
هذا الموضوع في القرون الأولى للمسيحية، أوّلاً في رومة، ثمّ في شمالي أفريقيا بين
كبريانوس أسقف قرطاجة واسطفانوس أسقف رومة.

فالاضطهادات
التي كانت تصيب المسيحيين جعلت الكثيرين منهم يجحدون إيمانهم خوفًا من التعذيب
والموت، ويقدّمون ذبائح لآلهة الوثنيين أو يشترون شهادات تفيد بأنّهم قدّموا
ذبائح؛ ولدى انقطاع الاضطهادات كانوا يطلبون قبولهم من جديد في حضن الكنيسة.

كان
أساقفة رومة يقفون من هؤلاء المسيحيين موقفًا متسامحًا، فيفرضون عليهم التوبة ووقت
امتحان ثمّ يقبلونهم لسرّ الإفخارستيا. هكذا فعل البابا كالستوس (217- 222) ومن
بعده البابا كرنيليوس (251- 253). وقد قاوم هذا الموقفَ بعض المتشدِّدين من أمثال
الكاهن هيبوليتوس الذي حمل حملة عنيفة على البابا كالستوس، والكاهن نوفاسيانوس
الذي قاوم الباباكرنيليوس في الموضوع عينه. ومن تعاليم نوفاسيانوس نشأت بدعة
“الأطهار” الذين كانوا يرفضون أن يُقبَل من جديد في الكنيسة مسيحي جحد
إيمانه أو اقترف خطيئة ثقيلة، وينكرون صحة الأسرار التي يمنحها كاهن غير
“طاهر”.

أمّا
موقف الكنيسة الكاثوليكية فكان التسامح اقتداء بالسيّد المسيح الذي أن روبل توبة
الخطأة وطلب ألاّ يُقلعَ الزؤان من حقل القمح (متى 13: 24- 30).

وفي
شمالي أفريقيا وقف كبريانوس أسقف قرطاجة الموقف عينه الذي وقفه أساقفة رومة،
فقاومه دوناتوس وأنشأ كنيسة مستقلّة عُرفت في ما بعد ببدعة “الدوناتيين”.
ومن ممارسات هؤلاء المبتدعين إعادة معمودية الكاثوليكيين الذين كانوا ينتقلون
إليهم، لاعتقادهم أنّ المعمودية غير صحيحة في كنيسة تتساهل مع الخطأة وجاحدي
الإيمان. وفي مقابل ذلك راح كبريانوس والكاثوليكيون يعيدون هم أيضاً معمودية
الدوناتيين الذين كانوا يأتون إليهم.

وفي
هذا الموضوع الأخير حصل جدال عنيف بين كبريانوس والبابا اسطفانوس أسقف رومة الذي
أكّد بشدّة صحّة معمودية الدوناتيين، وطلب من كبريانوس العدول عن إعادة معموديتهم.
إلاّ أنّ كنيسة شمالي أفريقيا بقيت على موقفها، ولم يحسم الخلاف بين الموقفين إلاّ
سنة 314 في مجمع “أرل” وبعد وفاة أهم المتخاصمين. وقد قرّر المجمع ما
يلي:

“بالنسبة
الى الأفريقيين الذين يتبعون شريعتهم الخاصّة بإعادة المعمودية، رأى المجمع أنّه
إن قدم أحد من الهرطقة إلى الكنيسة، يُسأَل عن قانون الإيمان الذي تعمّد فيه، فإن
بدا واضحًا أنّه تعمّد في الآب والابن والروح القدس، يُكتفى بأن توضع عليه الأيدي
لينال الروح القدس. أمّا إذا لم يستطع الإجابة عن الثالوث، فتُعاد
معموديّتُه”.

احتدم
النقاش من جديد بين الدوناتيين والقديس أغوسطينوس، الذي أظهر أنّ صحّة العماد غير
مرتبطة بقداسة الكاهن الذي يمنح السرّ، بل بالسلطة التي منحيا المسيح لكنيسته.
فالكاهن لا يعمّد باسمه الخاص، بل باسم الكنيسة، والكنيسة تعمّد باسم المسيح: “أبطرس
عمّد أم بولس أم يهوذا، فالمسيح هو الذي يعمّد”. والأمر الوحيد المطلوب من
خادم السرّ هو احترام قوانين الكنيسة في منح السرّ.

وسنة
325 أقرّ المجمع المسكونيّ الأوّل في القانون 8 صحّة عماد النوفاتيين وكهنوتهم،
وهم “الذين يسمّون أنفسهم أطهارًا، إذا عادوا الى الكنيسة الجامعة
الرسولية”؛ ولكنّه في القانون 19 طلب إعادة معمودية “أتباع بولس
السميساطي اللاجئين الى الكنيسة الجامعة”. إنّ القدّيس أثناسيوس الاسكندري
الذي كان له دور هام في المجمع، وكان بعد شماسًا إنجيليًا، يفسّر هذا القرار بقوله
إنّ أتباع بولس السميساطي كانوا يمنحون المعمودية حسب الصيغة الكنسية الصحيحة، إلاّ
أنّ إيمانهم بالثالوث الأقدس كان خاطئًا:

“فهم
لا يعترفون بالآب الحقيقي، إذ ينكرون الذي وُلد منه وله جوهر مماثل؟ وينكرون أيضاً
الابن الحقيقي؛ إذ يسمّون ابنًا آخر مؤكّدين أنّه مخلوق من العدم. فكيف إذن لا
تكون المعمودية التي يمنحونها فارغة وباطلة؟ وكذلك القول عن أتباع آريوس. فإنّهم
وإن حافظوا على قول الكتاب المقدّس ولفظوا أسماء (الآب والابن والروح القدس)، إلاّ
أنّهم يخدعون من ينال منهم المعمودية.. لأن من ينال المعمودية باسم من ليس بشيء لا
ينال شيئًا، بل يتّحد بالخليقة ولا ينال منها أيّ عون”.

وسنة
381 أقرّ المجمع المسكوني الثاني أن تعاد معمودية الآتين من بعض البدع كأتباع بولس
السميساطي، و”أتباع افنوميوس الّذين يعمّدون بغطسة واحدة، والصابيليين الذين
يعلّمون أنّ الآب هو نفسه الابن”. أمّا سائر المبتدعين من “آريوسيين
وتبّاع مكدونيوس.. والذين يدعون أنفسهم أطهارًا والأَبوليناريين، فيُقبَلون بعد أن
يعطوا صكًا برفضهم ضلالاتهم ولعنهم كلّ بدعة لا تتّفق مع تعليم كنيسة الله الجامعة
المقدّسة الرسولية، ومن ثمّ يُختَمون ويُمسَحون بالزيت المقدّس”.

وكذلك
المجمع المنعقد في القسطنطينية سنة 691 والمدعوّ “مجمع القبّة” (أو
ترولّو)، أعاد هذا التمييز بين البدع التي تُعتبَر المعمودية فيها صحيحة وتلك التي
تعتبر المعمودية فيها باطلة. وأضاف أنّ “النساطرة وأتباع افتيخيوس وأتباع
ديوسقوروس وساويروس.. يجب على كل منهم أن يقدّم صكًا مكتوبًا يرفض فيه بدعته،
وبذلك يصيرون أهلاً لتناول سرّ الشركة المقدّس”.

من
هذا نستخلص أنّ المعمودية باطلة في كنيسة لا تعتقد الاعتقاد الصحيح في الثالوث
الأقدس، ويجب إعادة معمودية الذين ينتقلون منها إلى الكنيسة الكاثوليكية. أمّا
الكنائس التي تعترف بالثالوث الأقدس، فمهما اختلفت في سائر المواضيع، تبقى
المعمودية فيها صحيحة، ولا تعاد معمودية من ينتقل من إحدى هذه الكنائس إلى كنيسة
أخرى.

ب-
المعمودية أساس الحركة المسكونية

وهذا
القانون هو الذي تسير عليه معظم الكنائس المسيحية اليوم إذ تعترف بالمعمودية التي
تُمنَح في الكنائس الأخرى التي تعمّد “باسم الآب والابن والروح القدس”
وتؤمن الإيمان الصحيح بالثالوث الأقدس.

لقد
أوضحت الكنيسة الكاثوليكية معتقدها في هذا الموضوع في المجمع الفاتيكاني الثاني في
المرسوم “في الحركة المسكونية” (1964). يقول المرسوم في الرقم 3:

“في
كنيسة الله هذه الواحدة الوحيدة ظهر منذ البدء بعض انقسامات (1 كور 12: 18- 19؛
غلا 1: 6- 9؛ 1 يو 2: 18- 19) استنكرها الرسول بشدّة كأمر يستوجب الشجب (كو 1: 11
وما بعده؛ 11: 12)، وفي غضون القرون اللاحقة وقعت انشقاقات أشدّ خطورة، وانفصلت
كنائس ذات بال عن شركة الكنيسة الكاثوليكية التامَّة بذنب أفراد أحيانًا من هذا
الفريق أو ذاك. بيد أنّ الذين يولدون اليوم في حضن تلك الكنائس ويحيون من الإيمان
بالمسيح لا يمكن أن يطالبوا بخطيئة انفصال، لذلك تشملهم الكنيسة الكاثوليكية
بالاحترام الأخوي والمحبّة، إذ إنّ الذين يؤمنون بالمسيح وقبلوا المعمودية قبولاً
صحيحًا هم على الشركة وإن غير كاملة، مع الكنيسة الكاثوليكية. ولا جرم أنّ ما
بينهم وبين الكنيسة الكاثوليكية من اختلافات متنوعة في قضايا عقائدية، وأحيانًا
نظاميّة، أو في شأن بنية الكنيسة، يكوّن عددًا من العقبات هي أحيانًا خطيرة جدًّا
في طريق الشركة الكنسيّة الكاملة، بيد أنّ الحركة المسكونيّة ترمي الى تذليلها.
ولكنّهم لما كانوا قد بُرّروا بالإيمان الذي نالوه في المعمودية، وصاروا به أعضاء
لجسد المسيح، فإنهم بحقّ يحملون الاسم المسيحي، وبحقّ يرى فيم أبناء الكنيسة
الكاثوليكية إخوة في الرب”.

