شروحات وتفسيرات

اسمع يا إسرائيل: يهوه إلهنا يهوه واحد

اسمع يا إسرائيل : يهوه إلهنا يهوه واحد
שְׁמַע יִשְׂרָאֵל יְהוָה אֱלֺהֵינוּ יהוָה אֶחָד
( تثنية 6 : 4 )
اسمع يا إسرائيل: اسمع – في اللغة العبرية التي كُتبت بها في هذا النص – هو فعل مفرد مذكر والفعل مشتق من [ اسمع ، أنصت ] وهي تأتي في صياغة الإصغاء للانتباه لأن ما سيقال عظيم ، يستدعي الانتباه بشدة؛ وفي اليونانية أتت بمعنى ἀκούω – akoúo̱ [ يسمع ، يُنصت ، يهتم بشدة ، يسمع استماعاً ] وهي تُشير في الأساس إلى إدراك الأصوات عن طريق حاسة السمع . والسمع لا يغطي فقط حاسة الإدراك ، ولكن أيضاً قبول واستيعاب العقل لمحتوى ما سمع
اسمع، هذه اللفظة في الآية ليست باللفظة العادية التي تُقال في حديث عادي لمجرد الاستماع ، بل تُشير أولاً إلى حاسة الإدراك من خلال الأذن البشرية لسماع خبر ، والخبر ليس بخبر عادي ، بل خبر هام جداً يحتاج لانتباه شديد ومن نوع خاص . ولكن فوراً وبمجرد الحصول على هذا الخبر العظيم يحدث فهم ، وهذا الفهم يتطلب الإنصات والإصغاء والتمعن في الخبر لذلك تلحق كلمة اسمع نداء واضح [ اسمع يا ] : ” فناداه ملاك الرب من السماء وقال إبراهيم إبراهيم فقال هَاَّنَذَا ” ( تك 22: 11 ) ، وعادة السمع يتطلب معرفة وفهم للغة المنطوق بها الخبر ، حتى يستوعب الإنسان الخبر ويفهمه ويقبله ” هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض . فبددهم الرب من هُناك على وجه كل الأرض ” ( تك 11: 7و8 ) ، فلا يقدر أن يقبل إنسان خبر بلغة لا يفهمها أو يتعرف عليها ، ومن هنا حملت اللفظة اليوناني ، بل والعبري أيضاً معنى الفهم والإدراك للطاعة !!!
وللسمع مغزى أكبر بكثير جداً في الإعلان الكتابي عما له في أي مكان آخر أو في الفكر العلمي أو الأدبي ، لأن الله يتقابل مع الإنسان لقاء حي وشخصي من خلال كلمته ، والذي يحدث فيها رؤية على مستوى الإيمان الحي ، الذي يجعل الإنسان فور سماعه لكلمة الله يقدم الطاعة : ” اسمعوا كلمة الرب يا بيت يعقوب وكل عشائر بيت إسرائيل ” ( إرميا 2: 4 ) ” بالإيمان إبراهيم لما دُعيَ أطاع أن يخرج إلى المكان الذي كان عتيدا أن يأخذه ميراثا فخرج و هو لا يعلم إلى أين يأتي ” (عب 11 : 8)
” فاسمع يا إسرائيل واحترز لتعمل لكي يكون لك خير وتكثر جداً كما كلمك الرب إله آبائك … ” ( تث 6: 3 )
اسمع يا إسرائيل: هي لفظة تدل على اعتراف لاهوتي حي ، وقد اعتُبرت عقيدة يهودية بلا منازع ، وتمشياً مع تثنية 6: 6 – 8 : [ ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك ، وقصها على أولادك وتكلم بها حين تجلس في بيتك وحين تمشي في الطريق وحين تنام وحين تقوم ، واربطها علامة على يدك ولتكن عصائب بين عينيك ، واكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك ] وبناءً على ذلك فهي تُقال صباحاً ومساءً كواجب وإعلاناً للإيمان ، وحين أُقيم الهيكل ، أتى الكهنة معاً في فترة بين خدمات العبادة الصباحية ليقرؤوا معاً ” اسمع يا إسرائيل ” ؛ وفيما تطورت عادة تكرار قول [ اسمع يا إسرائيل שְׁמַע יִשְׂרָאֵל ] عبر القرون ، أصبح المجتمع اليهودي يعتبر قولها وسيلة واضحة يُمكن للأفراد من خلالها أن يشهدوا لجوهر الإيمان اليهودي .
ولهذا السبب فإنه في النص العبري [ اسمع שְׁמַע يا إسرائيل يهوه إلهنا يهوه واحد אֶחָד ] فأن الحرف (ع) ע من كلمة اسمع (שְׁמַע ) والحرف (د) ד من كلمة واحد (אֶחָד) تُكتبان عادة بحروف أكبر من بقية حروف الكلمة ، ولذلك بدمج بين هذين الحرفين الساكنين الكبيرين [ ע ، ד ] يُمكن تكوين كلمة الشهادة [ עֵד ] …
فكان مطلوباً من أولاد شعب إسرائيل أن يحفظوا صيغة [ اسمع يا إسرائيل שְׁמַע יִשְׂרָאֵל ] فور تمكنهم من النطق بالكلمات ، فمن المستحيل أن يترك إسرائيلي واحد ابنه ، عندما يبدأ يتعلم الكلام والنطق دون أن يحفظه هذه الصيغة ؛ أما الشهداء وأولئك الذين على فراش الموت ، كانوا ينطقون أيضاً بهذه الشهادة . ومن ألهم بفعل ذلك هو الرابي ( المعلم ) العظيم – عند اليهود – عقيبة [ 50 – 135 م ] والذي قيل عنه إنه أثناء تنفيذ الرومان حكم الإعدام عليه ردد الشهادة ” اسمع يا إسرائيل ” …
وهكذا ، منذ الطفولة المبكرة وحتى لحظة الموت ، تعَلَّم اليهود أن يشهدوا لوحدانية اسم الله . وهذا الفكر اللاهوتي الأساسي يبلغ ذروته في العصر المسياني الذي يُستعلن فيه الله بملكه المتسع حسب نبؤه زكريا النبي : ” يملك الرب على الأرض كلها ، فيكون في ذلك اليوم ربٍ واحد لا يُذكر سوى اسمه ” ( زك 14: 9 )
عموماً أن كلمة أسمع ليس مجرد سماع بل تحمل اعتراف لاهوتي حي مصحوباً بالطاعة ” طاعة الإيمان الحي ” ، والكلمة تحمل معنى [ يستمع لـ ، يُنصت ، يهتم ، يُجيب ، يطيع ] ، وفي اليوناني تحمل معنى ” مُطيع ” ، وهي صفة السامع ، بمعنى أنه يسمع ويطيع باستمرار وبلا توقف ، لئلا يُعتبر إيمانه ميت ، أي بلا إيمان حي بالله المتكلم ومعطي صوته له ، ويصبح عاصي ، لا يسمع ولا يستجيب بالطاعة ، فنداء الله الحي [ اسمع يا إسرائيل שְׁמַע יִשְׂרָאֵל ] يحتاج اهتمام من نوع خاص مع الإنصات الجيد والواعي مصحوباً بفهم مع الإدراك والاستجابة والطاعة مستمرة لئلا يقع في أمرٌ خطير وينحرف عن الحياة ويدخل في دينونة الموت :
” لماذا جئت وليس إنسان !! ناديت وليس مُجيب !!! ” ( إشعياء 50: 2 )
” فأنا أيضاً أختار مصائبهم ومخاوفهم أجلبها عليهم من أجل أني دعوت فلم يكن مُجيب ، تكلمت فلم يسمعوا ، بل عملوا القبيح في عينيَّ واختاروا ما لم أُسرّ به ” ( إشعياء 66: 4 )
” أذهب ونادٍ بهذه الكلمات نحو الشمال وقل أرجعي أيتها العاصية إسرائيل يقول الرب . لا أوقع غضبي بكم لأني رءوف يقول الرب . لا أحقد إلى الأبد . اعرفي فقط إثمك أنك إلى الرب إلهك أذنبتِ وفرقت طُرقك للغرباء تحت كل شجرة خضراء ولصوتي لم تسمعوا يقول الرب [ اعترفي أنك أذنبتِ ( يا إسرائيل ) حين عصيتِ الرب إلهك وتفننت في حبك لآلهة غريبة تحت كل شجرة خضراء دون أن تسمعي لصوتي ] . أرجعوا أيها البنون العصاة [ الشاردون ] يقول الرب …نضطجع في خزينا ويُغطينا خجلنا لأننا إلى الرب إلهنا أخطأنا نحن وآباؤنا مُنذُ صبانا إلى هذا اليوم ولم نسمع لصوت الرب إلهنا ” ( إرميا 3: 12 – 14 ، 25 )
وبهذا نكون أدركنا معنى هذه الجملة الخطيرة والهامة للغاية [ اسمع يا إسرائيل שְׁמַע יִשְׂרָאֵל ] ، والتي تنتظر الطاعة من سامعها وكما هو مكتوب : ” هل مسرة الرب بالمحرقات و الذبائح كما باستماع صوت الرب هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة و الإصغاء أفضل من شحم الكباش ” (1صم 15 : 22)
ولنا دائماً حينما نقرأ الكتاب المقدس ننتبه لكل جملة ولفظة فيه ، وحينما نأتي لكلمة اسمع أو استمع يقول الرب ، فلننتبه بشدة لأن الأمر خطير ويحمل معنى هام للغاية وطلب من الله لأجل خيرنا وحياتنا لئلا نموت ونخرج من دائرة الحياة التي في الله ، لأن حينما يتكلم الله ويُنبهنا بالسمع فما يقوله هو سر يحمل قوة حياة لنا …
وهنا في هذا القول الهام والخطير ومبدأ الحياة يقول الرب في استعلان إلهي: [ اسمع يا إسرائيل: يهوه إلهنا يهوه واحد ] هذه حقيقة أعلنها الله لإسرائيل ، كاستعلان لشخصه القدوس الحي ، وهي لفظة تحمل تحذير لشعب إسرائيل الذي اتخذه الله ابناً له ليُستعلن فيه أمام جميع الشعوب ، قبل أن يقول له ” فتحب الرب إلهك ” ( تث 6: 4 – 5 ) ، لأن من المستحيل أن يقول أولاً حب الرب قبل أن يستعلن لهم أنه هو إلهه الوحيد الرب الواحد !!!
والرب يسوع نفسه في العهد الجديد يتخذ نفس الصورة الإعلانية ، حين سُأل من أحد مُعلمي الناموس : ما هي أهم الوصايا كلها ؟ فأجابه يسوع بترديد هذه الصيغة : ” إن أول كل الوصايا هي : اسمع يا إسرائيل . الرب إلهنا ربٌ واحد ” ( مرقس 12: 29 ) ، فالإيمان بالله الواحد يؤدي إلى طاعة غير منقسمة ، راسخة ومستمرة ، فالأذن مفتوحة على صوت الله واستعداد طاعة الإيمان حاضر في القلب دائماً ، وهذا هو المؤمن الحقيقي بالله الواحد الذي لا يُمكن أن يُشرك معه أحد مهما ان كان ، لأنه هو أصبح بالنسبة للإنسان الأول والآخر ، البداية والنهاية ، فالله لا يُريد أن يكون له شريك آخر في قلب الإنسان …
ولنا أن ننتبه جداً ، الله هنا لا يستعلن كمال طبيعة وحدانيته ، لأنها تفوق كل قامة الإنسان وإدراكه ، لأن الله مستحيل أن يُفحص من أحد ، ولكنه هنا يُستعلن للإنسان بالسر ليكشف أنه هو الواحد الوحيد مركز حياة الإنسان وخلاصه ولا يوجد معه آخر !!! ” لا يكن لك آلهة أخرى أمامي ” (خر 20: 3)
اجتمعوا يا كل الأمم معاً ولتلتئم القبائل . من منهم يُخْبِرُ بهذا ويُعلمنا بالأولويات ليقدموا شهودهم ويتبرروا . أو ليسمعوا فيقولوا صِدقٌ . أنتم شهودي يقول الرب وعبدي الذي اخترته لكي تعرفوا وتؤمنوا بي وتفهموا أني أنا هو . قبلي لم يُصَوَّرْ إله وبعدي لا يكون . أنا أنا الرب وليس غيري مُخَلِّص . أنا أَخْبَرْتُ وَخلَّصْتُ وأَعْلَمْتُ وليس بينكم غريب . وأنتم شهودي يقول الرب وأنا الله ( إشعياء 43: 9 – 12 )
ويقول القديس بولس الرسول : ” لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع ، الشهادة في أوقاتها الخاصة التي جُعلت لها كارزاً ورسولاً . الحق أقول في المسيح ولا أكذب . مُعلماً للأمم في الإيمان والحق ” ( 1 تيموثاوس 2: 5 – 7 )
ولنركز في هذه الآيات لنفهم مقاصد الله ونتعلم الإيمان كفعل في حياتنا وليس مجرد ألفاظ أو كلمات
أنت تؤمن أن الله واحد . حسناً تفعل . والشياطين يؤمنون ويقشعرون . ولكن هل تُريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل أن الإيمان بدون ( ثمر ) أعمال ميت . ألم يتبرر إبراهيم أبونا بالأعمال [ الطاعة ] إذ قدم إسحق ابنه على المذبح . فترى أن الإيمان عمل مع أعماله وبالأعمال أكمل الإيمان . وتم الكتاب القائل فتم الكتاب القائل : فآمن إبراهيم بالله فحُسب له براً ودُعيَّ خليل الله ( يعقوب 2: 19 – 23 )
بالإيمان إبراهيم لما دعي أطاع أن يخرج إلى المكان الذي كان عتيدا أن يأخذه ميراثا فخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي (عب 11: 8)
لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة هكذا أيضاً بإطاعة الواحد سيجعل الكثيرون أبراراً (رو 5: 19)
و لكن ظهر الآن و أُعلم به جميع الأمم بالكتب النبوية حسب أمر الإله الأزلي لإطاعة الإيمان (رو 16: 26)
الذي به لأجل اسمه قبلنا نعمة و رسالة لإطاعة الإيمان في جميع الأمم (رو 1: 5)


اسمع يا إسرائيل: يهوه إلهنا يهوه واحد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار