علم المسيح

البذار في التربة: التطويبات


البذار في التربة: التطويبات
]]>
البذار في التربة:
التطويبات

.
علينا أن نقتفي الآن يسوع في رحلته التبشيرية ضمن بلاد الجليل، ونصغي إلى التعاليم
التي وجهّها إلى الجماهير الزاحفة في إثره. وليس عسيرا على من يطالع الأناجيل
المؤتلفة، أن يتمثل تلك التكتّلات الشعبية المتراصّة في العراء، وكأنها التربة
يلقي فيها الإله المتأنس بذار تعليمه، في بساطة وجلال. لقد كان ” يهوى ”
– ربّ القدرة والمهابة- قد اختار سيناء، في روعة موقعه، ووحشة إطاره، ودخان
عواصفه، لكي ينُزل الوحي على موسى. وأمّا معلّم الانجيل، فكان حسبه من المواضع ما
بات أقلّ شموخاً وفخامة؛ فإمّا خليح وادع، مزدان بأشجار الدلفى، تصطفق لديه مياه
البحرة اصطفاقا لينا؟ وإماّ هضبة ضيقّةُ تحدق بها التلال: تلك كانت المدرّجات التي
ترجّعت فيها أصداء صوته
 
. لقد
أثبت مرقس في إنجيله أن المسيح ” وابتدأ أيضاً يعلّم عند إلبحر، فاجتمع إليه
جمع كثير، حتى أنه دخل السفينة وجلس على البحر، والجمع كله كان عند البحرعلى الأرض
” (مرقس 4: 1). وجاء في لوقا ” ونزل معهم ووقف فى موضع سهل هو وجمع من
تلاميذه، وجمهور كثير من الشعب، من جميع اليهودية وأورشليم، وساحل صور وصيداء..
ورفع عينيه إلى تلاميذه وقال.. ” (لوقا 6: 17 -20). فتلك التعاليم التي
ألقاها من على السفينة، والخطبة التى قالها فوق الجبل إنما هي جوهر الانجيل
وخلاصته. والعالم المسيحي، منذ ألفي سنة، يسعى، جهده، إلى وضع تلك الأفوال التي
دوًتْ في ربوع الجليل، موضع التنفيذ. ولو كُتب على الإنسانيةألاّ تكون قد أكرْمت
” بالتطويبات ” وبالأمثال الإنجلية الكبرى لحُرِمت أجمل ما نطق به لسان
بشر
 
. لقد
كثر الجدل في تحديد الموضع الذي ألقْيت فيه ” خطبة الجبل “. فالبعض
يذهبون إلى جعله في ” الطابغة ” وهي على بعد 13 كلم شمالي طبرية، و3 كلم
من كفرناحوم. هناك رابيةٌ قليلة الارتفاع، قد تتسع لاحتضان جمع غفير. وقد أثبتت
فيها بعضُ. التقاليد القديمة الموضع الذي جرى فيه الحادث الإنجيلي؛ وكانت تشاهد
فيه، منذ أمد قريبَ، أشجار عتيقة، عُرِفت ” بأشجار التطويبات “، وقيل
إنها شهدت يوم الخطبة. ولكن هل ينسجم ذاك المكان المؤنس – في جوار البحيرة- وما
يوحي به الإنجيل، إيحاءً جليّاً، من أن الموضع كان منعزلاً، وموحشاً بعض الشيء؟
ولذا فقد ذهبت تقاليد أخرى إلى اعتماد موضع آخر، وهو شبه مرتفعٍ تكتنفه رابيتان
منخفضتان، يطلق عليهما اسم ” قرون حطيّن “.. فالبقعة موحشة، بمروجها
الشاحبة المكسوّة بالبرَاوِق، وحجارتها النسفيّة السوداء المضرجة بدم الشقائق
الأرجوانية. وتشُاَهدَ البحيرة من خلال الفرجة الواقعة بين التلال.. في تلك
البقعة، أو في بقعة مضاهية لها، تغمرها الأضواء، ولا يزينها سوى شجيرات، وأعشاب،
وركامات حجارة، وآفاق جميلة، ينبغي أن نتمثل مشهد ” الخطبة “، وليس وسط
الأروقة والآثار، كما تصوّره رامبراندت، بتأثير ممّا ثبت فيَ ذهنه من صور حياة
الفلاسفة
 