إنّ
ما يجعل المسيحي مسيحيًّا إنّما هو رباطه بالمسيح وبالثالوث الأقدس، أي بالمسيح
الذي هو الابن الذي أظهر لنا الآب ومنحنا الروح القدس، وذلك بواسطة اعتماده
“باسم الآب والابن والروح القدس”. فما يجمع المسيحيين إذن أهمّ بكثير
ممّا يفرّقهم. إنّهم حقًّا، رغم انقساماتهم وخلافاتهم، أعضاء في جسد واحد وإخوة في
كنيسة واحدة. يقول هانس كونج في تعليقه على هذا النصّ:

“إذا
كانت هذه الكنائس تعمّد عمادًا صحيحًا باسم المسيح، إلى أيّ كنيسة ينضمّ هؤلاء
المعتمدون إلاّ إلى كنيسته، الكنيسة الواحدة، والى أي جسد، إلاّ إلى جسده، جسد
المسيح الواحد”.

وكذلك
نقرأ التعليق التالي للأب “بوتلر”:

“عندما
نلتقي إنسانًا معمّدًا غير كاثوليكي لا نلتقي فقط أخانا، ولا نلتقي فقط ابنًا
للكنيسة، بل نلتقي، على نحوٍ ما، الكنيسة الحاضرة والناشطة التي تتجاوز الحدود
المرئية للشركة الكاملة”.

ويرى
المجمع الفاتيكاني في المعمودية بعدين متكاملين: الولادة الجديدة للاشتراك في حياة
الله، والرباط السرّي للوحدة القائمة بين المسيحيين:

“إنّ
سر المعموديّة، إذا ما أُعطي بوجه صحيح وقُبل بالاستعدادات الباطنة اللازمة، يضمّ
الإنسان حقًّا الى جسد المسيح المصلوب والممجّد، ويلده ميلادًا ثانيًا للاشتراك في
الحياة الإلهيّة كما يقول الرسول: “لقد دُفنتم معه بالمعمودية وأُقمتم معه
لأنّكم آمنتم بقدرة الله الذي أقامه من بين الأموات” (كو 2: 12؛ رو 6: 4).
فالمعمودية هي الرباط السرّي للوحدة القائمة بين الذين وُلدوا بها ثانية. غير أنَّ
المعمودية ليست من ذاتها إلاّ البداية ونقطة الانطلاق، لأنّها تهدف بكليّتها الى
بلوغ ملء الحياة في المسيح. فغايتها الاعتراف الكامل بالإيمان، والولوج الكامل في
تدبير الخلاص كما أراده المسيح، والانتظام الكامل أخيرًا في الشركة
الافخارستيّة” (في الحركة المسكونية، 22).

رابعًا-
“نعمة” المعمودية و”مفاعيلها” و”حريّة” الإنسان

إنَّ
“نعمة” المعمودية “ومفاعيلها” التي توسّعنا فيها ليست
“نعمة” و”مفاعيل” آلية تعمل في الإنسان دون مشاركة حرّيته.
فالمبادرة دون شك تأتي من الله، فهو الذي يختار الإنسان ويصيّره ابنًا له، ولكنّ
هذا الاختيار وهذا التبنّي لا يصيران ما هما عليه إلاّ بقبول الإنسان ودخوله
دخولاً حرًّا في حياة الله. يقول القدّيس كيرلس الأورشليمي: “إنّنا لا نصل
بضرورة حتميّة إلى البنوّة المقدسة، بل بإرادتنا الحرّة”. لذلك لا معمودية
دون إيمان وحرّية. هذا ما سنبيّنه في فقرة أولى. ومن ثمّ نتساءل في فقرة ثانية: إذا
كان الإيمان ضروريًا للمعمودية، فلماذا نعمّد الأطفال؟ ونستخلص أخيرًا النتائج
العملية لحياة الإنسان وحياة الكنيسة من ديناميكية المعمودية، أي من كون الإيمان
والحرية أمرين ينطويان من طبيعتهما على قوّة نموّ تحرّك الإنسان والكنيسة ليتوقا
الى ملء اكتمالهما في المسيح.

1-
المعمودية والإيمان

“من
آمن واعتمد يخلص” (مر 16: 16)، “عمّدوهم.. وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما
أوصيتكم به” (متى 28: 19- 20).

المعمودية
هي سرّ الإيمان، أي العلامة الحسّية التي بها يعبّر الإنسان عن إيمانه بالمسيح
وبتعاليمه. والإيمان هو الخروج من الذات لقبول الله الذي ظهر لنا في يسوع المسيح.
إنّه جواب محبة مجانيّة حرّة على المبادرة التي بادرنا بها الله بمحبته المجّانية
الحرّة.

الإنسان
مدعو إلى تحقيق ذاته على صورة الله. وتلك الصورة ظهرت لنا في شخص يسوع المسيح.
فعندما يعتمد إنسان في المسيح يلتزم أن يحيا حسب كيان المسيح وتعاليمه. وانطلاقًا
من هذا الالتزام تتّخذ المعمودية كلّ معانيها وأبعادها: إنّها ولادة جديدة، وموت
عن الإنسان القديم وقيامة إلى الإنسان الجديد المخلوق على صورة الله التي ظهرت لنا
في المسيح.

بالولادة
الطبيعية ينال الإنسان كل ما فيه من كيان ووجود وطبيعة. وكل ما يناله بالولادة
الطبيعية، يناله من جديد بالمعمودية. وهذه المرّة يناله كمؤمن: أي إنّه ينظر إليه
نظرة جديدة من خلال شخص يسوع المسيح الذي أظهر له محبة الله.

ليس
سواء لدى امرأة أن تحصل على أي قطعة من ذهب أو على قطعة من ذهب بشكل
“مَحْبَس” يضعه في إصبعها في حفلة زواج شخص تحبّه وترتبط به مدى الحياة.
الذهب هو ذاته في القطعتين. ولكن عندما يكون في شكل مَحْبَس يتّخذ معنى جديدًا
وبعدًا جديدًا: إنّه رباط حب وأمانة بين شخصين.

حياتنا
هي كقطعة من ذهب نحصل عليها مرّة أولى بالولادة، ونحصل عليها مرّة ثانية
بالمعمودية حيث نولد من جديد فتتّخذ حياتنا معنى جديدًا هو معنى ارتباطنا بأب
يحبّنا وبابن يخلّصنا وبروح قدس يحيينا.

لقد
جاء يسوع المسيح وأظهر لنا في حياته وتعايى وموته وقيامته وجه الآب المحب الرحيم،
وبعد قيامته أرسل إلينا روحه القدّوس: روح المحبة والفرح والعطاء والسلام.

فبالمعمودية
نلبس المسيح معلنين إيماننا بالآب والابن والروح القدس، وهذا الإيمان هو الذي يجعل
نعمة المعمودية ومفاعيلها تعمل فينا. يقول القدّيس غريغوريوس النيصي في موضوع
علاقة المعمودية بالإيمان.

“اذهبوا
وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. إنّ الذين وُلدوا من
جديد وانتقلوا من الموت إلى الحياة الأبدية يحصلون على هذه القدرة المحيية بفضل
موهبة الثالوث الأقدس، وقد صاروا قادرين على هذه النعمة بالإيمان. نحن الذين
افتدوا من الموت، تُمنح لنا نعمة الخلود في المعمودية المقدّسة، بواسطة الإيمان
بالآب والابن والروح القدس. لهذا السبب يجب ألاّ نؤمن بما هو أدنى وبما هو مخلوق
وبما هو غير جدير بالثالوث الأقدس.. ليس لنا إلاّ حياة واحدة نستطيع أن نحصل عليها
بالإيمان بالثالوث الأقدس”.

ويوحنا
الذهبي الفم يظهر قدرة الإيمان في تفسيره لرسالة بولس إلى الكولسيين:

“لقد
دفنتم معه في المعمودية، وأقمتم أيضاً معه، لأنّكم آمنتم بقدرة الله الذي أقامه من
بين الأموات” (كو 2: 12). ما أروع هذا القول: كل شيء هو من الإيمان: آمنتم
أنّ الله يقدر أن يقيمه، وهكذا أُقمتم معه.. لقد غفر لكم خطاياكم كلّها، وكيف ذلك؟
بالإيمان. فالإيمان إذن يكفي”.

ويؤكّد
يوحنا الذهبي الفم ضرورة الإيمان كعنصر أساسي في الأسرار:

“في
الأسرار يعود لله أن يمنح النعمة، ويعود للإنسان أن يقدّم إيمانه”.

وغريغوريوس
النيصي يظهر أنّ الماء في المعمودية لا مفعول لها إن لم يرافقها الإيمان بالروح
القدس الذي يقدّس النفس. فالنفس التي ترفض ألوهية الروح القدس، عوض أن تولَد الى
الحياة في مياه المعمودية، تختنق فيها “على غرار الأطفال الذين يختنقون في
أوجاع المخاض. فالموت يضربهم في لحظة ولادتهم”.

والإيمان
يكون حقيقيًا إن رافقته توبة صادقة، وإلاّ فلا مفعول للمعمودية:

“إنّ
موهبة الروح القدس لا تُمنَح للنفس التي تبقى متمسّكة بأدناس الأهواء
والشهوات”.

سيميّز
اللاهوت اللاحق بين صحّة المعمودية وثمارها في النفس. فالإيمان القويّ الناضج غير
ضرورة لصحّة المعمودية. بل تكفي النيّة الصادقة المستقيمة، والحريّة، والوعي للعمل
الذي يقدم عليه المعتمد. إلاّ أنّ هذه المعمودية “الصحيحة” لن تكون
“مثمرة” إلاّ بقدر إيمان المعتمد واستعداداته للتخلّق بأخلاق المسيح
والانفتاح لعمل الروح القدس فيه.

2-
معمودية الأطفال

كل
ما نقرأه في الكتاب المقدّس ولدى آباء الكنيسة عن ضرورة الإيمان للمعمودية ينطبق
بشكل مباشر على البالغين الذين لا يجوز لهم الإقدام على هذا العمل المقدّس إلاّ
بكامل حرّيتهم وكامل وعيهم للالتزامات الناتجة منه.

فنلاحظ
من جهة تشديدًا على الإيمان والحرّية والوعي، ومن جهة أخرى لا نرى لدى آباء
الكنيسة أي تردّد في تعميد الأطفال.

أ)
التقليد الكنسي

إنّ
تعميد الأطفال هو تقليد درجت عليه الكنيسة منذ أيام الرسل. فبولس الرسول يقول إنّه
عمّد اسطفانا وكل” أهل بيته” (1 كو 1: 16). وكذلك يروي سفر أعمال الرسل
عن ليدية بيّاعة الأرجوان أنّها “اعتمدت هي وأهل بيتها” (أع 16: 15)،
وعن سجّان مدينة فيليبّي أنّه بعد أن بشرّه بولس وسيلا “بكدمة الرب هو وجميع
من في بيته، أخذهما في تلك الساعة من الليل، وغسل جراحها، واعتمد من فوره هو وذووه
أجمعون” (أع 16: 32- 33)..

ولدينا
شهادات قديمة تؤكّد هذا التقليد. فالقدّيس بوليكربوس، لدى استشهاده سنة 155 أو 156
قال إنّه يخدم المسيح منذ أرج وثمانين سنة، وهذا يعني أنّه تعمّد طفلاً. والقدّيس
يوستينوس يتكلّم عن الذين، حسب وصية السيّد المسيح في متى 28: 19، صاروا مسيحيين
“منذ طفولتهم”. والقدّيس إيريناوس، في كتابه “ضدّ الهراطقة”
يؤكّد “أنّ يسوع جاء ليخلّص بنفسه كلّ الناس: كلّ الذين به ولدوا من حديد: أطفالاً
وأولادًا صغارًا وشبّانًا وأناسًا بالغين”.

وفي
القرن الثالث تكثر الشهادات في الإسكندرية وقرطاجة ورومة. فأوريجانيس يؤكّد أنّ
تعميد الأطفال هو تقليد يعود إلى الرسل. وكبريانوس ينتقد الذين ينتظرون اليوم
الثامن لتعميد أطفالهم اقتداء بختانة اليهود.

و”التقليد
الرسولي” الذي يعود إلى حوالى سنة 215، وقد كتبه الكاهن هيوليتوس في رومة،
يقول في منح العماد:

“عند
صياح الديك يقترب طالبو العماد من المياه التي يجب أن تكون مياهًا جارية ونقية،
ثمّ يخلعون ملابسهم. ويعمّد الأطفال أوّلاً. وإذا استطاع هؤلاء أن يجيبوا عن
أنفسهم، فليجيبوا، وإلاّ فليجب عنهم ذووهم أو أحد من أفراد أسرتهم”.

في
القرن الرابع ينطلق أوغسطينوس من تعميد الأطفال الذي كان تقليدًا لا جدال فيه في
الكنيسة ليؤكّد شمولية الخطيئة الأصلية.

في
الشرق لم يسند الآباء عماد الأطفال إلى “وراثة الخطيئة الأصلية” كما فعل
أوغسطينوس، بل إلى ضرورة تجديد الإنسان منذ طفولته، ليبدأ حياة جديدة في المسيح.
في هذا يقول تيودوروس القورشي:

“إن
كانت مفاعيل المعمودية تقتصر فقط على مغفرة الخطايا، فلماذا نعمّد الأطفال الذين
لم يعرفوا بعد الخطيئة؟ لكنّ هذا السرّ هو موعد مواهب أعظم وأكمل: إنّه يمنح
باكورة الخيرات المستقبلة، إنّه مثال القيامة الآتية، واشتراك في آلام المسيح
وقيامته. إنّه رداء خلاص وفرح، وثوب نور، بل هو النور عينه”.

وكذلك
نقرأ في عظة ليوحنا الذهبي الفم يعدّد فيها مفاعيل المعمودية:

“الّذين
كانوا بالأمس أسرى هم اليوم أحرار ومواطنو الكنيسة؛ الّذين كانوا قبلاً في عار
الخطايا هم الآن في الجرأة والبرّ، لأنّهم ليسوا أحرارًا وحسب، بل قدّيسون أيضاً؛
ليسوا قدّيسين وحسب، بل أبرار أيضاً؛ ليسوا أبرارًا وحسب، بل أبناء أيضاً؛ لبسوا
أبناء وحسب، بل ورثة أيضاً؟ ليسوا ورثة وحسب، بل إخوة المسيح أيضاً؛ ليسوا إخوة
المسيح وحسب، بل وارثون معه أيضاً؛ لبسوا وارثين معه وحسب، بل أعضاؤه أيضاً؛ ليسوا
أعضاءه وحسب، بل هياكل أيضاً، ليسوا هياكل وحسب، بل أدوات الروح أيضاً. أرأيت كم
يبلغ عدد مواهب المعمودية؟ ففي حين يعتقد الكثيرون أنّ المعمودية لا تهب إلاّ
مغفرة الخطايا، عدّدنا نحن لها عشرة أمجاد. لهذا السبب نعمّد حتى الأطفال الصغار،
وإن كانوا بلا خطايا، وذلك لتُمنح لهم القداسة، والبرّ، والبنوّة، والميراث،
والأخوّة، ويصيروا أعضاء للمسيح، ومسكنًا للروح القدس”.

ب-
التفسير اللاهوتي

إنّ
تمسّك الكنيسة بتقليد عماد الأطفال يستند إلى الأسباب التالية:

1)
الكتاب المقدّس يؤكّد على الدوام أوّلية مبادرة الله بالنسبة إلى الإيمان الذي هو
جواب الإنسان على تلك المبادرة. ومبادرة الله قد ظهرت لنا في العهد الجديد مبادرة
نعمة وخلاص في شخص يسوع المسيح. لذلك عندما يولد الطفل المخلوق على صورة الله
ومثاله، يُدخَل منذ ولادته في العهد الجديد، عهد النعمة والخلاص، وكما يُمنَح نعمة
الحياة والوجود بمبادرة من الله ومن أهله، كذلك يُمنَح أيضاً بمبادرة من الله ومن
الكنيسة نعمة الحياة الجديدة في المسيح. في هذا يقول كاباسيلاس:

“كما
هي الحال في الولادة الطبيعية؟ ليس لنا أن نسهم بأي رغبة للحصول على الخيرات
الآتية من المعمودية” (الحياة في يسوع المسيح، 5).

2)
لا شكّ أنّ الكتاب المقدّس يؤكّد ضرورة الإيمان للتقدّم الى المعمودية، ولكنّه من
جهة أخرى يؤكّد الرباط العميق بين الأجيال:

“لذلك،
يقول بول إفدوكيموف، لا يمكن اعتبار الأطفال منفصلين عن المجموعة الروحية من
والدين وأجداد حتى البعيدين منهم (إن كان الوالدان غير مؤمنين). وفي أي حال
فالعرّاب والعرّابة وأسرة الكنيسة الروحية يعترفون بالإيمان الذي يقتضيه
السر”.

3)
إنّ عماد الأطفال يؤكّد للبالغين أنّهم، مهما حاولوا التعمّق في فهم علاقة الله
بالإنسان، فسيظلّون أطفالاً إزاء هذا السرّ الذي لا تُدرَك أبعاده. كما يذكّرهم
أنّ الموضوع، في المعمودية كما في سائر الأسرار التي تمنحها الكنيسة باسم المسيح،
ليس موضوع فهم عقلي، بل هو موضوع انفتاح الإنسان، أطفلاً كان أم إنسانًا بالغًا،
ليقبّل محبّة الله التي تجلّت لنا في يسوع المسيح، ولا تزال تتجلّى لا في الكون
الذي افتداه المسيح. ولهذا السبب عينه، في التقليد الشرقي، يُمنَح سرّ الإفخارستيا
أيضاً للأطفال حالاً بعد معموديتهم.

4)
إنّ المعمودية ليست سوى بداية طريق تقود المعتمد إلى ملء قامة المسيح. وهذه الطريق
يسلكها الطفل مع أهله ومع الجماعة الكنسية “حافظة الإيمان”. فالإيمان
ليس عمل فرد، بل هو عمل شخص عائش في جماعة كنسية يشاركها حياتها ونموّها. لذلك لا
يبرَّر عماد الأطفال إلاّ ضمن جماعة مسيحية يعيشون فيها. فيجب من ثمّ، قبل الإقدام
على عماد الأطفال، أن توفَّر لهم جماعة مسيحية يعيشون فيها نموّ إيمانهم.

ج-
الأطفال الذين يموتون دون معمودية

إنّ
الأطفال الذين يولدون من والدين مسيحيين هم “قدّيسون” بقداسة والديهم،
حسب قول بولس الرسول:

“إنّ
الرجل غير المؤمن يقدّس بالمرأة المؤمنة، والمرأة غير المؤمنة تقدّس بالأخ المؤمن.
وإلاّ فيكون أولادكم نجسين، والحال أنّهم قدّيسون” (1 كو 7: 14- 15).

يؤكّد
هذا النصّ أنّ الأطفال الذين يولدون في أسرة يكون فيها أحد الوالدين مسيحيًّا، هم
شرعًا أعضاء في شعب الله، وذلك دون ذكر المعمودية. وهذا التفسير الذي يقبله كثيرون
من المفسّرين المعاصرين، نجده لدى العديد من آباء الكنيسة في الشرق والغرب.

لذلك
يمكننا القول دون تردّد إنّه، إن مات أحد هؤلاء الأطفال دون معمودية، فإنّ خلاص
المسيح يشمله. ونضيف على الفور أنّه لا يجوز الاستناد إلى هذا التحليل للقول إنّ
المعمودية غير ضرورية. فإنّ معمودية الأطفال، حسب ما رأينا بنوع خاص لدى الآباء
الشرقيين، لا تهدف إلى نقلهم من حال الخطيئة إلى حال النعمة، بل من حياة طبيعية
معرّضة للموت والخطيئة إلى حياة جديدة في المسيح.

وكذلك
القول عن الأطفال الذين يولدون من والدين غير مسيحيين ويموتون دون معمودية. فهؤلاء
أيضاً يشملهم خلاص المسيح، لأنّ المسيح مات لأجل الجميع، ولا يُحرَم من خلاصه إلاّ
من يرفضه بملء حريته. يقول اللاهوتي المعاصر هامّان:

“إنّ
التدبير المسيحي- بفضل التضامن الذي يربط المسيح بالبشرية في كلّ واقعها، ويربط
البشرية التاريخية برمّتها بالمسيح- يُشرك كل إنسان بنعمة الخلاص. والإقصاء لا
يمكن أن ينتج إلاّ من عمل حرّ ومتعمّد يقوم به الإنسان”.

3-
ضرورة المعمودية وخلاص غير المعمّدين

ومع
ذلك لا نزال نؤكّد أنّ المعمودية ضرورية للخلاص. وفي هذا الشأن يميّز التقليد
اللاهوتي “ضرورة الوصية” و”ضرورة الواسطة”. فالمعمودية ضرورية
بضرورة وصية المسيح الذي أوصى رسله بأن “يعمّدوا جميع الأمم”.
فالمعمودية ضرورية على مستوانا الإنساني في كرازة الكنيسة وممارساتها وقوانينها
وأنظمتها. ولكنّه لا يجوز لنا أن نقيّد حريّة الله في إطار هذا النظام الإنساني.
يقول اللاهوتي البروتستنتي شلينك:

“إنّ
فكرة ضرورة المعمودية للخلاص تصير خاطئة إذا انطلقنا منها لنستبق الحكم الأخير
الذي سيصدره الله على غير المعمّدين”.

ويضيف
فون ألمن اللاهوتي البروتستنتي الذي يورد هذا القول:

“وهذا
هو رأي التقليد المسيحي كلّه. لا ريب في أنّ الخلاص يقتضي أن يكون الإنسان عضوًا
في شعب الله الإسختولوجي، ويمرّ بالختان الجديد، ويصير عضوًا في جماعة مسيحية
معيّنة، ويشترك في الكهنوت الملوكي، ويعبرُ هذا الحدث الوحيد والنهائي الذي لا
يتكرر، أعني الاشتراك في موت المسيح وقيامته”.

ثمّ
يضيف:

“ولكن
يجب الحفاظ على حرية نعمة الله التي تقدر أن تخلّص أيضاً من لم يمرّ بالمعمودية.
نقول: حرية الله، وليس حرية الكنيسة. فالكنيسة يجب أن تلتزم وصية المسيح القائم من
بين الأموات. الكنيسة ليست شركة إضافية يمكن الذين يؤمنون بالمسيح الدخول فيها أو
لا. إنّها شعب الله، وهيكل الروح القدس، وتجمّع المختارين، وأمّة مقدّسة. ولا
يمكنها أن تعالج وتحلّ موضوع ضرورة المعمودية إلاّ انطلاقا من هذا الوعي
لذاتها”.

وهذا
هو أخيرًا رأي المجمع الفاتيكاني الثاني الذي نستطيع أن نستخلصه من التصريح التالي:

“يعلّم
المجمع المقدّس، استنادًا إلى الكتاب المقدّس والتقليد، أنّ هذه الكنيسة، التي هي
في حال سفر على الأرض، ضرورية للخلاص، لأنّ المسيح هو وحده وسيط الخلاص وصراطه، هو
الذي يصير حاضرًا لأجلنا في جسده الذي هو الكنيسة. وهو نفسه، إذ يعلّم بصريح
العبارة ضرورة الإيمان والمعمودية (مر 16: 16؛ يو 3: 5)، يؤكّد في الوقت عينه،
ضرورة الكنيسة التي يلج فيها الناس بالمعمودية كما من باب. ومن ثمَّ فالناس الذين
لا يستطيعون أن يخلصوا هم الذين لا يجهلون أنّ الله قد أنشأ بيسوع المسيح الكنيسة
الكاثوليكية أداة ضرورية، ومع ذلك يرفضون الدخول إليها أو الثبات فيها”
(دستور عقائدي في الكنيسة، 14).

إنّ
المسيح قد افتدى جميع الناس. ولا يمكن من الوجهة اللاهوتية أن نتصوّر إقصاء عن هذا
الفداء إلاّ لمن عرف المسيح ورفضه. وهذه المعرفة يجب أن تكون معرفة واضحة وكاملة.
فلا يكفي القول إنّ الإنجيل قد بُشّر به في العالم كلّه. فهناك بلدان لا تزال
الأكثرية فيها تدين بالإسلام والبوذية والهندوسية. وكم من المسيحيين، أفرادًا
وجماعات، يؤدّون شهادة معاكسة لبشارة الإنجيل، بتصرّفاتهم وانقساماتهم.

وفي
فقرة لاحقة، يتابع المجمع الفاتيكاني الثاني تعليمه بشأن غير المسيحيين، فيقول:

“أمّا
الذين لم يقبلوا الإنجيل بعدُ فهم أيضاً مدعوون بطرق مختلفة إلى شعب الله. وأوّلهم
ذلك الشعب الذي أوتي العهود والمواعيد، والذي منه خرج المسيح بحسب الجسد (رو 9: 4-
5)؛ ذلك الشعب الذي هو، من حيث الاختيار، محبوب من أجل الآباء، لأنّ الله لا يندم
على ما وهب أو دعا اليه (رو 11: 28- 29). بيد أنّ تدبير الخلاص يشمل أيضاً أولئك الذين
يؤمنون بالخالق، وأوّلهم المسلمون الذين يعلنون أنّهم على إيمان إبراهيم، ويعبدون
معنا الله الواحد، الرحمان الرحيم، الذي يدين الناس في اليوم الآخر. ثم إنّ الله
نفسه ليس ببعيد عن الذين يتلمّسون، من خلال الظلال والصور، إلهًا مجهولاً، بما
أنّه هو الذي يعطي الجميع الحياة والنفَس وكلَّ شيء (أع 17: 25- 28)، ولأنّه
المخلّص فيريد أنّ جميع الناس يخلصون (1 تي 2: 4). لأنّ الذين، على غير ذنب منهم،
يجهلون إنجيل المسيح وكنيسته، ويطلبون مه ذلك الله بقلب صادق، ويجتهدون، بنعمته،
أن يتمموا في أعمالهم إرادته كما يُمليها عليهم ضميرهم، فهؤلاء يمكنهم أن ينالوا
الخلاص الأبدي. وكذلك الذين، على غير ذنب منهم، لم يبلغوا بعدُ معرفة الله معرفة
صريحة، وإنّما يجتهدون، لا بمعزل عن مؤازرة النعمة، أن يسلكوا مسلكًا مستقيمًا،
فإنّ العناية الإلهية لا تحبس عنهم المساعدات الضرورية لخلاصهم. لأنّ كل ما فيهم
من صلاح وحق هو في نظر الكنيسة تمهيد للإنجيل، وموهبة من ذاك الذي ينير كلّ إنسان
لكي تكون له الحياة أخيرًا” (دستور في الكنيسة 16).

4-
ديناميكيّة المعمودية

أ)
المعمودية مبدأ التحرّر والخلاص

المعمودية
ضرورية للخلاص، ولكنّها لا تكفي للخلاص. يقول المجمع الفاتيكاني الثاني، بعد
تأكيده ضرورة المعمودية:

“بيد
أنّه لا يخلص، على كونه منتميًا إلى الكنيسة، ذاك الذي لا يثبت في المحبة، فيقيم
في حضن الكنيسة “بالجسم” لا “بالقلب”. وليتذكّر جميع أبناء
الكنيسة أنّهم بنعمة خاصة من المسيح لا باستحقاقاتهم الذاتية هم ما هم عليه من
فائق الوضع؛ وأنّهم إن لم يتجاوبوا معها بالفكر والقول والأعمال فلن يخلصوا، بل
ستكون دينونتهم أشد” (دستور في الكنيسة 14).

المعمودية
ليست نهاية الطريق، بل بداية الطريق إلى الخلاص. فهي تزرع في قلب الإنسان مبدأ
حياة جديدة. وهذا المبدأ هو أشبه “بحبة خردل” (متى 13: 31- 32)، ببزرة
تملك في ذاتها قوّة نموّ وصورة النبتة الكاملة، شرط أن تُهيَّأ لها “الأرض
الجيّدة” (راجع مثل الزارع: لو 8: 5- 15). وفي تهيئة الأرض الجيّدة، أي في
“سماع الكلمة بقلب نبيل صالح وحفظها بصبر وثبات” (لو 8: 15)، يقوم دور
الإنسان.

ومن
ثمّ فالحياة المسيحية هي عمل مشترك بين نعمة الله وحريّة الإنسان. يقول جان
مايندورف:

“المعمودية،
لكونها بدء الحياة الجديدة وضمانها، تتضمّن التقرير الذاتي والنموّ. فهي لا تزيل
الحرية الإنسانيّة، بل تعيدها إلى صورتها الأصلية الطبيعية”.

فالإنسان،
من أصله ومن طبيعته، كائن منفتح على الله، لأنّه خُلق على صورة الله ومثاله. وهذا
ما يصفه سفر التكوين في رواية آدم وحوّاء. والخطيئة تقوم على قطع كل رباط مع الله.
فبالمعمودية يعود الإنسان، بملء حريّته، الى هذا الانفتاح على الله، ويجعل من الله
“محور حياته”.

وصيغة
المعمودية في التقليد البيزنطي تحتوي على تلك الدعوة إلى الحرّية. فلا تقال عبارة
العماد باسم خادم السرّ كما في الغرب، “أنا أعمّدك”، بل هي تصريح علاني
باسم المعتمد: “يُعمَّد عبد الله (فلان) باسم الآب والابن والروح القدس”.
و”هذا يعني حريّة المعتمد”، حسب قول سمعان التسالونيكي.

“إنّ
الطريق إلى الله بعد المعمودية هي عمل مشترك بين قدرة الله وجهد الإنسان
الحر”.

وتُظهر
طقوس المعمودية أيضاً تلك الدعوة إلى حرية المعتمد عندما تطلب منه أن “يرفض
الشيطان وأعماله وعباداته وأباطيله كلّها”، وأن “يوافق المسيح”،
ويعلن موافقته هذه الحرّة بتلاوة “قانون الإيمان”.

إنّ
تاريخ الخلاص برمّته يبدو كتاريخ تحرير من قوى الشرّ. فالشيطان هو تجسيد لكلّ ما
يناقض عمل الله. بالمعمودية يقف المعتمد إلى جانب المسيح في هذا الصراع ضدّ الشر.
إنّ المسيح قد غلب الشرّ بموته وقيامته، وكل من يعتمد، باشتراكه في موت المسيح
وقيامته، يشترك في انتصاره على الشر. ولكنّ هذا الانتصار من جهة المسيحي مهدّد على
الدوام. لذلك يتوجّب عليه السهر والصلاة والعمل بإيمان:

“إسهروا
وصلّوا لئلاّ تدخلوا في تجربة: إنّ الروح نشيط، أمّا الجسد فضعيف” (متى 26: 41).
“أصحوا، واسهروا! فإنّ إبليس خصمكم، كأسد زائر، يجول حولكم، ملتمسًا من
يبتلعه. فقاوموه، راسخين في الإيمان” (1 بط 5: 8- 9).

ب)
المعمودية مبدأ وحدة الكنيسة ووحدة العالم

إنّ
ديناميكية المعمودية تعمل على الصعيد الشخصي وعلى الصعيد الجماعي. فهي تشدّ
المسيحي الذي لبس المسيح إلى أن يصير على مثاله. وتدع بالكنائس المختلفة المتفرّقة
إلى وعي تفرّقها وانقسامها والسعي الدائب نحو الوحدة، حسب وصية بولس الرسول:

“اسلكوا
مسلكًا يليق بالدعوة التي نُدبتم إليها.. اجتهدوا في حفظ وحدة الروح برباط السلام.
فإنّ الجسد واحد، والروح واحد، كما أنّكم، بدعوتكم، قد دُعيتم إلى الرجاء الواحد.
وإنّ الربّ واحد، والإيمان واحد، والمعمودية واحدة، والإله واحد، والآب واحد
للجميع، وهو فوق الجميع وخلال الجميع وفي الجميع” (أف 4: 1- 6).

إنّ
هذه الوحدة ليست سوى وحدة مبدئية. أي إنّ الكنيسة واحدة في مبدإها ورأسها، ولكن
عليها أن تصير واحدة في واقعها. وهذا يتطلّب جهدًا مستمرًا لإزالة الخصومات والبغض
والحسد والأنانية وكل ما يعوق تحقيق تلك الوحدة.

إنّ
اعتراف المسيحيين بصحّة معمودية إخوتهم من الكنائس الأخرى، وإبقاءهم رغم ذلك على
انقسام الكنائس، هما إقرار ضمني بانّ المعمودية لا تفعل فيهم ما يجب أن تفعله.
فالمعمودية تجعلهم أعضاء في جسد واحد، غير أنّهم منقسمون بعضهم على بعض. الأعضاء
في الجسد الواحد “يهتمّ بعضها ببعض اهتمامًا واحدًا” (1 كو 12: 25).
أمّا هم فيسعون لمنفعتهم الخاصة.

هناك
ثلاثة أنواع من الوحدة: وحدة تُفرَض بالقوة والضغط والإكراه، وهذا النوع من الوحدة
تجده في الدول الدكتاتورية، ووحدة هي نتيجة اتفاق الإرادات للقيام بعمل مشترك،
كالوحدة التي تسود الفرق الموسيقية التي تعزف كل آلة فيها اللحن الذي يعود إليها
حسب الأنظمة الموسيقية وحسب التوزيع الذي أقرَّه مؤلّف المعزوفة؛ ووحدة هي نتيجة
تناغم عفوي وانسجام بديهي لا يخضع لأي نظام سوى نظام الحب المتبادل بين الأشخاص.
تلك هي وحدة الأقانيم في الثالوث الأقدس.

والى
تلك الوحدة يسعى المسيحيون الذين اعتمدوا باسم الآب والابن والروح القدس: تمييز في
الأقانيم، ووحدة في الجوهر؛ تنوّع في الكنائس، واتحاد في المحبة.

إنّ
المعمودية هي مبدأ وحدة الكنيسة، وهي في الوقت عينه مبدأ وحدة العالم، كما جاء في
صلاة السيّد المسيح لأجل الوحدة:

“لست
لأجلهم فقط أصلّي، بل لأجل الذين يؤمنون بي عن كلامهم أيضاً، لكي يكونوا بأجمعهم
واحدًا. فكما أنّك أنت، أيها الآب، فيّ وأنا فيك، فليكونوا، هم أيضاً، فينا، حتى
يؤمن العالم أنّك أنت أرسلتني” (يو 17: 20- 21).

خامسًا-
معمودية الدم ومعمودية الشوق

المعمودية
بالماء هي التعبير الاعتيادي عن الإيمان بالمسيح “وبالسلطان الذي أعطي
له”. ولكنّها ليست التعبير الوحيد. فقد تكلّم الآباء منذ القرون الأولى عن نوعين
آخرين من المعمودية، هما معمودية الدم ومعمودية الشوق.

1-
معمودية الدم

لقد
دعا السيّد المسيح موته “معمودية” بقوله: “إنّ لي معمودية أعتمد
بها، وما أشدّ تضايقي حتى تتمّ” (لو 12: 50). لذلك كل من يؤمن بالمسيح ويموت
شهيد إيمانه هذا، وإن لم يكن قد اعتمد قبلاً بمعمودية الماء، يُعدّ استشهاده
“معمودية دم”. وهذه المعمودية يعتبرها الآباء أعظم من معمودية الماء،
لأنّها إعلان الإيمان بالمسيح، ليس فقط بالكلام والقصد، بل بالعمل، ولأنّها اتحاد
بموت المسيح وقيامته ليس فقط بالرمز والصورة بل بتقدمة الحياة وعطاء الذات الكامل.

ثم
إنّ الشهيد لا يتألّم ويموت فقط في سبيل المسيح، بل كعضو في جسد المسيح. فهو
بآلامه وموته يكمّل حضور آلام المسيح وذبيحته الفدائية. ويحقق في ذاته سرّ الخلاص
الذي تعبّر عنه المعمودية بالماء.

2-
معمودية الشوق

تدعى
“معمودية الشوق” حالةُ التوبة والمحبة التي يموت فيها إنسان كان يؤمن
بالمسيح ويرغب في تقبّل المعمودية، ومات قبل أن يتاح له تحقيق رغبته.

لقد
أجمع الآباء على اعتبار هذه الحالة كافية للخلاص، لأنّها تتضمّن الإيمان بالمسيح
والرغبة في الاتحاد به والاشتراك في موته وقيامته.

فالقدّيس
يوحنا الذهبي الفم يعتبر المحبة أعظم من الاستشهاد. وقوانين هيبوليتوس تطلب عدم
تعميد عبد إذا لم يوافق سيّده على ذلك.

والقدّيس
أمبروسيوس، في تأبين الإمبراطور فالنتنيانوس، يشير إلى رغبته في تقبّل المعمودية
ويعدّه بين المختارين. ويرى بعض الآباء مثالاً على معمودية الشوق في توبة اللص الذي
قال ليسوع وهو على الصليب: “يا يسوع، اذكرني منى جئت في ملكوتك”، فأجابه
السيّد المسيح: “الحق أقول لك: إنّك اليوم تكون معي في الفردوس” (لو 23:
42- 43).

 

الفصل
الثالِث رتبَةُ المعْمُوديّة وَطقوُسهَا

إنّ
ما تؤمن به الكنيسة من معانٍ وأبعاد في المعمودية تعبّر عنه في رتبة المعمودية
ومختلف طقوسها، وهي تشمل خمسة أقسام: إعلان الإيمان، تقديس الماء، المسح بالزيت،
العماد، لبس الثوب الجديد.

أوّلاً:
إعلان الإيمان

المعمودية
مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالإيمان. فهي التعبير الحسّي عنه وهو في الوقت عينه نعمة
من الله والتزام من قبل الإنسان. وهذا ما تعبّر عنه أفضل تعبير رتبة المعمودية
نفسها.

1-
الصلاة لأجل الإيمان

يوجّه
الكاهن المزمع أن يعتمد إلى الشرق، رمز النور الذي هو المسيح، ويختم جبهته وصدره
على شكل صليب، بعد أن ينفخ في وجهه ثلاثاً، رامزاً إلى الخلق الجديد. ففي الخلق
الأوّل، حسب سفر التكوين، نفخ الله في الإنسان فصار كائناً حيًّا (تك 2: 7). وهنا
تمنح الحياة الجديدة للمزمع أن يعتمد على اسم الآب والابن والروح القدس.

ثمّ
يضع الكاهن يده على رأس المزمع أن يعتمد ويتلو الصلاة التالية:

“باسمك
يا رب إله الحق، وباسم ابنك الوحيد وروحك القدّوس، أضع يدي على عبدك فلان (أو على
أمتك فلانة) الذي قد أُهّل لأن يلتجئ إلى اسمك القدّوس ويُحفظ تحت ستر جناحك.
فانزع عنه الضلالة القديمة، واملأه من الإيمان بك، ومن الرجاء والمحبة، لكي يعلم
أنّك أنت الإله الحقيقي وحدك، أنت وابنك الوحيد ربّنا يسوع المسيح وروحك القدّوس.
أعطه أن يحفظ جميع وصاياك ويصنع ما هو مرضيّ لديك، لأنّ الإنسان الذي يعمل بها
يحيا بها. أكتبه في سِفْر حياتك، وضمّه إلى قطيع ميراثك، ليمجَّدَ به اسمك القدّوس
واسم ابنك الحبيب ربنا يسوع المسيح وروحك المحيي. لتكن على الدوام عيناك ناظرتين
إليه بالرحمة، وأُذناك سامعتين لتضرّعه. أبهجه في أعمال يديه، وفي كلّ نسله، لكي
يعترف لك ساجداً وممجّداً اسمك العظيم المتعالي، ويسبّحك على الدوام جميع أيّام
حياته”.

هذه
الصلاة الرائعة الغنيّة بالعمق اللاهوتي توضح نعمة العماد الأساسيّة، وهي الدخول
في حياة الثالوث الأقدس. وهذا ما يعنيه وضح اليد على الرأس مع ذكر اسم الثالوث: “باسمك
يا رب إله الحق، وباسم ابنك الوحيد وروحك القدّوس”. فالمعمودية هي إعلان أنّ
الله قد قبل المعتمد وأهّله “لأن يلتجئ إلى اسمه القدّوس ويُحفَظ تحت ستر
جناحيه”. ثمّ تطلب الصلاة إلى الله أن يملأ المعتمد من الإيمان به والرجاء
والمحبة. فبالإيمان يعرف الثالوث الأقدس: “لكي يعلم أنّك أنت الإله الحقيقي
وحدك، أنت وابنك الوحيد ربّنا يسوع المسيح وروحك القدّوس”؛ وبالمحبة يحفظ
وصايا الله: “أعطه أن يحفظ جميع وصاياك ويصنع ما هو مرضيّ لديك”؛
وبالرجاء “يُكتب اسمه في سفر الحياة” (راجع في 4: 3؛ رؤ 3: 5).

ثمّ
تلي هذه الصلاة صلاة أخرى تتبحّر بمفاعيل المعمودية:

“أيّها
السيّد الربّ الكائن، يا من خلق الإنسان على صورته ومثاله، وخوّله الحق على الحياة
الأبديّة، ولم يُعرض عنه بعد سقوطه في الخطيئة، بل دبّر بتأنّس مسيحه خلاص العالم،


أنت أنقذ من عبودية العدوّ هذا الولد الذي خلقته،


إفتح عيني ذهنه ليشرق فيه نور إنجيلك،


واقرن حياته بملاك منير يخلّصه من كل وسواس العدو ومن صدمة الشرير.


أبعد عنه كل روح شرّير: روح الضلالة، روح الخبث، روح عبادة الأصنام وكلّ طمع، روح
النفاق وكلّ نجاسة تُرتكب حسب تعليم إبليس.


إجعله خروفاً ناطقاً في قطيع مسيحك المقدّس وعضواً كريماً لكنيستك، وإناءً مقدّساً،
وابناً للنور، ووارثاً لملكوتك”.

بنعمة
الإيمان والمعمودية ينقل الله الإنسان من الضلالة إلى الحق، ومن الظلمة إلى النور،
ومن الاستعباد للخطيئة على أنواعها إلى حريّة أبناء الله، فيصير خروفاً ناطقاً في
قطيع المسيح، وعضواً في كنيسة الله، ووارثاً لملكوته.

2-
إعلان الإيمان من قبل المعتمد

يوجّه
الكاهن المزمع أن يعتمد إلى الغرب، رمز الظلمة والخطيئة، ويسأله:


“هل ترفض الشيطان وأعماله وملائكته وعباداته وأباطيله كلّها؟

فيجيب
المعتمد، أو عرّابه، إذا كان طفلاً:


“نعم أرفض الشيطان وأعماله وملائكته وعباداته وأباطيله كلّها”.

ثمّ
يوجّهه نحو الشرق، رمز المسيح ويسأله:


“هل توافق المسيح؟


نعم أوافق المسيح.


هل وافقتَ المسيح؟


نعم وافقتُ المسيح.


هل تؤمن به؟


نعم أومن به إنّه ملك وإله”.

ثمّ
يتلو قانون الإيمان. وبعد ذلك يسأله الكاهن من جديد:


هل وافقتَ المسيح؟


نعم قد وافقتُ المسيح.


فاسجد له أيضاً.

إذّاك
يحني المعتمد أو عرّابه رأسه ساجداً ويعلن إيمانه بالثالوث الأقدس الذي سيعتمد على
اسمه:

“أسجد
للآب والابن والروح القدس، الثالوث الواحد في الجوهر وغير المنفصل”.

حينئذٍ
يعلن الكاهن مؤكداً إرادة الله أن يبلغ الناس إلى معرفة الحق وإلى الخلاص:

“تبارك
الله الذي يريد أن جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة الحق يبلغون، كل حين الآن وكلّ
أوان وإلى دهر الداهرين”.

ثمّ
يتلو الكاهن الصلاة التالية التي تبيّن أنّ المعمودية ولادة جديدة:

“أيّها
السيّد الرب إلهنا، أدع عبدك هذا (أو أمتك هذه) إلى استنارتك المقدّسة. وأهّله
لهذه النعمة العظيمة، نعمة معموديّتك المقدّسة. إنزع عنه الإنسان القديم وجدّده
للحياة الأبديّة. واملأه من قوّة روحك القدّوس للاتحاد بمسيحك، حتى لا يبقى ابن
الجسد، بل يصبح ابن ملكوتك”.

نقرأ
في عظة للقدّيس كيرلّس الأورشليمي تفسير هذه الرتبة:

“والآن،
أنت تسمع الأمر الصادر إليك ببسط يدك نحو الشيطان كما لو كان حاضراً، وبالقول: “أنا
أكفر بك، أيّها الشيطان”. ومن الضروري أن أقول لكم أيضاً لماذا كنتم واقفين،
متّجهين نحو الغرب. فالغرب هو منطقة الظلمات المرئيّة، والشيطان الذي هو ظلام يبسط
سلطانه على الظلمات.. “أنا أكفر بك، أيّها الشيطان الشرّير القاسي
المستبدّ”، أي: أنا لم أعد أخشى قوّتك، لأنّ المسيح سحقها، إذ اشترك معي في
الدم واللحم ليبطل الموت بالموت (عب 2: 14- 15).. “وبكل أعمالك”. وأعمال
الشيطان هي كل خطيئة، ويجب التخلّي عنها، كما يُلقى سلاح الظالم عندما تُترَك
خدمته. فكل خطيئة، على مختلف أنواعها، تدخل في أعمال الشيطان.. فأنت إذن عندما
تكفر بالشيطان تدوس بقدميك كل ميثاق معه (أش 28: 15) وتسحق الأحلاف المعقودة مع
الجحيم. وعندئذٍ ينفتح أمامك فردوس الله الذي “غرسه في عدن شرقاً” (تك 2:
8)، وطُرد منه أبونا الأوّل لعصيانه (تك 3: 23). ورمزاً لذلك اتجهتَ من الغرب صوب
الشرق الذي هو منطقة النور. وعندئذ طُلب منك أن تقول: أومن بالآب والابن والروح
القدس.. وبمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا”.

بالإشارة
إلى خطيئة آدم في الحديث عن إعلان إيمان المعتمد يبيّن القدّيس كيرلّس أنّ الإيمان
هو قبول كياني لله وعودة إلى الحياة معه. وهذا ما يعبّر عنه بشكل سلبي رفض الشيطان
وأعماله وبشكل إيجابي موافقة المسيح والإيمان به “بأنّه ملك وإله”،
وبأنّه “واحد في الجوهر مع الآب والروح”.

ثانياً-
تقديس الماء والزيت

1-
تقديس الماء

إنّ
مادّة المعمودية هي الماء. وفي حال خطر الموت يحقّ لأيّ إنسان أن يأخذ بعضاً من
الماء العادي ويسكب منه على رأس طالب العماد وهو يقول العبارة التالية: “يُعمَّد
عبد الله فلان باسم الآب والابن والروح القدس. آمين”.

ولكن
في الرتبة الطقسيّة التي يحتفل بها الكاهن في الظروف الاعتيادية، يجب تقديس الماء
قبل استعماله للمعمودية. وفي ذلك إشارة إلى أنّ الولادة الجديدة تتمّ “بالماء
والروح” (يو 3: 5). وحضور الروح في الماء يتحقق بواسطة تقديسها. إنّ هذا
التقديس، الذي يتمّ في رتبة احتفالية يوم عيد الظهور الإلهي دلالةً على أنّه
بالروح القدس تتقدّس المادة وتتجدّد الخليقة كلّها، يعاد لدى كل معمودية. يقول
القدّيس كيرلّس الأورشليمي:

“إنّ
العماد حقًّا لأمر مهمّ، أيّها الإخوة، فتقدَّموا إليه بحرص.. بجب على الروح القدس
أن يختم نفوسكم.. لا تقربوا هذا الغسل كما لو كان يتمّ بماء عادي. لأنّ نعمة الروح
القدس هي التي توهَب مع الماء. فكما أنّ التقادم التي تُرفَع في معابد الأوثان،
تدنَّس باستدعاء الأصنام، كذلك يتلقّى الماء العادي قوّة مقدّسة باستدعاء الروح
القدس والمسيح والآب.. فالذي ينزل في الماء لا يقتربنَّ منه كمن يقترب من ماء
عاديّ، بل من ماء سيمنحه الخلاص بنعمة الروح القدس”.

إنّ
رتبة تقديس الماء، كما في سائر الأسرار، تعيد من جديد حضور ما حدث لدى اعتماد
السيّد المسيح في الأردن. فالمسيح، باعتماده في الأردن، قدّس المياه وملأها من
حضور الروح القدس الذي ينقّي الخليقة كلّها ويجدّدها، كما قال القدّيس أغناطيوس
الانطاكي:

“إنّ
ربّنا يسوع المسيح قد حمل في أحشاء البتول بتدبير إلهي من زرع داود ومن الروح
القدس، ووُلد واعتمد لينقّي بالماء أهواءنا”.

لذلك،
في الطلبة التي تسبق صلاة تقديس الماء، يطلب الكاهن “أن يُقدَّس هذا الماء
بقدرة الروح القدس وفعله وحلوله.. أن تنحدر عليه نعمة الفداء وبركة الأردن.. أن
يحلَّ في هذه المياه فعل الثالوث الفائق الجوهر المنقّي..

“أن
يصير للمزمع أن يعتمد فيه حميم الولادة الجديدة لغفران الخطايا وارتداء عدم الفساد.

ثمّ
تلي صلاة التقديس التي تحتوي على ثلاثة أقسام:

يبدأ
القسم الأوّل على غرار جميع الصلوات في الطقس البيزنطي، فيذكر عمل السيّد المسيح
الخلاصي. فالصلوات والأسرار التي نحتفل بها اليوم ليست سوى امتداد على مدى الزمن
لما صنعه المسيح في حياته الزمنيّة على الأرض. وهنا تبدأ الصلاة بذكر تجسّد كلمة
الله وتقديسه المياه:

“عظيم
أنت يا رب وعجيبة أعمالك، وما من قول يكفي للإشادة بعجائبك. فإنّك أنت الإله
الأزلي غير المحصور والفائق كلّ وصف، أتيت على الأرض آخذاً صورة عبد صائراً بشراً.
لأنّك بحنانك أيّها السيّد لم تحتمل أن ترى جنس البشر تحت استبداد الشيطان، بل
أتيت وخلَّصتنا.. لأنّك يا إلهنا على الأرض ظهرت وبين الناس تردّدت، أنت قدّست
مجاري الأردن، إذ أرسلت من السماء روحك القدّوس”.

ويطلب
القسم الثاني إلى السيّد المسيح أن يحضر بحلول روحه القدّوس لتقديس المياه:

“فأنت
إذن، أيّها الملك المحب البشر، احضر الآن أيضاً بحلول روح قدسك، وقدّس هذا الماء.
أعطه نعمة الفداء، بَركة الأردن، اجعله ينبوعاً لعدم الفساد، موهبة للتقديس،
غافراً للخطايا..” ويضع القسم الثالث علاقة بين تقديس الماء وتجديد المعتمد
فيه. فتقديس المادة في اللاهوت المسيحي لا يتمّ في حدّ ذاته بشكل مجرّد عن الإنسان،
بل يتمّ دوماً في علاقة مع إنسان يستخدم تلك المادة ليصل من خلالها إلى الاتحاد
بالله وتجديد إنسانيته على صورة السيّد المسيح الإنسان الجديد. هكذا في الأسرار
يضفي الإيمان على المادة بُعداً جديداً لا يمكن أن يراه غير المؤمن:

“إظهر
يا رب على هذا الماء، وامنح المعتمد فيه أن يتبدّل فيخلع الإنسان العتيق الذي
أفسدته شهوات الغرور، ويلبس الإنسان الجديد الذي جدَّدتَه على مثالك أنت خالقه،
حتى يُغرَس معك في شبه موتك بالمعمودية، فيصير شريك قيامتك أيضاً. وبعد أن يحفظ
موهبة روحك القدّوس وينمي وديعة النعمة، يأخذ جائزة الدعوة العلوية، ويحصى مع
الأبكار المكتوبين في السماء”.

نلاحظ
في هذا القسم ذكراً لبعض مفاعيل المعمودية: الولادة الجديدة بلبس الإنسان الجديد،
والاشتراك في مات المسيح وقيامته، والحصول على موهبة الروح القدس ووديعة النعمة،
والإحصاء مع الذين كُتبت أسماؤهم في سِفْر الحياة.

2-
تقديس الزيت ومسح المعتمد به

بعد
تقديس الماء، يقدّس الكاهن الزيت:

“..
بارك يا رب هذا الزيت بقوّة روحك القدّوس وفعله وحلوله، ليصبح للممسوحين به أو
المتناولين منه بإيمان مسحة لعدم الفساد، سلاحاً للبرّ، تجديداً للنفس والجسد،
صيانة من كل الشرور”.

ثمّ
يسكب الزيت فوق الماء معلناً:

تبارك
الله الذي ينير ويقدّس كلّ إنسان آتٍ إلى العالم، كل حين الآن كل أوان وإلى دهر
الداهرين. آمين”.

ثمّ
يمسح الكاهن بالزيت جبهة المعتمد على شكل صليب قائلاً:

“يمسح
عبد الله (فلان) بزيت الابتهاج، باسم الآب والابن والروح القدس”

ثمّ
صدر المعتمد وظهره قائلاً: “لشفاء النفس والجسد”

ثمّ
أُذنيه قائلاً: “لسماع الإيمان”

ثمّ
رجليه قائلاً: “ليسلك سبلك يا رب”

ثمّ
يديه قائلاً: “بداك صنعتاني وجبلتاني، فهّمني فأتعلّم وصاياك”

إنّ
المسحة بالزيت قبل المعمودية تعود إلى القرون الأولى، ونجدها في معظم الطقوس وفي
مختلف الكنائس. ويفسّر آباء الكنيسة معناها في عظاتهم. نقرأ في عظة للقدّيس يوحنا
الذهبي الفم:

“وعلى
الأثر بعد هذا العهد: الكفر بالشيطان والالتزام بالمسيح، بما أنّك اعترفت بسيادة
المسيح وبأقوال فمك انضويت تحت لوائه، يمسحك الكاهن على جبهتك بالزيت الروحي
كجنديّ ينزل إلى الحَلَبة الروحية، واضعاً عليها ختم الصليب وقائلاً: يمسح عبد
الله باسم الآب والابن والروح القدس. فهو يعلم أنّ العدوّ من الآن فصاعداً غاضب
يُصرّ بأسنانه ويجول كأسد زائر، لرؤيته الذين كانوا في الأمس خاضعين لاستبداده قد
ثاروا عليه فجأة وارتدّوا عنه والتحقوا بالمسيح وانضووا تحت لوائه. لأجل ذلك
يمسحكم الكاهن على جبهتكم واسماً إيّاكم بختم الصليب لكي يحجب ذاك نظره عنكم. فهو
لا يجسر على التحديق بكم مواجهة، حين يرى البريق المنبعث من هذه المسحة يشّع ويعمي
بصره. فمنذ تلك اللحظة تبدأ المعركة ضدّه ومقاومته. لذلك، كأبطال للمسيح، يدخلكم
الكاهن بواسطة هذه المسحة الحَلَبة الروحية”.

إنّ
هذه المسحة هي وسم الإيمان والالتزام بالمسيح، وهي أيضاً علامة التنقية والتقديس،
كما تشير إلى ذلك الصلوات التي ترافقها: “مسحة لعدم الفساد، سلاحاً للبر،
تجديداً للنفس والجسد، صيانة من كل الشرور.. لسماع الإيمان ليسلك سبلك يا رب..”.
وهذه المفاعيل تبدو أيضاً عمل الروح القدس: “بارك هذا الزيت بقوّة روحك
القدّوس وفعله وحلوله”.

وكذلك
في الطقس الماروني يقول الكاهن الصلاة التالية:

“ليأتِ
أيها السيّد روحك الحيّ القدّوس، ويحلّ على رؤوس عبيدك، ويستقرّ فيهم؛ وليتقبّلوا
وسم الآب الحي، والابن الوحيد والروح القدس المعزّي وغافر الذنوب. فلتتقدّس أجساد
ونفوس عبيدك الموسومين بك، ولتتثبّت ضمائرهم بمعرفتك، ولتمتلئ أذهانهم من الإيمان
بك، ليرفعوا لك التسبحة ولمسيحك ولروحك الحيّ القدّوس، الآن وإلى الأبد”.

يظهر
أيضاً في هذه الصلاة مفاعيل المسحة: تقديس المعتمد وتنقيته، وتثبيته في معرفة الله
كي لا يرجع إلى ظلمات الجهل والضلال، وامتلاؤه من الإيمان بالثالوث الأقدس الذي
اعترف به وسيعتمد باسمه.

ونجد
كذلك ذكراً لهذه المسحة بالزيت قبل العماد في “القوانين الرسولية” التي
كتبت حوالي سنة 380 في سورية:

“تَمسَح
أوّلاً بالزيت المقدّس، ثمّ تُعمِّد بالماء، ثمّ تنهي خاتماً بالميرون، كي تكون
المسحة اشتراكاً في الروح القدس، والماء علامة الموت، والميرون ختم الالتزام”.

ثالثاً-
التغطيس بالماء

بعد
المسحة بالزيت، يمسك الكاهن طالب العماد موجّهاً إيّاه نحو الشرق، ويعمّده قائلاً:

“يُعمَّد
عبد الله فلان (أو تُعمَّد أمة الله فلانة) باسم الآب والابن والروح القدس.
آمين”.

وعلى
كل اسم من الأقانيم الإلهية الثلاثة يغطّسه في الماء وينتشله. ولا تُقال آمين يعد
كل اسم من أسماء الثالوث، بل في الآخر فقط، للتأكيد على وحدة الجوهر في الأقانيم
الثلاثة.

1-
طريقة العماد

إنّ
العماد بالتغطيس هو تقليد قديم في الكنيسة. ففي القرون الأولى كان العماد يجري قرب
الأنهر. والمعتمدون ينزلون إلى النهر ويعمّدون فيه. ولكن هذه الطريقة لم تكن
إلزامية، حتى في القرون الأولى. ففي كتاب “الذيذاخية” أي “تعليم
الرسل الاثني عشر”، الذي كُتب في أنطاكية في النصف الأوّل من القرن الثاني،
نقرأ التوصية التالية:

“إمنحوا
سرّ العماد وفقاً للتعاليم التالية: بعد الإرشادات السابقة، عمّدوا باسم الآب
والابن والروح القدس. وإن لم يكن هناك ماء جارٍ، فليُعمَّد بخلافه، وإن لم يكن
هناك ماء بارد، فليُعمَّد بالماء الساخن. وإن لم يكن ماء كافٍ من هذا وذاك، فاسكب
على الرأس قليلاً من الماء ثلاث مرّات باسم الآب والابن والروح القدس”.

إنّ
سرّ العماد يمنح اليوم في “جرن” خاص بالمعمودية يوضع على مدخل الكنيسة.
أمّا في القرون الأولى فبسبب كثرة معمودية البالغين كانت تُقام إلى جانب كل كنيسة
“بِرْكة” صغيرة ينزل إليها المعتمد بدرج ثمّ يصعد منها بدرج آخر من
الجهة المقابلة، كما نرى ذلك في كنيسة مار سمعان العمودي بالقرب من حلب. في هذا
الموضوع يقول القديس كيرلّس الأورشليمي:

“واقتُدْتم
بعد ذلك إلى البركة المقدّسة للعماد الإلهي، كما حُمل المسيح من الصليب حتى القبر
الذي كان قريباً (يو 19: 42)، وهو أمامكم. وسُئِل كل منكم هل يؤمن باسم الآب
والابن والروح القدس، فأدليتم بهذا الاعتراف الخلاصي. ثم غطّستم في الماء ثلاث
مرّات وخرجتم منه، ممثّلين بذلك دفن المسيح الذي استغرق ثلاثة أيّام”.

2-
صيغة العماد

في
التقليد البيزنطي تستعمل في العماد صيغة المجهول: “يُعمَّد عبد الله فلان..”.
وفي ذلك إشارة إلى أنّ الأسرار ليست عمل الكاهن الذي يمنح السرّ، بل عمل الله نفسه
بالاشتراك مع حرية المعتمد كما أشرنا إلى ذلك سابقاً. في النصّ التالي يؤكّد يوحنا
الذهبي الفم عمل الله في العماد:

“لكي
ندرك أنّ للآب والابن والروح القدس جوهراً واحداً، أنظر كيف تمنح المعمودية: فعندما
يعلن الكاهن “يعمّد عبد الله فلان باسم الآب والابن والروح القدس”، يغطس
رأس المعتمد ثلاث مرّات في الماء، ثم يرفعه، مؤهّلاً إيّاه بواسطة هذه الرتبة
السريّة لتقبّل سكنى الروح القدس. إذ إنّ من يلمس رأسك ليس الكاهن وحسب، بل يمين
المسيح أيضاً. وهذا ما يتّضح من كلام المحتفل. فهو لا يقول: “أنا اعمّد
فلاناً”، بل “يعمّد فلان”، مبيّناً بذلك أنّه ليس سوى خادم النعمة،
وأنّه يعير يده وقد انتدبه الروح لهذه الخدمة. أمّا الذي يكمّل كل شيء فهو الثالوث
غير المنقسم، الآب والابن والروح القدس. فالإيمان بالثالوث هو الذي يمنحنا مغفرة الخطايا،
والاعتراف به ينعم علينا بالتبنّي”.

“ليس
الكاهن هو الذي يعمّد، بل الله الذي يمسك رأس المعتمد بقدرته غير المنظورة”.

رابعاً-
إرتداء الثوب الجديد

بعد
العماد يلقي الكاهن على جسم المعتمد ثوبه الجديد قائلاً:

“يُلبَس
عبد الله فلان ثوبَ البر+ باسم الآب والابن والروح القدس”.

ويرتّل
الحاضرون بالنشيد التالي:

“إمنحني
ثوباً منيراً يا لابس النور مثل الثوب، أيّها المسيح الجزيل الرحمة إلهنا”.

قبل
العماد يخلع المعتمد ثيابه العتيقة رمزاً للتخلّي عن الإنسان العتيق، وبعد العماد
يلبسه ثياباً جديدة رمزاً لولادته الجديدة وحياته الجديدة في المسيح. يقول القدّيس
يوحنا الذهبي الفم:

“إنّ
الذين بالإيمان بالمسيح قد تحرروا من ثقل خطاياهم وخلعوها عنهم كما تُخلَع الثياب
العتيقة، يرتدون ثياباً جديدة برّاقة، ثياباً ملكية. فإنّهم قد انعتقوا من الضلال
واستناروا بشمس البرّ. لهذا يقول بولس: إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة،
فالقديم قد اضمحلّ، وكلّ شيء قد تجدّد (2 كو 5: 17).

لذلك
يرتّل بعد العماد النشيد التالي المستقى من الرسالة إلى الغلاطيين:

“أنتم
الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح قد لبستم. هللويا” (غلا 3: 27).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار