علم

47- من رسالة جيروم إلى أستوخيوم



47- من رسالة جيروم إلى أستوخيوم

47- من رسالة جيروم إلى أستوخيوم

ويرى
القديس أنه من الأفضل للعذراء أن تتزوج برجُل عن أن تسقُط في أعماق الجحيم
بِمُحاولتها أن تنال المراقي العالية، ويُخاطِب استوكيوم ”أرجوكِ لا تجعلي مدينة
صهيون المُؤمِنة تصير زانية، لئلاَّ بعد أن نالت حِمايِة الثَّالوث، ترقُص فيها
الشياطين ويجعلون عِشَشَهُمْ فيها“.

 

وينصحنا
چيروم مع استوكيوم أنه ما إن تبدأ الشهوة تُهاجِم الحواس ويبدأ بريقها المُغري
يُؤلِمنا، يجب أن نصرُخ ”الرَّبُّ لي فلا أخاف. ماذا يصنعُ بي الإنسان“ (مز 118:
6) وإذا اضطرب الإنسان الباطني وتذبذب بين الفضائِل والخطايا، يجب أن نقول:
”لِماذا أنتِ مُنحنيةٌ يا نفسي ولِماذا تئنينَ فيَّ. ترجَّي الله لأني بعدُ
أحمدُهُ خلاص وجهي وإلهي “ (مز 42: 11) ولا ندع شيئاً من بابِل ينمو داخِلنا بل
نُهلِك العدو وهو بعد صغير أي في بِداياته ولذلك يقول المُرنِم: ”يا بِنْتَ بابِل
المُخزية طُوبى لِمَنْ يُجازِيكِ جزاءَكِ الذي جازيتِنا. طُوبى لِمَنْ يُمْسِكُ
أطفالَكِ ويضربُ بِهم الصَّخرة“ (مز 137: 8 – 9) لأنه من المُستحيل أن تنجو حواس
الإنسان من حروب الشهوة، ومُبارك هو ذاكَ الذي ما إن تبدأ هذه الأفكار في النمو
حتّى ينزع كلّ خيالاته وتصوراته ويُحطمها على الصخرة ”والصَّخرةُ كانت المسيح“
(1كو 10: 4).

 

ويروي
چيروم بعضاً من الحروب والتجارُب التي أتت عليه أثناء إقامته في البرِّيَّة،
فبينما كان مُقيماً في وحدة شاسِعة تحت الشمس الحارِقة، كثيراً ما كان يظُنْ أنه
وسط مباهِج روما!! كان جِسمه مُغطَّى بقسوة بالمِسوح الخَشِنة، وصار لبشرته شكل
الجسد الأثيوبي الأسود، وكان يبكي كلّ يوم وينوح ويإنْ، وعندما كان يغلِبه النوم،
كان ينام على الأرض العارِية، وكان يعتبِر تناوُل الطعام المطبوخ ترفاً، ويشرح أنه
هو الذي حكم على نفسه بهذا السِجْن خوفاً من الجحيم، ولم يكُنْ له رُفقاء سِوَى
العقارِب والحيوانات وبالرغم من ذلك كلّه كان يُحاط كثيراً ببنات راقِصات، ويقول
”كان وجهي شاحِباً من الصوم، وعقلي مُلتهِباً بالشهوة في جسد بارِد كالثلج“ ورغم
أنَّ جسده كان ميِتاً، إلاَّ أنَّ نيران الشهوات ظلَّت تتأجَّجْ داخله.

 

ويستطرِد
چيروم راوِياً أنه اعتاد، عندما كان بلا أي رجاء، أن يُلقي بنفسه عند قدمي يسوع
ويغسلهُما بدموعه ويمسحهُما بشعر رأسه (لو 7: 38) وعندما كان جسده يثور، كان يقمعه
ويُخضِعه بأسابيع من الأصوام، ”وأتذكَّر أنني كثيراً ما واصلت النهار بالليل بسبب
أحزاني ولم أكُنْ أتوقف عن قرع صدري حتّى يعود إليَّ سلام الذِهن بتوبيخ الرب“.

 

ويتساءل
قائِلاً أنه إذا كان المُتوحِدون يُحارَبون بمثل هذه التجارُب، فكم يجب على
العذراء أن تتحمَّل وهي التي يُهدِّدها الترف؟ لذلك يجب أن تتذكَّر قول الرَّسول
”أمَّا المُتنعِّمة فقد ماتت وهي حيَّةٌ“ (1تي 5: 6) وينصح قارِئته أن تحذر الخمر
مثل السُّم، لأنَّ العدو داخِلنا فحيثُما نذهب نحمِل عدونا معنا، والخمر مع الشباب
تُلهِب نيران الشهوات.

 

أمَّا
عن طعام العذارى ونُسكِهُنْ، فيجدنَ لهُنْ أمثلة كثيرة في الكِتاب المُقدس، مثل
الأنبياء إيليا وأليشع ودانِيال، وفي الكِتاب المُقدس العديد من المواضِع التي
تدين البَطنة وتمتدِح الطعام البسيط.

 

فالإنسان
الأوَّل طُرِد من الفِردوس إلى وادي الدِموع لأنه أطاع بطنه وشهوته أكثر مِمَّا
أطاع الله، وبالجوع أيضاً جرَّب الشيطان الرب في البرِّيَّة، والرَّسول يقول
”الأطعِمة للجوف والجوفُ للأطعِمة والله سيُبيدُ هذا وتِلكَ“ (1كو 6: 13)، وعن
الشهوانيين يقول ”إلهُهُم بطنُهُمْ“ (في 3: 19) وفي الواقِع ”كلّ إنسان يعبُد ما
يُحِب“.

 

ويُحذِّر
چيروم استوكيوم أنها إذا قالت أنها سليلة أُسرة نبيلة وتربَّت على الأطعمة الشهية
والتَّرف، ومِنْ ثمَّ لا تستطيع الإمتناع عن الخمر والأطعمة الفاخِرة، وأنها لا
تستطيع أن تحيا بحسب قسوة ونُسْك هذه التدابير، فإنَّ العريس سيُجيبها ”طالما لا
تستطيعي أن تعيشي بحسب ناموس الله، عيشي إذاً بحسب نامُوسِك“ ليس لأنَّ الله خالِق
الكون وربُّه يُسَرْ بِخَواء مِعدتنا بل لأنه لا يُمكن حِفْظ البتولية بأي وسيلة
أخرى.

 

ويُنبِّهها
چيروم أنه طالما أنها أوِّل عذراء من الطبقات الرَّاقِية في روما قبلت أن تحيا
راهِبة، يجب أن تُجاهِد بحماسة أكبر لئلاَّ تخسر الجعالات الحالية والمُستقبلية،
ويجب ألاَّ تختلِط بالسيِّدات المُتزوجات ويجب ألاَّ تزور البيوت الرَّاقية
المُتميِزة، وإذا كانت النِساء يفتخرنَ بأنَّ أزواجِهِنْ قُضاة ومُكرَّمين برُتبة
عالية ”لماذا تهينين أنتِ زوجِك؟“ فهي عروس لله ويجب أن تعلم أنها أفضل
مِنْهُنْ..أمَّا رفيقاتِها فهُنْ النِساء اللائي صِرْنَ نحيفات من الصوم، اللائي
يُرنِمْنَ يومياً في قُلُوبِهِنْ ”أينَ ترعى أين تُربِضُ عند الظَّهيرة“ (نش 1: 7)
واللاتي يقولنَ بمحبة ”لي اشتهاء أن أنطلِق وأكُون مع المسيح“ (في 1: 23).

 

ويحِثَّها
على الاقتداء بعريسها، فلا تخرُج كثيراً، ويكون طعامها مُعتدِلاً، وعندما تنهض في
الليل للصلاة يكون الجوع – وليس سوء الهضم – هو الذي يُؤثِر على تنفُسها وينصحها
أن تقرأ كثيراً بقدر استطاعِتها، وأن تدع النوم يغلِبها وهي مُمسِكة بكِتاب بين
يديها، وأن تجعل الأصحاحات المُقدسة تستحوِذ على ذِهنها بينما هي تغفو، أمَّا
الصوم فضرورة يومية للعذراء لأنَّ ”الأرض المروية تُنبِت أشواك الخطية“.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو اغلاق مانع الاعلانات لدعم الموقع كي نتمكن من الاستمرار