.
أمّا نص ” الخطبة ” فقد ورد في إنجيليْ متىّ ولوقا، (متى5: 7؛ لوقا 6:
17-49)، على شئ من التباين. فقد ذكر الأول ثماني تطويبات، بينما اكتفى الآخر بذكر
أربع. ولكنّ لوقا قد عقبّ على ” التطويبات ” بأربع ” لعنات ”
لا نجدها في رواية متى. وهناك تباين، بين الروايتين، في التعبير أيضاً. فالبشير
متى يجنح، أكثرمن البشير لوقا، إلى تأويل وصايا المسيح تأويلاً روحياً. فهو يورد،
مثلاً؛ ” طوبى للمساكين بالروح ” وليس ” طوبى للمساكين “؛ ولا
يذكر ” الجياع ” فحسب، بل ” الجياع والعطاش إلى البرّ “. إلاّ
أن هذا التباين لا يبلغ قطّ حدود التناقض، ومن اليسير أن نجد له تعليلاً. فالبشير
لوقا قد توجّه بانجيله إلى الوثنين الداخلين في طاعة الدين، واكتفى، من ثمّ،
بالتنوية بوصية المحبّة، وهي، من الانجيل، شريعته الجوهرية. وأمّا البشير متى فقد
عمد الى إبراز ما تتميزّ به الخطبة من سموّ وعظمة
 
. قد
تُسُوئِل أحياناً: هل خطبة الجبل هي خلاصة مواعظ كثيرة، جمعها الإنجيليان في نصّ
واحد متماسك. مهما يكن من أمر، فإن طريقة التوسعّ، والفكرة الأساسية، والأجزاء
الرئيسية متشابهة في كلتا الروايتين. وتسطع، في كلتيهما، بجلاء تامّ، تلك الأصالة
السامية التي تتميزّ بها تعاليم المسيح الصحيحة
 
.
إفتتح المسيح خطبته بتلك العبارات الغريبة الصادمة، التي روّجت لها اسم
“موعظة التطويبات “؛ ثمّ مهّد لها بذكر المناَقب الي لا بدّ منها لدخول
ملكوت اللّه؛ فصاح قائلاً: ” طوبى للمساكن بالروح -أي الذين يحسنون التجرّد –
فإن لهم، ملكوت السماوات.. طوبى للودعاء، فإنهم يرثون الأرض.. طوبى للأنقياء..
طوبى للرحماء.. طوبى لصانعي السلام.. ”
 
.. كل
ذلك يبقئ في حيزّ المعقول: فإن ” يهوى “، هو أيضاً، كان يثيب أهل
الفضيلة. ولكن هناك ما بات أشدّ غرابة: فالمحرومون، على هذه الأرض، هم المفضّلون،
بالمعنى الصحيح! ذلك ما يقوله لوقا صراحة: ” طوبى لكم، أنتم الفقراء،.. أنتم
الجياع،.. أنتم الباكين الآن.. أنتم المرذولين والمضطهدين.. “. ثم إنه يستعين
بأسلوب من أساليب الطباق المعهودة عند خطباء اليهود، فيضيف، زيادة في الإيضاح:
” الويل للأغنياء، لأنهم أصابوا، على هذه الأرض، عزاءهم. الويل للضاحكين
وللذين يلتمسون عند الناس فخرهم ومجدهم.. “. إنه لم يكن على خطأ ذاك الحكيم
الإسرائيلي الذي كتب، في ذات الحقبة تقريباً: ” الملكوت إنما هو إنقلاب
الدنيا! “. لقد كان ” يهوى “، في العهد القديم، كثيراً ما يثيب،
على هذه الأرض، أمانة المؤمنين وطاعتهم: وقد جرى مثل ذلك لأيوب الصديق. وأما اليوم
فما بقي على الأرض ثواب يرتجى! وإنما هناك، في السماء، ميزان كل شئ. وأما الدنيا،
فنصيب المؤمنين منها علقم واضطهاد! أو لم تكن تلك قسمة الأنبياء جميعاً؟
 
.
ويخلص المسيح من ذكر الأنبياء، إلى تحديد موقفه – وهو الذي قال عن نفسه: إنه أعظم
من نبي – من شريعة إسرائيل: ” لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس والأنبياء، بل
لأكمل “. إن شريعة الله ثابتة أبدية؛ وإنما ينبغي البلوغ بها إلى غاية
مراميها الروحية، والتسامي بها فوق بر الكتبة والفريسيين. لقد كانت الشريعة
الموسوية تنهى عن القتل: ” لا تقتل! “. أما المسيح فيذهب إلى تحريم
الغضب والعنف. كانت الشريعة تنهى عن الزنى. أما يسوع فيذهب إلى ضرورة النقاوة حتى
في النظر إلى النية. كانت الشريعة ترخص في الطلاق. أما يسوع فيريد الزواج ثابتاً
لا ينفصم. كانت الشريعة تحرم الحنث وشهادة الزور. وأما تلميذ المسيح فعليه أن يقول
الحق بلا مواربة ومن غير أن يستشهد السماء ولا الأرض. لقد كانت العدالة القديمة
على جانب من القسوة، ومبدأ ” العين بالعين، والسن بالسن ” من القواعد
المقررة، أقله من الناحية النظرية
 
.
وامّا يسوع فقد ذهب إلى أن روح الشريعة الحقة يقوم بالتماس الكمال في أهدافه
العُليا، حيث يُصْبر على الإهانة، ويُتنازل عن الحق، ويُتنكّبُ عن الئأر، ويُغْلب
الخصمُ بالمحبة. فهل كان ذلك كله مجهولاً في إسرائيل، ومحدَثاً إحداثاٌ جنرياً؟
لا، بل! إننا نعثر في تعليم الرابيين، على أقوال تضاهي أقوال المسيح، ولا سيما في
شأن النقاوة الباطنية، واستقامة النيّة، وإنْ تعذّر الجزم هل هي قبل المسيح أم هي
من وحي الإنجيل. وأمّا في شأن معضلة الطلاق والحَلف، فقدكان رأي الأسينين ورأي
المسيح واحداً. بيد أنّ ذاك الذى ما كان، في تقاليد إسرائيل، سوى اتجاه استثناني
موفّق، أصبح، مع المسيح، سُنّةً شاملة، ومبدأ حياة روحية: فتمّ بذلك تحوّل حاسم،
في نظرة الإنسان الى الحياة
 
شطْر
ذاك التحوّل في مفاهيم الحياة أراد المسيح أن يذهب بأتباعه، في الجزء الثاني من
خطبته. فماذا عليهم أن يعملوا لكي يبلغوا إلى الحياة الجديدة؟. عليهم أوّلاً أن
يسعوا إلى الفضيلة سعياً نزيهآ مجرّداً. فلا يخطر ببالهم أن يتباهوا، أمام الناس،
بحسناتهم، ويتبجّحوا بصدقاتهم وأصوامهم. فليس البرّ بحاجة إلى أن يُعلن بالبوق
أمام اللّه، كاشف خفايا القلوب. ويجب أن يكون أتباع المسيح من نفاذ البصيرة بحيث
يؤثرون الكنوز الحقيقية، على تلك التي يكدّسها الناس على هذه الأرض. وليكن القلب
جميعه في غمرة من نور الله. ” أطلبوا أوّلا ملكوت الله وبرّه، وهذا كلّه يزاد
لكم! “. فالله رحيم، لاُ يخيّب طلباً. أوَ ليس هو الأب الذي يؤتي الناس
خبزاً؟
 
.
وتنتهي الخطبة بدعوة سريعة إلى التنفيذ: ” من يسمع أقوالي هذه، ولا يعمل بها،
يشُبّه برجل جاهل بنى بيته على الرمل “. ويتبين أن هذه الموعظة تحمل إلى حدّ
بعيد صبغة الظروف التي قيلت فيها. فهي، في موقعها من مطلع الرسالة الإنجيلية، أي
حوالي شهر حزيران سنة 28، قد توجّهت إلى أولئك الذين أزمعوا اتبّاع المسيح، فإذا
هي دستور الكنيسة الناشئة. ولكنها قد توجّهت أيضاً إلى تلك الجموع المختلطة التي
غلبت فيها العناصر الشعبية؛ ولذلك فقد جاءت تعابيرها من البلاغة والسهولة بحيث
باتت في متناول أبسط فرد من أفراد الشعب. وذلك ما يقع في نفسنا، نحن أيضاً، وما
يفرغ على تلك. الكلمات، بعد ألفي سنة، وفي مختلف الأمصار، ما تختلج له القلوب.
فإنه ليس بالإمكان ألاّ نهتزّ لسماع مثل هذه الأقوال: ” أقول لكم: أحبوا
أعداءكم! ” أو ” إذا صُمت فادهن رأسك! ” أو ” لا تستطيعون أن
تعبدوا الله والمال! “.. فإن هذه الحِكم، في بساطتها الرائعة، إنما تنفذ إلى
أعماق قلب الإنسان، وتكشف عماّ يصطرع فيه من أهواء هاصرة، ونزوات الحقد والكرياء
والشهوة


البذار في التربة: التطويبات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار