علم التاريخ

الحروب الصليبية 1098-1204



الحروب الصليبية 1098-1204

الحروب
الصليبية
1098-1204

المملكة
اللاتينية والإمارات الصليبية

وفي
ربيع السنة 1100 تجددت الأعمال الحربية فاستولى الصليبيون على ساحل فلسطين من
عسقلان حتى مكة. وقضت الضرورة العسكرية بتأمين الاتصال بين الصليبيين في فلسطين
وبين إخوانهم في أنطاكية والرها. وكان ريموند أمير تولوز طامعاً في إمارة له
فانطلق من اللاذقية في مطلع السنة 1102 واحتل طرطوس. ثم تقدم منها نحو طرابلس على
رأس ثلاثمئة فارس وكان فخر الملك محمد ابن عمارة قد طلب معونة الأمير ياخز خليفة
جناح الدولة على حمص ومعونة تقاق أو دقاق ابن تتش أمير دمشق فأعاناه. واجتمع هؤلاء
في السهل عند مدخل طرابلس. فجرت معركة حامية تغلب فيها ريموند. فوقع الصلح على مال
حمله أهل طرابلس إليه. وفي السنة 1103 عاد ريموند إلى القتال وقد وصله مدد من
البحر فحاصر طرابلس براً وبحراً فلم يجد فيها مطمعاً فعاد إلى جبيل وتسلمها
بالأمان. واستولى ريموند على جبلة وتقدم في السنة 1105 نحو طرابلس وأقام على
حصارها وبنى حصناً يطل عليها (حصن صنجيل) وبنى تحته ربضاً فخرج ابن عمار وأحرق
الربض. ووقف ريموند على بعض سقوفه فانخسف به فمرض ومات وحمل إلى المدينة المقدسة
ودفن فيها. وانتخب الضباط غيليوم يوردانوس قائداً وتابعوا الحصار. وقلت الأقوات في
طرابلس فتوجه فخر الملك إلى بغداد مستنفراً واجتمع بالسلطان محمد بوالخليفة
المستظهر فلم يحصل منها على غرض. فعاد إلى دمشق وأقام عند طغتكين وأقطعه الزبداني.
وأما أهل طرابلس فإنهم دخلوا في طاعة خليفة مصر راجين الفرج. وفي السنة 1108 أطل
برتران ابن ريموند غير الشرعي على رأس أربعة آلاف فارس قادماً من جنوب فرنسا.
فامتنع يوردانوس عن التنازل له عن القيادة ولا سيما وأنه كان قد انتصر منذ برهة
على جموع دمشق وحمص عند عرقة وإن عرقة كانت قد سقطت بيده. فاجتمع كبار الصليبيين
من أنطاكية وأورشليم وغيرهما في قلعة صنجيل الصليبية التي تطل على طرابلس للتوفيق
بين الأميرين المتنافرين. وترأس الاجتماع بودوان الأول ملك أورشليم وذلك في صيف
1109 فاتفق الطرفان على أن يتولى يوردانوس طرطوس وعرقة مقسماً الولاء لأمير
أنطاكية وأن يستحوذ برتران على طرابلس وجبيل مقسماً الولاء والطاعة لبودوان الأول
ملك أورشليم وعلى أن يرث أحدهما الآخر عند وفاته. ونزلوا جميعاً على طرابلس
وألصقوا ابراجهم بسورها. وتأخر المدد من مصر فاقتحمها الإفرنج عنوة ودخلوا إليها
في الثاني عشر من تموز سنة 1109. وأصبح برتران قومس طرابلس متسلماً سلطته بالاقطاع
من ملك أورشليم. واحتل الجنوبيون حياً من أحياء طرابلس وقلعة الكونستابل على بعد
خمسة عشر كيلومتراً إلى الجنوب وثلثي مدينة جبيل. ثم تنازل هؤلاء عن حقهم في جبيل
إلى الأميرال هوغ أمبرياكو
Hogue
Embriaco
فجعل من جبيل إقطاهاً
وراثياً له ولذريته من بعده. وأصيب يوردانوس بسهم طائش فتوفي فأصبح برتران ابن
ريموند قومس إمارة امتدت من طرطوس إلى نهر الكلب ومن البحر حتى مداخل حمص وشملت
رفنية والبقيعة وما جاورهما.

 

وكانت
بيروت وصيدا وصور قد تعاونت من جيوش دمشق وحمص لصد بودوان الأول عن الوصول إلى
أورشليم. فرابطت في منتصف تشرين الأول من السنة 1101 عند نهر الكلب مستعينة بضيق
الطريق ووعورة المسلك. فتظاهر بودوان بالتراجع واتجه نحو جونيه. فلحق به العدو وما
زال حتى وصل بودوان ورجاله إلى مضايق المعاملتين. فصمد بودوان بدوره مستعيناً
بطبيعة الأرض ثم انقض على الدمشقيين والحمصيين وأتباعهم من سكان بيروت وصيدا وصور.
فتراجعوا مذعورين ثم تشتتوا. فتابع بودوان سيره إلى أورشليم ليستوي على عرشها
خلفاً لغودوفرا.

 

ولمس
بودوان لمس اليد ضرورة الاستيلاء على بيروت وصيدا وصور لتأمين المواصلات بين
الشمال والجنوب فعاد إلى بيروت في ربيع السنة 1110 مستعيناً ببرتران وبأربعين
مركباً جنوبياً وبيزياً. واشتد القتال فقتل مقدم الأسطول الفاطمي وخلق كثير من
المسلمين. وهجم الصليبيون على البلد فملكوه بالسيف قهراً. واقطع بودوان بيروت لأحد
أشراف دولته “فولك دغين”
Foulques
de Guines
وخلفه عليها سادة من ذريته
حتى السنة 1187.

 

ونهض
بودوان من بيروت إلى عطة فوافق مروره فيها وصول أسطول نروجي بقيادة سيغورد
Sigord أخي ملك النروج. وكان سيغورد أول متوج يزور المملكة اللاتينية
فاستقبله بودوان بحفاوة فائقة وواكبه حتى المدينة المقدسة. فارتاح سيغورد وقال إن
رجاله راغبون في الإشتراك في “الجهاد” لمناسبة وجودهم في الأراضي
المقدسة. فشكر بودوان لضيفه الملكي هذه البادرة الطيبة وقال إن الظروف العسكرية
تقضي باحتلال صيدا. وفي أوائل تشرين الأول من السنة 1110 ظهر الأسطول النروجي أمام
صيدا وأحاط جيش بودوان بها من البر. واشتد القتال وأقبلت عمارة فاطمية مصرية من
صور فكادت تقضي على المراكب النروجية لولا وصول نجدة بندقية بقيادة الدوج نفسه
اورديلافو فاليري
Ordelafo Faliere. ودبر الصيداويون خطة لاغتيال بودوان بواسطة شاب مسلم كان قد دخل
المسيحية والتحق بخدمة الملك الصليبي. فعلم مسيحيو صيدا بذلك فأطلقوا سهماً حاملاً
الخبر إلى مقر القيادة الصليبية. فأمر بودوان بهذا الشاب فقتل عند أسوار المدينة.
وفي الرابع من كانون الأول سنة 1110 سلمت صيدا فرحل عنها أعيانها إلى دمشق. فجعلت
بارونية واقطعت إلى البارون أوستاش غارنيه
Eustace Garnier.
ووهب بودوان البنادقة كنيسة وأراضي في عكة.

 

وحاول
بودوان في السنة 1111 أن يستولي على صور ولكنه لم يفلح لضعفه في البحر. فعاد عنها
وانشغل بمشاغل أخرى. فظلت صور في يد المسلمين فترة من الزمن. وحاول أعيانها
التوفيق بين الولاء للفاطميين للاستعانة بأسطولهم وبين الولاء لأمراء دمشق
للاستعانة بجيشهم عند الحاجة. فقبلوا أميراً دمشقياً اسمه مسعود حكم باسم طغتكين
ودواموا على الدعاء في الخطبة للخليفة الفاطمي. وفي السنة 1122 وصل اسطول فاطمي
إلى مياه صور فاستقبل فيها أحسن استقبال. فدعا قائد الأسطول الأمير حاكم البلد
لزيارة الأسطول. ففعل فقبض عليه ونقل إلى القاهرة ثم أطلق سراحه. فاعترف طعتكين
الدمشقي بالحكم الفاطمي في صور.

 

وفي
منتصف شباط سنة 1124 وصل الصليبيون براً وبحراً إلى صور وضربوا الحصار عليها باسم
الملك الأورشليمي بودوان الثاني وبقيادة البطريرك غورموندو
Gormand.
فقطعوا مياه رأس العين عنها وتناولوها بالمجانيق. فرد الصوريون المجانيق بمثلها
ورموا المحاصرين بالنار الإغريقية. ولكنهم كانوا قليلين فلم يجرأوا على الهجوم.
واستغاثوا بالقاهرة ودمشق فلم يلبِّ الخليفة الآمر النداء لعدم توفر المراكب.
وأنفذ طغتكين جيشاً كبيراً إلى بانياس وبات ينتظر قدوم المراكب الفاطمية. ثم أطل
الصليبيون من معسكر صور فعاد إلى دمشق بدون قتال. وطال الحصار وقل الزاد والماء
فصالح طغتكين وسلم صور على شروط أهمها أن يسمح لأهلها بمغادرتها وأن يؤمن الباقون
فيها على حياتهم. وفي السابع من تموز سنة 1120 فتحت صور أبوابها للصليبيين
فاستولوا عليها باسم بودوان الثاني.

 

واقتصر
الحكم الصليبي في الغالب على السواحل والجبال الغربية حتى مقلب المياه. وظل الداخل
كحلب وحماه وحمص وبعلبك ودمشق بيد الأمراء المسلمين السلاجقة. ونشأ في البلاد ثلاث
إمارات صليبية ومملكة: إمارة الرها وإمارة أنطاكية وإمارة طرابلس والمملكة
اللاتينية. وكان نظام الحكم فيها إقطاعياً على الطريقة الأوربية. وجاء الملك
الأورشليمي صاحب التاج المقدس على قمة هذا النظام في المملكة اللاتينية وفي الإمارات
الثلاث. فكان عليه أن ينجد الأمير المقطع إذا أُعتدي عليه أو هدد بثورة داخلية وأن
يكون وصياً على الأمير إذا كان قاصراً وأن يكون الحكم بين الأمراء. وكان على
الأمراء أن يقسموا يمين الطاعة والولاء ويهبوا لمعونة الملك بعدد معين من
المحاربين. واقطع كل أمير من الأمراء غيره من أراضي إمارته بالشروط نفسها. وشمل
هذا الاقطاع الأساقفة والرهبان أيضاً. فكان على هؤلاء أن يقسموا يمين الطاعة
والولاء للأمير الكبير وأن يلبوا نداءه في المللمات فينجدوه بعدد معين من رجال
الحرب أو مبلغ محدد من المال أو الاثنين معاً.

 

 

 

الرهبان
الفرسان: وكان بعض الأغنياء الأتقياء من سكان أمالفي قد رقوا للحجاج الفقراء
فأنشأوا في السنة 1070 نزلاً لهؤلاء في أورشليم ووقفوه على اسم القديس يوحنا
الرحيم بطريرك الإسكندرية. ورثى لهؤلاء الفقراء آخرون من ابناء أمالفي فوقفوا
حياتهم لخدمتهم رهباناً لا يستكبرون. وخضع هؤلاء الرهبان ورئيسهم للسلطات
البنذكتية في الأراضي المقدسو. فلما خشي الأتراك السلاجقة قدوم الصليبيين في السنة
1098 طردوا هؤلاء الرهبان من الدير والنزل من المدينة المقدسة أيضاً. وكان ما كان
من أمر الحملة الصليبية الأولى. فلما سقطت أورشليم في يد الصليبيين أشفق الأمراء
على الحجاج والرهبان الأملفيين وحبسوا عليهم الأملاك. وعظم شأن هؤلاء الرهبان وكثر
عددهم فاستقلوا عن البنذكتيين واعترف البابا بهم رهبنة مستقلة باسم الرهبان
المضيفين
Hospitaliers. فسمّاهم المؤرخون المسلمون “الاسبتالية” أو
“الاسبتارية”. وفي السنة 1118 تولى رئاسة هذه الرهبنة راهب فرنسي واسع
الصدر بعيد النظر اسمه ريمون ده بوي
Raymond
du Puy
. فلم يكتفِ بإيواء الحجاج
ومواكبتهم والعناية بهم بل تطلّع إلى ما كان أهم من ذلك إلى حماية الحجاج
والمحافظة على سلامة وصولهم فبدل شفاعة يوحنا الرحيم بشفاعة يوحنا الحبيب وأوجب
التدريب على القتال واستعمال السلاح ورسم صليب أبيض على الجبب.

 

وفي
السنة 1118 أيضاً تقدم الفارس هوغ ده بان
Hugues de Payns
ورفاقه السبع من بطريرك أورشليم اللاتيني ناذرين العفة والطاعة واضعين أنفسهم تحت
تصرف البطريرك لحماية الحجاج من اللصوص وقطّاع الطرق. فوافق البطريرك وأنزلهم
الملك جناحاً من أجنحة قصره في هيكل سليمان (المسجد الأقصى) فعُرِفوا بالرهبان
الهيكليين
Templiers وهم “الداوية” في مصنفات العرب المعاصرين. ونظر مجمع
تروا
Troyes في نظامهم في السنة 1128 فأقره باسم “جنود المسيح”
وانتظم “جنود المسيح” طبقات ثلاثاً: طبقة الفرسان من الأشراف وطبقة
الرقباء من أبناء التجار وأصحاب المهن الحرة وطبقة الكهنة من خدام الكنائس. وارتدى
الفرسان الأشراف الأبيض وعليه صليب أحمر ولبس الرقباء الأسود وعليه صليب أحمر.
وقضى واجبهم الأول بأن تبقى طريق الحجاج حرة آمنة من الساحل حتى المدينة المقدسة.
ثم اندفعوا في سبيل الصليب فاشتركوا في معظم الحروب.

 

وأيّد
بودوان الأول وغيره من خلفائه هؤلاء الرهبان الفرسان لأنهم وجدوا فيهم أداة عسكرية
فعّالة مستعدة دائماً للنضال في سبيل “الجهاد”. فحبسوا عليهم الأملاك
لتأمين الدخل ثم أقطعوهم الأراضي ووكلوا إليهم حماية الأبراج والقلاع عند الحدود.
ففي السنة 1137 تولى الاسبتاليون حماية قلعة بيت جبرين وتولى الهيكليون الدفاع عن
غزة. وفي السنة 1142 أقطع أمير طرابلس ريمون الثاني الاسبتاليين حصن الأكراد وكل
ما وقع بين هذا الحصن وبين رفنية وبعرين واقطع الهيكليين طرطوس وصافيتا وعرقة.
وحذا أمراء أنطاكية حذو أمراء طرابلس وملوك فلسطين. فتولى الهيكليون الدفاع عن
حدود الإمارة الشمالية الشرقية واحتل الاسبتاليون حدودها الغربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار